المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب المناسك ويليه باب الهدي والأضحية والعقيقة من الشرح الممتع ، قمت بتفريغه للقراءة المباشرة أو حمله من المرفقات


محب الدعوة
11-01-2011, 01:07 PM
الشرح الممتع
على
زاد المستقنع
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد السابع
دار ابن الجوزي
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
الطبعة الأولى 1424هـ

قد قمت بفضل الله عز وجل بتفاريغه كاملا هنا في هذه الصفحات ، وإن شئت فحمله من المرفقات ( ملف وورد )
كِتابُ المَنَاسِكِ ويليه باب الهدي والأضحية والعقيقة .
الحَجُّ والعُمْرَةُ وَاجِبَانِ ....................
المناسك: جمع منسك، والأصل أن المنسك مكان العبادة أو زمانها، ويطلق على التعبد، فهو على هذا يكون مصدراً ميمياً بمعنى التعبد، قال الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج: 34، 67] أي: متعبداً يتعبدون فيه، وأكثر إطلاق المنسك، أو النسك على الذبيحة، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الأنعام] ، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ جعلوا المنسك ما يتعلق بالحج والعمرة؛ لأن فيهما الهدي والفدية، وهما من النسك الذي بمعنى الذبح.
قوله: «الحج والعمرة واجبان» .
«الحج» مبتدأ و «العمرة» معطوف عليه و «واجبان» خبر المبتدأ.
والحج واجب وفرض بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإسلام.
وهو في اللغة: القصد.
وفي الشرع: التعبد لله ـ عزّ وجل ـ بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقول بعض الفقهاء في تعريفه: قصد مكة لعمل مخصوص، لا شك أنه قاصر؛ لأن الحج أخص مما قالوا؛
لأننا لو أخذنا بظاهره لشمل من قصد مكة للتجارة مثلاً، ولكن الأولى أن نذكر في كل تعريف للعبادة: التعبد لله ـ عزّ وجل ـ، فالصلاة لا نقول إنها: أفعال وأقوال معلومة فقط، بل نقول: هي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، وكذلك الزكاة، وكذلك الصيام.
والعمرة في اللغة الزيارة.
وفي الشرع التعبد لله بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
وقوله: «واجبان» أي: كل منهما واجب، ولكن ليس وجوب العمرة كوجوب الحج، لا في الآكدية، ولا في العموم والشمول.
أما الآكدية فإن الحج ركن من أركان الإسلام، وفرض بإجماع المسلمين، وأما العمرة فليست ركناً من أركان الإسلام، ولا فرضاً بإجماع المسلمين.
وأما العموم والشمول فإن كثيراً من أهل العلم يقولون: إن العمرة لا تجب على أهل مكة، وهذا نص عليه الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ.
واختلف العلماء في العمرة، هل هي واجبة أو سنة؟
والذي يظهر أنها واجبة؛ لأن أصح حديث يحكم في النزاع في هذه المسألة، هو حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: حين قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد
لا قتال فيه، الحج والعمرة» (1) ، فقوله: «عليهن» ظاهر في الوجوب؛ لأن «على» من صيغ الوجوب، كما ذكر ذلك أهل أصول الفقه، وعلى هذا فالعمرة واجبة ولكن هل هي واجبة على المكي؟
في هذا خلاف في مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، فالإمام أحمد نص على أنها غير واجبة على المكي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، بل إن شيخ الإسلام يرى أن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة مطلقاً، وأن خروج الإنسان من مكة ليعتمر ليس مشروعاً أصلاً، ولكن في القلب من هذا شيء؛ لأن الأصل أن دلالات الكتاب والسنة عامة، تشمل جميع الناس إلا بدليل يدل على خروج بعض الأفراد من الحكم العام.
واستدل بعض العلماء على وجوب العمرة بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] . فهل يسلم لهم هذا الاستدلال؟
الجواب: يمكن ألا يسلم لهم؛ لأن هناك فرقاً بين الإتمام وبين الابتداء، فالآية تدل على وجوب الإتمام لمن شرع فيهما؛ لأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن يفرض الحج، إذ الحج لم يفرض إلا في السنة التاسعة، والحديبية كانت في ذي القعدة من السنة السادسة، ولهذا لو شرع الإنسان في الحج أو العمرة في كل سنة، قلنا: يجب عليك أن تتم، أما ابتداءً فلا يلزم الحج إلا مرةً واحدة.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/71، 165)، وابن ماجه في المناسك/ باب الحج جهاد النساء (2901) قال الحافظ في البلوغ (709): إسناده صحيح.
وقوله: «الحج والعمرة واجبان» الذي يظهر لي أن المؤلف لم يرد أن يبين حكمهما من حيث هو؛ لأن ذلك واضح، فإن الحج من أركان الإسلام، لكن أراد أن يقيد الوجوب بشروط الوجوب فقال: «واجبان على المسلم الحر» كأن سائلاً يسأل: على من يجب الحج والعمرة؟
عَلَى المُسْلِمِ الحُرِّ المُكَلَّفِ القَادِرِ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً عَلَى الفَوْرِ..........
قوله: «على المسلم» هذا أحد شروط وجوب الحج والعمرة، والعِبادات كلها لا تجب إلا على المسلم؛ لأن الكافر لا تصح منه العبادة؛ لقول الله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة: 54] . فالإسلام شرط لكل عبادة، وإذا قلنا: إنها غير واجبة على الكافر، فلا يعني ذلك أنه لا يعاقب عليها، ولكنه لا يؤمر بها حال كفره، ولا بقضائها بعد إسلامه، فعندنا ثلاثة أشياء:
الأول: الأمر بأدائها.
الثاني: الأمر بالقضاء.
الثالث: الإثم.
فالأمر بالأداء لا نوجهه إلى الكافر، والأمر بالقضاء إذا أسلم كذلك لا نوجهه إليه، والإثم ثابت يعاقب على تركها، وعلى سائر فروع الإسلام.
قوله: «الحر» ضده العبد الكامل الرِّق، والمبعَّض، وهذا هو الشرط الثاني لوجوب الحج والعمرة، وهو الحرية، فلا يجب الحج على قِنٍّ ولا مبعض، لأنهما لا مال لهما، أما العبد الكامل الرِّق؛ فلأن ماله لسيده لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال
فماله للذي باعه، إلا أن يشترطه المبتاع» (1) .
فإذا لم يكن له مال فهو غير مستطيع، وأما المبعض فيملك من المال بقدر ما فيه من الحرية، فإذا ملك عشرة ريالات، ونصفه حر، صار له منها خمسة، ولكنه لا يستطيع أن يحج من أجل مالك نصفه ـ إذا كان مبعضاً بالنصف ـ؛ لأنه مملوك في هذا الجزء فلا يلزمه الحج.
قوله: «المكلف» هو: البالغ العاقل، وهذا هو الشرط الثالث لكنه يتضمن شرطين هما البلوغ والعقل، فالصغير لا يلزمه الحج، ولكن لو حج فحجه صحيح؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين رفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (2) ، والصغير من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة للذكور، وواحد من أمور أربعة للإناث.
فللذكور: الإنزال، ونبات العانة، وتمام خمس عشرة سنة، وللإناث: هذه، وزيادة أمر رابع وهو الحيض.
وأما المجنون فلا يلزمه الحج ولا يصح منه، ولو كان له أكثر من عشرين سنة؛ لأنه غير عاقل، والحج عمل بدني يحتاج إلى القصد.
__________
(1) أخرجه البخاري في المساقاة/ باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط (2379)، ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها ثمر (1543) (80) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب «صحة حج الصبي» (1336) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
قوله: «القادر» هذا هو الشرط الخامس لوجوب الحج والعمرة، ولم يفسر المؤلف القدرة، لكن كلامه الآتي يفسرها. والقادر: هو القادر في ماله وبدنه، هذا الذي يلزمه الحج أداءً بنفسه، فإن كان عاجزاً بماله قادراً ببدنه لزمه الحج أداءً؛ لأنه قادر.
مثل: أن يكون من أهل مكة، لكنه يقدر أن يخرج مع الناس على قدميه ويحج.
وإن كان بعيداً عن مكة، ويقول: أستطيع أن أمشي، وأخدم الناس وآكل معهم فيلزمه الحج، وإن كان قادراً بماله عاجزاً ببدنه لزمه الحج بالإنابة، أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه، إلا إذا كان العجز مما يرجى زواله فينتظر حتى يزول.
مثال ذلك: إنسان كان فقيراً وكبر وتقدمت به السن، وأصبح لا يمكن أن يصل إلى مكة فأغناه الله في هذه الحال، فنقول: لا يلزمه الحج في هذه الحال ببدنه؛ لأنه عاجز عجزاً لا يرجى زواله، لكن يلزمه الحج بالإنابة، أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه.
فإن قال قائل: كيف تلزمونه أن ينيب في عمل بدني، والقاعدة الشرعية التي دلت عليها النصوص: «أنه لا واجب مع العجز» لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وهذا لا يستطيع أن يحج فكيف نلزمه أن ينيب من يحج عنه، أفلا يجب أن نقول: إن هذا يسقط عنه الوجوب لعجزه عنه؟
فالجواب أن يقال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ المرأة حين قالت:
«يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟» (1) ، فأقرها على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، ولو لم يجب عليه لم يقرها الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه لا يمكن أن يقر على خطأ، فدل على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب، وإذا كان عاجزاً بماله وبدنه سقط عنه الحج، فالأقسام إذاً أربعة:
الأول: أن يكون غنياً قادراً ببدنه، فهذا يلزمه الحج والعمرة بنفسه.
الثاني: أن يكون قادراً ببدنه دون ماله، فيلزمه الحج والعمرة إذا لم يتوقف أداؤهما على المال، مثل أن يكون من أهل مكة لا يشق عليه الخروج إلى المشاعر، وإن كان بعيداً عن مكة، ويقول: أستطيع أن أخدم الناس وآكل معهم فهو قادر يلزمه الحج والعمرة.
الثالث: أن يكون قادراً بماله عاجزاً ببدنه، فيجب عليه الحج والعمرة بالإنابة.
الرابع: أن يكون عاجزاً بماله وبدنه فيسقط عنه الحج والعمرة.
قوله: «في عمره مرة» ، لو قدّم «مرة» لكان أحسن.
أي: واجبان مرة في العمر؛ لأن الله أطلق، فقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] .
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب وجوب الحج وفضله (1513)؛ ومسلم في الحج/ باب الحج عن العاجز (1334) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «حين سئل عن الحج أفي كل عام؟ قال: الحج مرة، فما زاد فهو تطوع» (1) . إلا لسبب كالنذر، فمن نذر أن يحج وجب عليه أن يحج؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (2) .
ولأن الحكمة والرحمة تقتضي ذلك، لأنه لو وجب أكثر من مرة لشق على كثير من الناس لا سيما في الأماكن البعيدة، ولا سيما فيما سبق من الزمان، حيث كانت وسائل الوصول إلى مكة صعبة جداً، ثم لو وجب على كل واحد كل سنة، لامتلأت المشاعر بهم ولم تكفهم منى ولا مزدلفة ولا عرفة.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مرة» ، يستفاد منه فائدة عظيمة، وهي أن من مر بالميقات، وقد أدى الفريضة فإنه لا يلزمه الإحرام، وإن طالت غيبته عن مكة.
مثاله: شخص له أربع سنين، أو خمس سنين لم يذهب إلى مكة، ثم ذهب إليها لحاجة تجارة، أو زيارة، أو ما أشبه ذلك، ومرَّ بالميقات، فإنه لا يلزمه أن يحرم؛ لأن الحج والعمرة إنما يجبان مرة واحدة، ولو ألزمناه بالإحرام لألزمناه بزائد عن المرة، وهذا خلاف النص.
__________
(1) أخرجه أحمد (1/290)، وأبو داود في المناسك/ باب فرض الحج (1721)؛ والنسائي في الحج/ باب وجوب الحج (5/111)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب فرض الحج (2886)؛ والحاكم (4411) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وقال الحاكم: «إسناده صحيح، ولم يخرجاه»، وأقره الذهبي.
(2) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور/ باب النذر في الطاعة (6696) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
قوله: «على الفور» ، أي: يجب أداؤهما على الفور إذا تمت شروط الوجوب.
والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .
ثانياً: حديث أبي هريرة: «أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» (1) .
والأصل في الأمر أن يكون على الفور، ولهذا غضب النبي صلّى الله عليه وسلّم في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا (2) .
ثالثاً: لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون الآن قادراً على أن يقوم بأمر الله ـ عزّ وجل ـ، وفي المستقبل عاجزاً.
رابعاً: لأن الله أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} ...} [البقرة: 148] ، والتأخير خلاف ما أمر الله به، وهذا هو الصواب، أنه واجب على الفور.
وقيل: بل واجب على التراخي، واستدلوا بما يلي:
أولاً: بالقياس على الصلاة في الوقت إن شئت صلها في أول الوقت، وإن شئت فصلها في آخره، والعمر هو وقت الحج، فإن شئت حجَّ أول العمر، وإن شئت آخرَهُ.
ثانياً: أن الله فرض الحج والعمرة في السنة السادسة بقوله
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب فرض الحج مرةً في العمر (1337).
(2) أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب (2731)، (2732) عن مروان والمسور بن مخرمة.
تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] ، ولم يحج النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا في السنة العاشرة.
ولكن الصحيح أنه واجب على الفور لما تقدم من الأدلة.
وأما القول: أن عمر الإنسان كله وقت للحج فهذا صحيح، لكن من يضمن أن يبقى إلى السنة الثانية؟!
أما الصلاة فوقتها قصير فلذلك وسع فيها.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] ، فغير صحيح؛ لأن هذا ليس أمراً بهما ابتداءً، ولكنه أمر بالإتمام بهما، وفرق بين الابتداء والإتمام.
وأما فرض الحج فالصواب أنه في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك؛ لأن فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، وذلك أن قريشاً منعت الرسول صلّى الله عليه وسلّم من العمرة فمن الممكن والمتوقع أن تمنعه من الحج، ومكة قبل الفتح بلاد كفر، ولكن تحررت من الكفر بعد الفتح، وصار إيجاب الحج على الناس موافقاً للحكمة.
والدليل على أن الحج فرض في السنة التاسعة أن آية وجوب الحج في صدر سورة آل عمران، وصدر هذه السورة نزلت عام الوفود.
فإن قيل: لماذا لم يحج النبي صلّى الله عليه وسلّم في التاسعة، وأنتم تقولون على الفور؟.
الجواب: لم يحج صلّى الله عليه وسلّم لأسباب:
الأول: كثرة الوفود عليه في تلك السنة، ولهذا تسمى السنة
التاسعة عام الوفود، ولا شك أن استقبال المسلمين الذين جاؤوا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليتفقهوا في دينهم أمر مهم، بل قد نقول: إنه واجب على الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ ليبلغ الناس.
الثاني: أنه في السنة التاسعة من المتوقع أن يحج المشركون، ـ كما وقع ـ فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يؤخر من أجل أن يتمحض حجه للمسلمين فقط، وهذا هو الذي وقع، «فإنه أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (1) .
وكان الناس في الأول يطوفون عراة بالبيت إلا من وجد ثوباً من الحُمس من قريش، فإنه يستعيره ويطوف به، أما من كان من غير قريش فلا يمكن أن يطوفوا بثيابهم بل يطوفون عراة، وكانت المرأة تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا أحله
فَإِنْ زال الرِّقُ والجُنُونُ والصِّبَا فِي الحَجِّ بِعَرَفة وَفِي العُمْرةِ قَبْلَ طوافِها صَحَّ فرْضاً
قوله: «فإن زال الرق» ، أفاد ـ رحمه الله ـ أن الرقيق يصح منه الحج، إذاً الحرية شرط للوجوب، فلو حج الرقيق فإن حجه صحيح، ولكن هل يجزئ عن الفرض أو لا يجزئ؟
الجواب: في هذا خلاف بين العلماء: فقال جمهور العلماء: إنه لا يجزئ؛ لأن الرقيق ليس أهلاً للوجوب، فهو كالصغير، ولو حج الصغير قبل البلوغ لم يجزئه عن حجة الإسلام فكذلك الرقيق.
وذهب بعض العلماء إلى أن الرقيق يصح منه الحج بإذن
__________
(1) أخرجه البخاري في الصلاة/ باب ما يستر من العورة (369)؛ ومسلم في الحج/ باب لا يحج البيت مشرك... (1347) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
سيده؛ لأن إسقاط الحج عن الرقيق من أجل أنه لا يجد مالاً، ومن أجل حق السيد، فإذا أعطاه سيده المال وأذن له، فإنه مكلف بالغ عاقل فيجزئ عنه الحج.
وليس عندي ترجيح في الموضوع؛ لأن التعليل بأنه ليس أهلاً للحج تعليل قوي، والتعليل بأنه إنما منع من أجل حق السيد قوي أيضاً؛ فالأصل أنه من أهل العبادات.
وهناك حديث في الموضوع: «أن من حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى، وأن من حج وهو صغير ثم بلغ فعليه حجة أخرى» (1) .
لكنه مختلف في صحته والاحتجاج به، وإلا لو صح الحديث مرفوعاً إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم لكان هو الفيصل، وكثير من المحدثين قال: إنه موقوف على ابن عباس وليس مرفوعاً، وأنا متوقف في هذا.
قوله: «والجنون، والصبا، في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً» ، أي: إن زال الرق في الحج بعرفة صح فرضاً.
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة (3050)؛ والحاكم (1/481)؛ والبيهقي (5/179)، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وصحح ابن خزيمة أنه موقوف.
وقال البيهقي: «تفرد برفعه محمد بن المنهال، ورواه غيره عن شعبة موقوفاً».
وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
انظر: التلخيص (953)؛ و«نصب الراية» (3/6).
تنبيه: عند ابن خزيمة والحاكم «الأعرابي» بدل «العبد»، ولفظه: «إذا حج الأعرابي فهي له حجة، فإذا هاجر فعليه حجة أخرى».
ومعنى زوال الرق أن يعتق العبد، فإذا أعتقه سيده في الحج بعرفة صح فرضاً، مع أنه حال إحرامه بالحج كان الحج في حقه نفلاً؛ لأن الحج لا يجب على الرقيق على ما سبق من الخلاف فيه.
وقوله: «صح فرضاً» إذا أخذنا بظاهر كلامه فإنه يكون فرضاً من أول الإحرام، فعلى هذا يلغز بها، فيقال: عبادة أولها نفل ثم انقلبت إلى فرض بدون أن ينوي الفرض من أولها، فيكون الجواب هو: حج الرقيق إذا عتق في عرفة أو قبلها.
وقيل: إنه لا يكون فرضاً إلا من حين العتق، فتكون هذه العبادة أولها نفلاً وآخرها فرضاً، وهذا أيضاً يلغز به، وهذا ليس بغريب؛ لأن الحج يخالف غيره في مسألة النية في أمور متعددة، كما سيأتي أن الإنسان إذا قدم إلى مكة، وهو مفرد أو قارن فطاف وسعى، فإنه سيطوف للقدوم، وطواف القدوم سنة، وسيسعى للحج، فله بعد ذلك أن يقلب هذه النية إلى عمرة ليصبح متمتعاً، فالطواف كان للقدوم في الأول وهو سنة، وصار الآن للعمرة ركناً، والسعي الذي كان أولاً للحج صار الآن للعمرة فالحج له أشياء يخالف غيره فيها.
وكذلك إذا أفاق المجنون بعرفة صار حجه فرضاً، ولكن إذا سأل سائل: كيف يتصور أن يُحرِم المجنون فيفيق بعرفة؟ وهل المجنون تصح منه نية الإحرام؟
فالجواب أن نقول: من أهل العلم من قال: إن المجنون يجوز أن يحرم عنه وليه، كما يحرم عن الصغير، فالصغير ليس له
تمييز، والمجنون ليس له عقل، فإذا جاز أن يحرم عن صبيه الذي ليس له تمييز، فإنه يجوز أن يحرم عن المجنون، وبناءً على هذا القول لا إشكال؛ لأنه سيحرم عنه وليّه وهو مجنون، ويبقى محرماً، فإذا عقل بعرفة صح أن نقول: إنه زال جنونه بعرفة، وهو محرم.
وأما إذا قلنا: إن المجنون لا يصح إحرامه بنفسه ولا بوليّه، فإنه يحمل كلام المؤلف على ما إذا طرأ عليه الجنون بعد الإحرام، وهنا إشكال آخر وهو: ألا يبطل إحرامه بالجنون؟
نقول: لا يبطل الإحرام بالجنون، بل يبقى على إحرامه، ثم إن زال جنونه بعرفة أتمه، وإن زال بعد عرفة فإنه قد فاته الحج ويتمه عمرة، وإن بقي على جنونه، فإنه يكون كالمُحصر، أي: أنه يتحلل، ويذبح هدياً إن تيسر، هذا إن قلنا: إن الحج لا يبطل بالجنون.
أما إذا قلنا بالقول الثاني: إنه يبطل بالجنون، فإنه إذا جُن في أثناء الإحرام بطل حجه.
ولو قيل بالتفصيل: أنه إذا كان من عادته أن يجن يوماً أو ليلة ثم يفيق؛ فالنسك لا يبطل وإن كان لا يدرى عنه، فهنا يتوجه القول بالبطلان؛ لأنه صار غير أهل للعبادة.
وكذا لو زال الصبا في الحج بعرفة، والصبا، أي: الصغر وذلك بأن يبلغ بعرفة، وهل يمكن أن يبلغ بعرفة؟
الجواب: نعم يمكن، ويكون إما بالسن أو بالاحتلام، فبالسن بأن يكون هذا الصبي قد ولد في منتصف يوم عرفة،
وفي يوم عرفة تم له خمس عشرة سنة، فحينئذٍ نقول: قد بلغ في عرفة، وإما في الاحتلام، فذلك أن ينام في يوم عرفة ويحتلم، فيكون قد بلغ في يوم عرفة، وإذا بلغ الصبي في عرفة صار حجه فرضاً، وأجزأه عن حجة الإسلام.
وقوله: «وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً» ، أي: لو اعتمر الصبي، وأثناء العمرة وقبل أن يشرع في الطواف بلغ فإن عمرته هذه تكون فرضاً، وكذلك المجنون لو جن بعد إحرامه للعمرة، أو قلنا: بصحة إحرام وليه عنه، ثم عقل قبل طواف العمرة فإنه يصح فرضاً، وكذلك أيضاً العبد إذا أحرم بالعمرة وهو رقيق، ثم أعتقه سيده قبل طواف العمرة فإنه يصح فرضاً.
علم من كلامه أنه لو زال الرق، والجنون، والصبا، بعد عرفة فإنه لا يكون فرضاً، إلا أنه إن زال بعد عرفة مع بقاء وقت الوقوف، ثم عاد فوقف فإنه يصح فرضاً.
مثاله: أن يكون الصبي أو الرقيق قد دفع من عرفة بعد غروب الشمس ليلة العيد، وفي تلك الليلة بلغ أو أعتق، فنقول له: إذا رجعت الآن إلى عرفة، ووقفت بها فإن حجك يكون فرضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الحج عرفة» (1) . وقد وقفت بعرفة
__________
(1) أخرجه أحمد (4/309، 335)؛ وأبو داود في المناسك/ باب من لم يدرك عرفة (1949)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في من أدرك الإمام بجمع... (889)؛ والنسائي في الحج/ باب فرض الوقوف بعرفة (5/256)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (3015)؛ وصححه ابن خزيمة (2822)؛ وابن حبان (3892) إحسان، والحاكم (1/464)؛ عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ـ رضي الله عنه ـ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
قبل فوات وقته، ويجب أن يرجع بعد ذلك إلى مزدلفة من أجل أن يبيت بها.
فإن قيل: هل يلزمه إذا بلغ بعد الدفع من عرفة مع بقاء وقت الوقوف أن يرجع إلى عرفة، أم له أن يستمر؟
فالجواب: إن قلنا: إن الحج واجب على الفور، وجب أن يرجع ليقف بعرفة، حتى يؤديه من حين وجب عليه، وإن قلنا: إنه على التراخي لم يلزمه أن يرجع إلى عرفة، ويستمر في إتمام هذا الحج، ويكون هذا الحج نفلاً لا فرضاً.
وفِعْلهُمَا مِنْ الصَّبي، وَالعَبْدِ نَفْلاً ..........
قوله: «وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً» ، أي: يصح فعل العمرة والحج من الصبي، ولكن يكون نفلاً؛ لأن من شرط الإجزاء: البلوغ، فإذا حج وهو صغير فالحج في حقه نفل وليس بفرض، وكذلك يقال في العبد إن قلنا لا يجزئه الحج عن الفريضة وقد تقدم.
مسائل:
الأولى: لم يبين المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ كيف يحج الصبي على وجه التفصيل، فنقول: إن الصبي إن كان مميزاً فإن وليه يأمره بنية الإحرام، فيقول: يا بني أحرم، لأنه يميز، وإن كان غير مميز فإنه ينعقد إحرامه بنية وليه عنه، وأما الطواف فإن كان مميزاً أمره بنية الطواف، وإن لم يكن مميزاً فينويه عنه وليّه، ثم إن كان قادراً على المشي مشى، وإن لم يكن قادراً حمله وليه أو غيره بإذن وليه، ويقال في السعي كما قيل في الطواف، أما الحلق أو التقصير، فأمره ظاهر.
الثانية: هل الأولى أن يحرم بالصغار بالحج أو العمرة، أم الأولى عدم ذلك؟
الجواب: في هذا تفصيل، وهو إن كان في وقت لا يشق فإن الإحرام بهم خير؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للمرأة التي رفعت له الصبي، وسألته هل له حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (1) . وأما إن كان في ذلك مشقة كأوقات الزحام في الحج أو العمرة في رمضان، فالأولى عدم الإحرام؛ لأنه ربما يشغل وليه عن أداء نسكه الذي هو مطالب به على الوجه الأكمل، وقد يترتب على ذلك مشقة شديدة على الصبي وأهل الصبي.
الثالثة: إذا أحرم الصبي، فهل يلزمه إتمام الإحرام؟
الجواب: المشهور من المذهب أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحج والعمرة يجب إتمام نفلهما، والحج والعمرة بالنسبة للصبي نفل، فيلزمه الإتمام.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ: أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف ولا ملزم بالواجبات فقد رفع عنه القلم، فإن شاء مضى وإن شاء ترك، وهذا القول هو الأقرب للصواب، وهو ظاهر ما يميل إليه صاحب الفروع، وعلى هذا له أن يتحلل ولا شيء عليه، وهو في الحقيقة أرفق بالناس بالنسبة لوقتنا الحاضر؛ لأنه ربما يظن الولي أن الإحرام بالصبي سهل، ثم يكون على خلاف ما يتوقع، فتبقى المسألة مشكلة،
__________
(1) سبق تخريجه ص(9).
وهذا يقع كثيراً من الناس اليوم، فإذا أخذنا بهذا القول الذي هو أقرب للصواب لعلته الصحيحة زالت عنا هذه المشكلة.
الرابعة: إذا كان الصبي يعقل النية، ولكنه لا يستطيع الطواف بنفسه؟
الجواب: يحمله وليه أو غيره بإذن وليه في الطواف وفي السعي؛ لأن الركوب في الطواف والسعي جائز عند العجز، وقد قالت أم سلمة للنبي صلّى الله عليه وسلّم حين أمر بالطواف للوداع: يا رسول الله، إني مريضة، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» (1) . فدل هذا على أنه يجوز الركوب عند العجز، والحمل بمعناه.
الخامسة: المحمول هل يجب أن تكون الكعبة عن يساره مع أن الغالب أن تكون عن يمينه؟ المذهب لا بد أن تكون عن يساره، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون الكعبة عن يساره إلا إذا حمله على الكتف.
والذي يظهر لي أنه ليس بشرط؛ لأن ظاهر قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «نعم ولك أجر» ، أن له حجاً، ويحمل على ما يحمل عليه، ولما فيه من المشقة.
السادسة: إذا قلنا: بأنه يحمله، فهل يصح أن يطوف عن نفسه وعن الصبي بطواف واحد، أم لا يصح؟
الجواب: المذهب أنه لا يصح، وإذا نوى عن نفسه وعن المحمول، فإنه يقع عن المحمول ولا يقع عن نفسه.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب المريض يطوف راكباً (464)؛ ومسلم في الحج/ باب الطواف على بعير ونحوه (1276).
القول الثاني: لا يصح، ولكن إذا نوى عن نفسه وعن المحمول، فإنه يقع عن نفسه دون المحمول؛ لأنه أصل والمحمول فرع.
والذي نرى في هذه المسألة: أنه إذا كان الصبي يعقل النية فنوى وحمله وليه، فإن الطواف يقع عنه وعن الصبي؛ لأنه لما نوى الصبي صار كأنه طاف بنفسه.
أما إذا كان لا يعقل النية فإنه لا يصح أن يقع طواف بنيتين، فيقال لوليه: إما أن تطوف أولاً، ثم تطوف بالصبي، وإما أن تكل أمره إلى شخص يحمله بدلاً عنك، فإن طاف بنيتين فالذي نرى أنه يصح من الحامل دون المحمول.
وقوله: «وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً» ، العبد ولو كان عاقلاً بالغاً لا يقع منه الحج والعمرة إلا نفلاً؛ لأنه ليس أهلاً للفرض، وسبق الخلاف في هذا، وهو أنه هل من شرط الإجزاء الحرية على كل حال؟ أم نقول: يستثنى من ذلك إذا أذن له سيده، فإن أذن له وجب عليه وأجزأه؟ كما سبق.
وعلى هذا يتبين أن الشروط الخمسة التي ذكرها المؤلف تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: شرطان للوجوب، والصحة، والإجزاء: وهما الإسلام، والعقل.
الثاني: شرطان للوجوب، والإجزاء فقط وهما البلوغ، والحرية.
الثالث: شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة، فلو حج وهو غير مستطيع أجزأه وصح منه.
وَالقادِرُ: مَنْ أمْكَنهُ الرُّكُوبُ، وَوَجَدَ زاداً وَرَاحِلَةً صَالحَين لِمِثْلِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الواجِبَات
قوله: «والقادر: من أمكنه الركوب» ، فمن لا يمكنه الركوب فليس بقادر، وكيف لا يمكنه الركوب؟
الجواب: أما في زمن الإبل فتعذر الركوب كثير، إما لضعف بنيته الخلقية، أو لكونه هزيلاً لا يستطيع الثبات على الراحلة.
فإن قال قائل: يمكن أن نربطه على الراحلة.
قلنا: في ذلك مشقة لا تأتي بها الشريعة.
وأما في وقتنا الحاضر وقت الطائرات، والسيارات، فالذي لا يمكنه الركوب نادر جداً، ولكن مع ذلك فبعض الناس تصيبه مشقة ظاهرة في ركوب السيارة، والطائرة، والباخرة، فربما يغمى عليه، أو يتعب تعباً عظيماً، أو يصاب بغثيان وقيء، فهذا لا يجب عليه الحج، وإن كان صحيح البدن قوياً.
قوله: «ووجد زاداً وراحلة» ، الزاد ما يتزود به في السفر من طعام وشراب، وغير ذلك من حوائج السفر.
والراحلة معروفة، وهي ما يرتحله الإنسان من المركوبات من إبل، وحمر، وسيارات، وطائرات وغيرها.
لكن المؤلف اشترط شرطاً، وهو:
قوله: «صالحين لمثله» ، أي: لا بد أن يكون الزاد صالحاً
لمثله، وكذلك الراحلة ، فلو كان رجلاً ذا سيادة وجاه، ولم يجد إلا راحلة لا تصلح لمثله ـ كحمار مثلاً ـ فلا يلزمه؛ لأنه مركوب غير صالح لمثله، فيلحقه في ذلك غضاضة وحرج، وكذلك الزاد إذا كان لا يصلح لمثله.
وقد يرد على كلام المؤلف عموم قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] ، فإنه يشمل من أمكنه السفر على راحلة لا تصلح لمثله، وبزاد لا يصلح لمثله.
والناس إذا سافروا إلى الحج على مثل هذه الراحلة أو بمثل هذا الزاد، فإنهم لا يشمت بعضهم ببعض ولا يعير بعضهم بعضاً، فلا يقال حينئذٍ: إنه عاجز، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] ، لأن زاد المسافر ليس كزاد المقيم.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنه من وجد زاداً وراحلة يصل بهما إلى المشاعر ويرجع لزمه الحج، ولم يقيدوا ذلك بكونهما صالحين لمثله، وهذا أقرب إلى الصواب، ولا عبرة بكونه يفقد المألوف من مركوب، أو مطعوم، أو مشروب، فإن هذا لا يعد عجزاً.
قوله: «بعد قضاء الواجبات» ، هناك ثلاثة أمور لا يكون مستطيعاً قادراً إلا بعد توافرها وهي:
الأول: قضاء الواجبات:
والواجبات: كل ما يجب على الإنسان بذله، كالديون لله ـ عزّ وجل ـ، أو للآدمي، والنفقات الواجبة للزوجة والأقارب، والكفارات، والنذور، فلا بد أن يقضي هذه الأشياء.
فمن كان عنده مال إن قضى به الدين لم يتمكن من الحج، وإن حج لم يقض به، فهذا ليس بقادر إلا بعد قضاء الديون.
وإذا كان على الإنسان دين فلا حج عليه سواء كان حالاً أو مؤجلاً، إلا أنه إذا كان مؤجلاً وهو يغلب على ظنه أنه يوفيه إذا حل الأجل وعنده الآن ما يحج به فحينئذٍ نقول: يجب عليه الحج.
فإذا قال قائل: لو أن صاحب الدين أذن له أن يحج، فهل يكون قادراً؟
فالجواب: لا؛ لأن المسألة ليست إذناً أو عدم إذن، المسألة شغل الذمة أو عدم شغلها، ومن المعلوم أن صاحب الدين إذا أذن للمدين أن يحج فإن ذمته لا تبرأ من الدين، بل يبقى الدين في ذمته، فنقول له: اقض الدين أولاً ثم حج، ولو لاقيت ربك قبل أن تحج، ولم يمنعك من ذلك إلا قضاء الدين، فإنك تلاقي ربك كامل الإسلام؛ لأن الحج في هذه الحال لم يجب عليك، فكما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة، ولو لقي ربه للقيه على إسلام تام، فكذلك هذا المدين الذي لم يتوفر لديه مال يقضي به الدين ويحج به، يلقى ربه، وهو تام الإسلام.
وما يظنه بعض المدينين من أن العلة هي عدم إذن الدائن، فإنه لا أصل له.
فإذا قال قائل: لو أنه أمكنه أن يحج بمصلحة له مالية، بحيث يعطى أجرة، أي: يكون الرجل هذا عاملاً جيداً، فيستأجره أحد من الناس ليحج معه، إما بقافلة، وإما بالأهل، ويعطيه ألف
ريال في الشهر أو في عشرة أيام مثلاً، ولو بقي في البلد لم يستفد هذه ألف الريال، فهل له أن يحج؟
فالجواب: له أن يحج، ولا يمنع الدين وجوب الحج إذا كان الدين أقل مما سيعطى، أمّا إذا كان أكثر فإنه لا يزال باقياً في ذمته، فيمنع الوجوب.
ولو فرضنا أنه وجد من يحج به مجاناً، ولا يعطيه شيئاً، فهل هذا يضره لو حج بالنسبة للدين؟
الجواب: فيه تفصيل: إذا كان لو بقي لَعَمل، وحصّل أجرة فبقاؤه خير من الحج، وإذا كان لا يحصل شيئاً لو بقي فهنا يتساوى في حقه الحج وعدمه، وعلى كل تقدير فإن الحج لا يجب عليه ما دام يبقى في ذمته درهم واحد، وكذلك نقول في الكفارات، فإذا كان عليه عتق رقبة، وعنده عشرة آلاف ريال، فإما أن يعتق الرقبة بعشرة الآلاف أو يحج، قلنا: لا تحج وأعتق الرقبة، الكفارة التي عليك؛ لأن وجوبها سبق وجوب الحج، والحج لا يجب إلا بالاستطاعة، ولا استطاعة لمن عليه دين في ذمته.
الثاني: أشار إليه بقوله:
والنَّفَقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ والحَوَائِجِ الأَصْلِيةِ ..............................
«والنفقات الشرعية» ، أي: التي يقرها الشرع ويبيحها، كالنفقة له، ولعياله على وجه لا إسراف فيه، فإذا كان عنده عشرة آلاف ريال، إن حج بها نقصت النفقة، وإن أنفق تعذر الحج، فهل يحج ولو نقصت النفقة أو لا يحج؟
الجواب: لا يحج، ولكن المؤلف اشترط: أن تكون النفقات شرعية، فإن كانت غير شرعية وهي نفقة الإسراف، أو
النفقة على ما لا حاجة له فيه، فإنه لا عبرة بها، والحج مقدم عليها.
مثاله: رجل نفقته الشرعية التي تليق بحاله عشرة آلاف ريال، وعنده الآن خمسة عشر ألف ريال يمكن أن يحج منها بخمسة آلاف، لكنه يقول: أنا أريد أن أنفق نفقة الملوك، أو نفقة الأغنياء الذين هم أكثر مني غنى؛ لأني في وسط حي كل من فيه أغنياء، فأحب أن تكون سيارتي عند بابي مثل سياراتهم، مع أنه يمكن أن يستعمل سيارة أقل بكثير، فهل نقول إن النفقة التي ينفقها نفقة شرعية؟
الجواب: لا، بل هي نفقة إسراف في حقه، ولا عبرة بها. فنقول: ما زاد عن النفقة التي تليق بك، يجب عليك أن تحج بها.
وقوله: «النفقات الشرعية» كم نقدر هذه النفقات الشرعية، أي هل هي النفقات الشرعية التي تكفيه في حجه ورجوعه، أو في سنته، أو على الدوام؟
الجواب: الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قالوا: لا بد أن تكون النفقات تكفيه وتكفي عائلته على الدوام.
والمراد بالدوام ما كان ناتجاً عن صنعة، أو عن أجرة عقار، أو ما أشبه ذلك، بحيث يقول: صنعتي أكتسب منها ما يكون على قدر النفقة تماماً ولا يزيد، أو عقاراتي أستثمر منها على قدر النفقة ولا يزيد، فالنفقة الآن على الدوام بناءً على أن هذا الاستثمار سوف يبقى على ما هو عليه، وكذلك الصنعة، هذا
هو المراد، وليس المراد أن يكون عنده نقد أو متاع يكفيه على الدوام أبداً، ولو قيل به لما وجب الحج على أحد، ولو كان أغنى الناس؛ لأنه ربما تزيد الأجور، وترتفع أسعار المعيشة، ويطول العمر، ولأن هذا لا يمكن ضبطه.
وقال بعض العلماء: ما يكفيه وعائلته إلى أن يرجع من الحج، فإذا كان عنده من النفقة ما يكفي عائلته حتى يرجع من الحج، وزاد على ذلك شيء يكفيه للحج، وجب عليه الحج؛ لأنه قادر، وإذا رجع إلى أهله، فالرزق عند الله ـ عزّ وجل ـ.
ولو أن قائلاً قال: نقدر النفقة بالسنة كما قدروها في باب الزكاة: أن الفقير من لا يجد كفايته سنة لم يكن بعيداً، فإذا كان عنده من النقود ما يكفيه وعائلته سنة، فزاد على ذلك شيء فإنه يلزمه أن يحج، وإن كان دون ذلك فإنه لا يلزمه؛ وذلك لأنه لا يخرج عن كونه فقيراً إذا لم يكن عنده فوق ما يكفيه السنة.
الثالث: قوله: «والحوائج الأصلية» ، أي: لا بد أن يكون ما عنده زائداً على الحوائج الأصلية، وهي التي يحتاجها الإنسان كثيراً؛ لأن هناك حوائج أصلية، وحوائج فرعية.
مثال الحوائج الأصلية: الكتب، والأقلام، والسيارة، وما أشبه ذلك، هي غير ضرورية، لكن لا بد لحياة الإنسان منها، فطالب العلم عنده كتب يحتاجها للمراجعة والقراءة، فلا نقول له: بع كتبك، وحج، أمّا لو كان عنده نسختان فنقول له: بع إحدى النسختين، فإن كانتا مختلفتين قلنا: اختر ما تراه أنسب لك، وبع الأخرى؛ لأن ما زاد على النسخة الواحدة لا يعتبر من الحوائج
الأصلية، وإذا كانت له سيارتان لا يحتاج إلا واحدة منهما نقول له: بع واحدة، وحج بها وأبق الأخرى، فإن كانتا مختلفتين، فالذي يختار لنفسه يبقيه والذي لا يختار لنفسه يبيعه، فإن قيل: الصانع هل يبيع آلات الصنعة، ليحج بها؟
فالجواب: لا يلزمه.
لكن لو كان عنده آلات كبيرة يمكن أن يقتات بآلات أصغر منها، فهل يلزمه أن يبيع ما يزيد على حاجته؟
الذي يتوجه عندي أن له أن يبقي الآلات الكبيرة؛ لأن استثمارها أكثر، ولأنه ربما يظن أن الآلات الصغيرة كافية في هذا الوقت، ثم يأتي وقت آخر لا تكفي، فيكون في ذلك ضرر عليه، وآلات الصانع تعتبر من أصول المال التي يحتاج إليها، وإذا لم يحج هذا العام، يحج العام القادم.
وَإِنْ أعْجَزَهُ كِبَرٌ، أوْ مَرَضٌ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ ويَعَتَمِرُ عَنْهُ........
قوله: «وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه» .
«وإن أعجزه كبر» ، أي: مع توافر المال لديه فهو قادر بماله غير قادر ببدنه، ولهذا قال: «أعجزه كبر» ولم يقل «أعجزه فقر» ، فهو رجل غني، لكن لا يستطيع أن يحج بنفسه، لأنه كبير أو مريض لا يرجى برؤُه، فإنه يلزمه أن يقيم من يحج، ويعتمر عنه.
وقوله: «لا يرجى برؤُه» فهم منه أنه لو كان يرجى برؤُه فإنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه، ولا يلزمه أن يحج بنفسه؛ لأنه يعجزه، لكن يجوز أن يؤخر الحج هنا فتسقط عنه الفورية لعجزه،
ويلزمه أن يحج عن نفسه إذا برئ، ونظير ذلك ما قلنا في الصوم: المريض مرضاً لا يرجى برؤُه يطعم عن كل يوم مسكيناً، والمريض مرضاً يرجى برؤه يفطر ويقضي.
وقوله: «لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه» «من» : هذه اسم موصول تشمل كل من يصح حجه، ولكن لا بد أن يكون على الصفة التي يجزئه فيها حج الفرض، فلو أقام عنه صبياً لم يجزئه؛ لأن الصبي لا يصح حجه الفرض عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو أقام رقيقاً ـ على القول بأن الحج لا يجزئه ـ لم يجزئه أيضاً.
إذاً فيكون قوله: «من يحج» عامًّا أريد به الخاص، والمعنى يقيم من يحج عنه ممن يجزئه الحج لو حج عن نفسه.
ويشترط لهذا النائب الذي ناب عن غيره ألا يكون عليه فرض، أي: فرض الحج، فإن كان عليه فرض الحج فإنه لا يجزئ أن يكون نائباً عن غيره، فلو أقام فقيراً يحج عنه لأجزأ، لأنه ليس عليه فرض الحج فهو كالغني الذي أدى الحج عن نفسه، وإن أقام عنه غنياً لم يؤد الفرض عن نفسه فإنه لا يجزئه.
والدليل على ذلك: حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سمع رجلاً يلبي يقول لبيك عن شبرمة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (1) .
__________
(1) أخرجه أبو داود في المناسك/ باب الرجل يحج عن غيره (1811)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب الرجل يحج عن غيره (2903)؛ وابن خزيمة (3039)؛ وابن حبان (962) إحسان؛ والدارقطني (2/267)؛ والبيهقي (4/336).
ينظر كلام أهل العلم على هذا الحديث في «نصب الراية» (3/155)، «التلخيص» (958).
وفي بعض ألفاظ الحديث: «هذه عنك وحج عن شبرمة» ، وفي بعض ألفاظ الحديث: «اجعل هذه لنفسك، ثم حج عن شبرمة» . وهذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، واختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، فمنهم من قال: إنه ضعيف، لأنه مضطرب لاختلاف ألفاظه، ففي بعضها: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» ، وفي بعضها: «اجعل هذه لنفسك ثم حج عن شبرمة» ، وفي بعضها: «هذه لنفسك وحج عن شبرمة» ، قالوا: وهذا اضطراب يتغير به الحكم.
وقال بعضهم: إن رفعه خطأ وأنه لا يصح إلا موقوفاً على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وقالوا: إنه لا وجه للمنع أي منع من لم يحج عن نفسه من أن يحج عن غيره؛ بدليل أن الإنسان لو أدى الزكاة بالوكالة عن غيره قبل أن يؤدي زكاة نفسه، لكان ذلك جائزاً، فما المانع؟!
ولكن نقول: لا شك أن الأولى والأليق ألا يكون نائباً عن غيره فيما هو فرض عليه حتى يؤدي فرضه أولاً، سواء صح هذا الحديث مرفوعاً أو صح موقوفاً، أو لم يصح، فإن النظر يقتضي أن يقدم الإنسان نفسه على غيره لعموم «ابدأ بنفسك» (1) ، ونفسك أحق من غيرك.
__________
(1) أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الابتداء في النفقة بالنفس (997) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
لكن على المذهب يشترط هذا الشرط، وهو أن يكون النائب قد أدى فرض الحج، فإن لم يؤد فرض الحج، فإن ذلك لا يصح ويكون الحج لهذا الذي حج، ويرد النفقة التي أخذها لمن وكله؛ لأن ذلك العمل الذي وكله فيه لم يصح له، فيرد عوضه.
وعموم كلامه ـ رحمه الله ـ يدل على أنه يجوز أن يقيم الرجل امرأة، وأن تقيم المرأة رجلاً، وهذا يؤخذ من عموم الاسم الموصول «من».
ويدل لذلك حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم» (1) ، فأذن لها أن تحج عن أبيها، وهي امرأة، فدل على أنه يجوز أن تحج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى أن يحج الرجل عن المرأة.
مسألة: هل يجوز لرجل أن ينيب من يحج عنه أكثر من واحد في عام واحد؟
الجواب: يجوز ذلك، لكن إذا أناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟
الجواب: من أحرم أولاً، وتكون الثانية نفلاً.
مِنْ حَيْثُ وَجَبَا وَيُجْزِئ عَنْهُ،........................
قوله: «من حيث وجبا» ، أي: من المكان الذي وجب على المستنيب أن يحج منه (2) .
__________
(1) سبق تخريجه ص(11).
(2) وهذا هو المذهب.
فمثلاً: إذا كان من أهل المدينة، ووجب عليه الحج وهو في المدينة، يجب أن يقيم النائب من المدينة ولا بد، فلو أقام نائباً من رابغ من الميقات فإن ذلك لا يجزئ، ولو أقام نائباً من مكة من باب أولى، فيجب أن يقيمه من البلد الذي وجب عليه الحج فيه.
والعلة أن هذا الرجل لو أراد أن يحج لنفسه لحج من مكانه من المدينة، فكذلك نائبه.
وهذا القول ضعيف؛ لأن المنيب إنما يلزمه أن يحج من بلده؛ لأنه لا يتمكن أن يخطو خطوة واحدة، ويصل إلى مكة إلا بالانطلاق من بلده.
ولهذا لو أن هذا المنيب في مكة قد سافر إليها لغرض غير الحج، إمّا لدراسة أو غيرها، ثم أراد أن يحرم بالفرض من مكة هل نبيح له ذلك أو نقول: اذهب إلى المدينة، لأنك من أهل المدينة، والحج واجب عليك في المدينة؟
نقول: لا بأس بأن يحرم بالحج من مكة فإذاً لا بأس أن يحرم النائب من المدينة والسعي من المدينة إلى مكة ليس سعياً مقصوداً لذاته، وإنما هو سعي مقصود لغيره لعدم إمكان الحج إلا من المدينة.
فالقول الراجح أنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه من مكانه، وله أن يقيم من يحج عنه من مكة، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن السعي إلى مكة مقصود لغيره.
قوله: «ويجزئ» الضمير يعود على الحج.
قوله: «عنه» الضمير يعود على المنيب.
وَإِنْ عُوفِي بَعْدَ الإِحْرَامِ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ عَلَى المَرْأةِ: وَجُودُ مَحْرَمِهَا وَهُوَ: زَوْجُها، أوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأبِيِد بِنَسَبٍ أَوْ سَببٍ مُباح وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَاهُ أُخْرِجَا مِن تَرِكَتِهِ.
قوله: «وإن عوفي» الضمير يعود على المنيب أيضاً.
قوله: «بعد الإحرام» أي: بعد إحرام النائب، أي: لو أن المنيب، الذي كان مريضاً، وكان يظن أن مرضه لا يرجى برؤُه عافاه الله ـ عزّ وجل ـ بعد أن أحرم النائب، فإن الحج يجزئ عن المنيب فرضاً؛ لأن المنيب أتى بما أمر به من إقامة غيره مقامه، ومن أتى بما أمر به برئت ذمته مما أمر به، وهذا واضح.
وفُهم من كلام المؤلف أنه إن عوفي قبل الإحرام فإنه لا يجزئ عن المنيب؛ لأنه لم يشرع في النسك الذي هو الواجب، فصار وجوب الحج على المنيب بنفسه قبل أن يشرع هذا في النسك الذي أنابه فيه فلزمه أن يحج بنفسه (1) .
ولكن يبقى عندنا إشكال وهو أن هذا النائب قد تكلف، وسافر إلى مكة ووصل إلى الميقات، ولكنه لم يحج بعد، فماذا تكون حاله بالنسبة إلى النفقة ذهاباً وإياباً؟ ثم إن هذا النائب، سوف يقول في إحرامه: لبيك عن فلان.
وجواب هذا الإشكال: أنه إذا علم النائب بأن المنيب قد عوفي قبل أن يُحرم، فما فعله بعد ذلك فهو على نفقته؛ لأنه علم أنه لا يجزئه حجه عن منيبه، وأما ما أنفقه قبل ذلك من النفقات فإنه على المنيب.
مثاله: رجل أنفق منذ سافر من البلد إلى أن وصل إلى الميقات ألف ريال، ثم عوفي صاحبه قبل أن يحرم، فلا يجزئ
__________
(1) وهذا هو المذهب.
أن يحرم عنه، فعلى المنيب ألف ريال، لأنه أنفقها بأمره قبل أن تنتهي مدة إنابته، وما بعد ذلك يكون على النائب إن استمر في السير، وأما إذا رجع فنفقة الرجوع على المنيب؛ لأن هذا النائب إنما سعى من البلد لمصلحة المنيب، فما غرمه فإنه يكون على المنيب، وبذلك يزول الإشكال.
فإن قدر أن النائب لم يعلم بشفاء صاحبه واستمر، وأدى الحج، فما الحكم؟
نقول: هذا الحج لا يجزئ عن المنيب، لكنه يكون نفلاً في حقه، وتلزم المنيب الأجرة التي قدرها للنائب؛ لأن هذا النائب لم يعلم، وتصرف الوكيل قبل علمه بانفساخ الوكالة، أو زوالها يكون صحيحاً نافذاً، كما لو وكلت شخصاً يبيع لك شيئاً، ثم عزلته عن الوكالة، ولم يعلم بالعزل حتى تصرف، فإن تصرفه يكون صحيحاً بناءً على الوكالة الأولى التي لم يعلم بأنها فسخت.
قوله: «ويشترط لوجوبه على المرأة» ، الضمير يعود على الحج، وكذلك العمرة، أي: يشترط لوجوبه على المرأة:
«وجود محرمها» ، أي: أن يوجد معها محرم موافق على السفر معها، فلا يكفي أن يوجد محرم، بل لا بد من وجود محرم يوافق على السفر معها.
وفهم من كلام المؤلف أن وجود المحرم شرط للوجوب؛ لأن وجوده داخل في الاستطاعة التي اشترطها الله ـ عزّ وجل ـ لوجوب الحج، وهذا العجز ـ أعني عجز المرأة التي ليس لها
محرم عن الوصول إلى مكة ـ عجز شرعي، وليس عجزاً حسياً، فهي كعادم المال فلا يجب عليها الحج، فإن ماتت وعندها مال كثير، لكن لم تجد محرماً يسافر بها، فلا يجب إخراج الحج من تركتها، ولا إثم عليها.
وقال بعض العلماء: إن المحرم شرط للزوم الأداء لا للوجوب، وعلى هذا القول إن وجدت محرماً في حياتها وجب عليها أن تحج بنفسها، وإن لم تجد فإنها إذا ماتت يحج عنها من تركتها؛ لأن وجود المحرم شرط للزوم الأداء بنفسها، وليس شرطاً للوجوب.
لكن المذهب أصح أنه شرط لوجوب الحج.
وإذا حجت المرأة بدون محرم صح حجها، ولكنها تأثم؛ لأن المحرمية لا تختص بالحج.
قوله: «وهو زوجها» ، أي: المحرم زوجها، أي: من عقد عليها النكاح عقداً صحيحاً وإن لم يحصل وطء ولا خلوة.
قوله: «أو من تحرم عليه على التأبيد» ، خرج به من تحرم عليه إلى أمدٍ كالمرأة المحرمة.
قوله: «بنسب» ، أي: بقرابة.
قوله: «أو سبب مباح» ، السبب المباح ينحصر في شيئين:
الأول: الرضاع.
الثاني: المصاهرة.
أما النسب، فالمَحْرَم هو الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأُخت، والخال، هؤلاء سبعة محارم بالنسب، وهؤلاء تحرم عليهم المرأة على التأبيد.
والمحرم من الرضاع كالمحرم من النسب سواء، فيكون محرمها من الرضاع أباها من الرضاع، وابنها من الرضاع، وأخاها من الرضاع، وعمها من الرضاع، وخالها من الرضاع، وابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع، سبعة من الرضاع، وسبعة من النسب، هؤلاء أربعة عشر.
والمحارم بالمصاهرة أربعة: أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج أم المرأة، وزوج بنت المرأة، فهم أصول زوجها أي: آباؤه وأجداده، وفروعه وهم أبناؤه، وأبناء أبنائه وبناته، وإن نزلوا، وزوج أمها، وزوج بنتها، لكن ثلاثة يكونون محارم بمجرد العقد، وهم أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج بنت المرأة، أما زوج أمها فلا يكون محرماً إلا إذا دخل بأمها.
وقوله: «سبب مباح» خرج به ما ثبت التحريم به بسبب محرم، مثل: أم المزني بها، وأم الملوط به وبنته، على القول بأنه يوجب التحريم.
مثاله: رجل زنا بامرأة، فهل يكون محرماً لأمها؟
الجواب: لا، وأمها حرام عليه على التأبيد، وبنتها حرام عليه على التأبيد.
ولكن القول الراجح أن أم المزني بها ليست حراماً على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حراماً على الزاني؛ لأن الله
تعالى قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ، وفي قراءة أخرى: «وأَحَلَّ لَكُم ما وَرَاء ذَلِكُم» بالبناء للفاعل، ولم يذكر الله ـ عزّ وجل ـ أم المزني بها وبنتها في المحرمات، وإنما قال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] ، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعاً؛ لأن نساءه زوجاته، فإذا لم تكن من نسائه فإنه لا يصح أن يلحق السفاح بالنكاح الصحيح، فإذا تاب من الزنا جاز له أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، ومن باب أولى حِلُّ أم الملوط به وبنته.
أما الموطوءة بشبهة، أي: لو وطئ امرأة بشبهة، أي: شبهة عقد، أو اعتقاد، فهل هو محرم لأمها؟
الجواب: على المذهب: لا؛ لأن هذه المرأة الموطوءة بشبهة لا تحل له في باطن الأمر، فتحريم أمها أو بنتها بسبب غير مباح.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: أن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارمه؛ لأنه حين وطئ هذه المرأة يظنها من حلائله، فيترتب على هذا الوطء ما يترتب على الوطء المباح.
وعلى هذا فمن وَطِئ امرأة بشبهة فإن أمها تكون حراماً عليه وهي من محارمه أيضاً، وبنتها كذلك تكون حراماً عليه، وهي من محارمه، فصار المذهب التسوية بين المزني بها والموطوءة بشبهة في أن أمها وبنتها ليستا من محارم الواطئ، والصحيح التفريق
بينهما وأن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارم الواطئ؛ لأنه وطئ وهو يظن أنه وطء حلال.
مثاله: رجل تزوج امرأة، ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع، فوطؤه إياها شبهة؛ لأنه لا يعلم التحريم حين الوطء فأم هذه الزوجة حرام عليه وهي من محارمه؛ لأنه حين وطئ المرأة التي تزوجها يعتقد أنها حلال له.
مسألة: هل المرأة التي تحرم عليه إلى أمد من محارمه كأخت زوجته مثلاً؟
الجواب: ليست من محارمه؛ لأنها ليست محرمة على التأبيد، وأخت الزوجة ليست حراماً على الزوج، لأن الحرام هو الجمع، ولهذا قال الله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» (1) .
ويشترط للمحرَم ما يلي:
الأول: أن يكون مسلماً، فإن كان كافراً فليس بمحرَم، وظاهر كلام الأصحاب أنه ليس بمحرم، سواء كانت المرأة موافقة له في الدين أو مخالفة، وبناء على ذلك لا يكون الأب الكافر محرماً لابنته الكافرة، ويكون الأب الذي لا يصلي غير محرم لابنته التي تصلي، لأنه من شرط المحرم أن يكون مسلماً، وغير المسلم ليس بمحرم.
__________
(1) أخرجه البخاري في النكاح/ باب لا تنكح المرأة على عمتها (5109)؛ ومسلم في النكاح/باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها (1408) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الرجل محرم لمن توافقه في الدين، فأبو المرأة الكافرة إذا كان كافراً يكون محرماً لها، ولا نمنعه من السفر هو وابنته مثلاً، فإن خالفته في الدين فإن كان دينه أعلى كمسلم مع كافرة فهو محرم بلا شك، وإن كان دينه أنزل كالكافر مع المسلمة، فإنه يكون محرماً للمسلمة، بشرط أن يؤمن عليها،
فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم، ولا تُمكن من السفر معه.
الثاني: أن يكون بالغاً، فالصغير لا يكفي أن يكون محرماً؛ ووجه ذلك أن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك.
الثالث: أن يكون عاقلاً، فالمجنون لا يصح أن يكون محرماً، ولو كان بالغاً؛ لأنه لا يحصل بالمجنون حماية المرأة وصيانتها.
فإذا فُقد المحرم البالغ العاقل المسلم، فإنه لا يجب عليها الحج، أو وجد ولكن أبى أن يسافر معها، فإنه لا يجب عليها الحج، فإذا بذلت له النفقة أي نفقة الحج، فهل يلزمه أن يحج معها؟
الجواب: لا يلزمه؛ لأن ذلك واجب على غيره.
وقال بعض العلماء: بل يلزمه، واستدلوا بما يلي:
أولاً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للرجل الذي قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال:
«انطلق فحج مع امرأتك» (1) ، فأمره أن ينطلق ويحج مع امرأته، والأصل في الأمر الوجوب.
ثانياً: لأنه إذا كانت المرأة ستتكفل بجميع النفقة فلا ضرر عليه في الغالب، ولا سيما إذا كان لم يؤد الفريضة؛ لأنه في هذه الحال قد نقول إنه يجب عليه من وجهين: لأداء الفريضة، ولقضاء حاجة هذه المرأة.
والذي أرى أنه لا يجب عليه الموافقة، ولا يلزمه السفر معها، وأما الحديث فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يحج مع امرأته؛ لأن المرأة قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها
مسألة: امرأة مستطيعة ومعها محرم يمكن أن يحج بها كأخيها لكن لم يأذن زوجها؟
الجواب: إذا وجب الحج على المرأة فلا يشترط إذن الزوج بل لو منعها فلها أن تحج؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قوله: «وإن مات من لزماه أخرجا من تركته» ، أي: من تمت الشروط في حقه، ثم مات فإنهما يخرجان من تركته قبل الإرث والوصية؛ لأن ذلك دين لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «دَين الله أحق
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب حج النساء (1862)؛ ومسلم في الحج/باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره (1341) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
بالوفاء» (1) ، فيؤخذ من تركته ما يكفي للحج والعمرة، وما بقي فإنه للوصية والورثة، ويخرج من تركته سواء أوصى أم لم يوص كما لو كان عليه دين أخرجناه من تركته سواء أوصى به أم لم يوص به.
مثاله: رجل أغناه الله قبل الحج ثم لم يحج ومات وعنده مال، فعلى كلام المؤلف يخرج من تركته، ولكن ذهب ابن القيم ـ رحمه الله ـ مذهباً جيداً وهو أن كل من فرط في واجبه فإنه لا تبرأ ذمته ولو أُدي عنه بعد موته، وعلى هذا فلا يحج عنه ويبقى مسؤولاً أمام الله ـ عزّ وجل ـ، لكن الجمهور على خلاف كلام ابن القيم، لكن كلامه هو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية.
وعلم من كلام المؤلف أنه لو مات، ولم يكن له تركة لم يلزم أحداً أن يحج عنه.
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب الحج والنذور عن الميت (1852) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
بَابُ المَوَاقِيْتِ
وميقَاتُ أَهلِ المديِنَةِ ذو الحليفةِ، وَأَهلِ الشَّامِ، ومِصْر، والمَغْربِ الجُحْفَةُ، وأَهلِ اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وأهلِ نَجْدٍ: قَرْنٌ، وَأَهْلِ المَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ. وَهِيَ لأَِهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِن غَيْرِهِم.
قوله: «المواقيت» جمع ميقات وهو مأخوذ من الوقت، وهو زماني ومكاني، أي: قد يراد بالميقات الوقت الزمني.
وقد يراد به المكاني، وهو هنا يراد به الزمان، والمكان.
قوله: «وميقات أهل المدينة ذو الحليفة» ، «ميقات» مبتدأ و «ذو» خبر، و «الحليفة» تصغير الحلْفَاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرَته فيه، تبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وتبعد عن مكة عشرة أيام، وعلى هذا فهي أبعد المواقيت عن مكة.
قوله: «وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة» ، أهل الشام يشمل أهل فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وجهاتهم، وأما أهل مصر والمغرب فذكرهم هنا؛ لأنه لم تكن هناك قناة السويس فكانت القارة الأفريقية والآسيوية يمكن العبور من واحدة إلى الأخرى عن طريق البر، فيأتي أهل مصر من طريق البر، وكذلك أهل المغرب من طريق البر ويمرون بالجحفة.
والجحفة قرية قديمة اجتحفها السيل وجرفها وزالت، وكذلك أيضاً حل بها الوباء الذي دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن ينقله الله من المدينة إلى الجحفة فقال: «اللهم انقل حمَّاها ـ أي حمَّى المدينة ـ
إلى الجحفة» (1) ، لأنها كانت بلاد كفر.
ولما خَربت الجحفة وصارت مكاناً غير مناسب للحجاج جعل الناس بدلها رابغاً، ولا يزال الآن ميقاتاً، وهو أبعد منها قليلاً عن مكة، وعلى هذا فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة، وبينها وبين مكة نحو ثلاثة أيام، والفرق بينها وبين المدينة سبعة أيام.
قوله: «وأهل اليمن يلملم» ، «يلملم» قيل: إنه مكان يسمى يلملم، وقيل: إنه جبل يلملم (2) ، والميقات عند هذا الجبل، وأياً كان فهو معروف.
قوله: «وأهل نجد قرن» هو قرن المنازل (3) ، وقيل: إنه يقال له قرن الثعالب.
ولكن الصحيح، أن قرن الثعالب غير قرن المنازل (4) .
قوله: «لأهل المشرق ذات عرق» ، وسمي هذا المكان بذات عرق؛ لأن فيه عرقاً وهو الجبل الصغير.
وهذه الثلاثة يلملم، وقرن المنازل، وذات عرق متقاربة، وهي عن مكة نحو ليلتين، وذات عرق أبعد من قرن المنازل،
__________
(1) أخرجه البخاري في المرضى/ باب من دعا برفع الوباء والحمى (1889)؛ ومسلم في الحج/باب الترغيب في سكنى المدينة (1376) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) في طريق الساحل، ويسمى اليوم بالسعدية جنوب مكة.
(3) ويسمى الآن بالسيل الكبير، وعلى موازاته من طريق الهدا وادي محرم.
(4) فقرن الثعالب جبل مطل على عرفات.
وهذه الأسماء ليست باقية الآن، فذو الحليفة تسمى أبيار علي، والجحفة صار بدلها رابغ، ويلملم تسمى السعدية، وقرن المنازل يُسمى السيل الكبير، وذات عرق تسمى الضَّريْبَة، ولكن الأمكنة ـ والحمد لله ـ مازالت معلومة مشهورة للمسلمين لم تتغير.
فإن قال قائل: ما الحكمة في التفريق بين المواقيت، بعضها قريب، وبعضها بعيد؟
فالجواب: أن هذا السؤال لا ينبغي إيراده؛ لأن نظيره أن يقال: لماذا كانت الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، والفجر اثنتين؟ ولماذا لم تكن الظهر ثمانياً، وكذا العصر والعشاء، والمغرب خمساً، والفجر أربعاً؟ فالعبادات المقدرة لا يرد السؤال عنها وإنما الواجب أن يقول العبد: سمعنا وأطعنا؛ لكن مع ذلك لا حرج على الإنسان أن يلتمس الحكمة؛ لأن الاطلاع على الحكمة مما يزيد الإنسان طمأنينة، والحكمة ـ والله أعلم ـ أن بعد ميقات أهل المدينة من أجل أن تقرب خصائص الحرمين بعضهما من بعض، فالمدينة حرم ومكة حرم؛ لكن الإحرام بالنسك من خصائص حرم مكة فكان من الحكمة ألا يخرج من حدود حرم المدينة إلا قليلاً حتى يدخل في خصائص حرم مكة، أما البقية فلعلها ـ والله أعلم ـ أن الجحفة هي أعمر قرية كانت ذلك الوقت حول طريق أهل الشام، والثلاثة الباقية متقاربة.
قوله: «وهي» ، الضمير يعود على المواقيت.
قوله: «لأهلها» ، أي: أهل هذه الأماكن المذكورة: المدينة،
والشام، واليمن، ونجد، والمشرق، هذه المواقيت لأهل هذه البلاد.
قوله: «ولمن مرَّ عليها من غيرهم» ، فإذا مر أحد من أهل نجد بميقات أهل المدينة فإنه يُحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد، وإذا مرَّ أهل اليمن بميقات أهل المدينة، فإنهم لا يكلفون الذهاب إلى يلملم؛ لما في ذلك من المشقة، فكان من تسهيل الله ـ عزّ وجل ـ أن من مر بهذه المواقيت فإنه يحرم من أول ميقات يمر به.
مسألة: إذا كنت من أهل نجد ومررت بميقات أهل المدينة فبين يديك ميقات آخر وهو الجحفة؛ لأن الجحفة بعد ذي الحليفة، فهل تؤخر إحرامك إلى الجحفة أو لا بد من أن تحرم من ذي الحليفة؟
مقتضى الحديث أنه لا بد أن تحرم من ذي الحليفة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» (1) ، فإذا وصلت إلى هذا الميقات، وأنت تريد الحج أو العمرة وجب عليك الإحرام منه.
واختلف العلماء فيما إذا مر الشامي بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة التي هي الأصل في ميقات أهل الشام؟
فالجمهور أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب مهل أهل الشام (1524)؛ ومسلم في الحج/ باب المواقيت (1181)، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يحرم من الجحفة؛ وعلل ذلك: أن هذا الرجل مرّ بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما، وأحدهما فرع، والثاني أصلٌ، فالأصل الجحفة، وميقات أهل المدينة فرع، وهو للتسهيل والتيسير على الإنسان، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
والأحوط الأخذ برأي الجمهور؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» ، فوقت هذا لمن أتى عليه، فيكون هذا الميقات الفرعي كالميقات الأصلي في وجوب الإحرام منه، والقول بهذا لا شك بأنه أحوط وأبرأ للذمة.
وهذه المواقيت الخمسة، عينها الرسول صلّى الله عليه وسلّم لهذه البلاد قبل أن تفتح، فالشام ومصر في عهده لم تفتح، واليمن في عهده لم يفتح منه إلا جزء يسير، والعراق لم يفتح، قال العلماء: وهذا من آيات الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن توقيتها لأهل هذه البلاد، إشارة إلى أن هذه البلاد سوف تفتح، ويحج أهلها، ويصيرون مسلمين بعد أن كانوا كفاراً.
وَمَنْ حَجَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَمِنْهَا، وَعُمْرَتُهُ مِنْ الحِلِّ ...........................
قوله: «ومن حج من أهل مكة فمنها» ، أي: فيحرم من مكة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين وقّت المواقيت: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة» (1) ؛ ولأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين حلوا من إحرامهم مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم
__________
(1) سبق تخريجه ص(47).
أحرموا من مكة من الأبطح (1) ، ونأخذ من هذا الحديث أن من كان دون هذه المواقيت، فإنه يحرم من مكانه.
فمثلاً: أهل الشرائع في طريق أهل نجد، لا نقول لهم إذا أرادوا أن يُحرموا: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، وإنما نقول: احرموا من مكانكم، وأهل جدة كذلك، لا حاجة أن يذهبوا إلى الجحفة ولا إلى ذي الحليفة.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: «من حيث أنشأ» ، ولم يقل: من بلده؛ لأن بلده قد يكون دون المواقيت، ولكنه في مكان آخر غير بلده فينشئ نية العمرة أو الحج منه، فنقول: أحرم من حيث أنشأت.
والمكي إذا كان خارج مكة لغرض، ثم رجع إلى مكة في أيام الحج وهو ينوي الحج في هذه السنة، فلا يلزمه أن يدخل بعمرة لأنه رجع إلى بلده، ولم يرجع لقصد العمرة.
وقول المؤلف: «ومن حج من أهل مكة فمنها» ليس له مفهوم ـ أعني قوله: «من أهل مكة» ، فإن من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامهم من مكة، ولو كانت العبارة: «ومن حج من مكة فمنها» لشملت أهل مكة وغيرهم، لكنه ـ رحمه الله ـ تبع غيره في العبارة فقال: «من حج من أهل مكة فمنها».
قوله: «وعمرته من الحل» ، أي: عمرة من كان من أهل مكة من الحل، أي: من أي موضع خارج الحرم، والحرم له حدود
__________
(1) أخرجه البخاري معلقاً مجزوماً به في الحج/ باب الإهلال من البطحاء ووصله مسلم في الحج/باب بيان وجوه الإحرام (1214) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
معروفة ـ والحمد لله ـ إلى الآن، وتختلف قرباً وبعداً من الكعبة، فبعضها قريب من الكعبة، وبعضها بعيدٌ من الكعبة، وأقربها من الكعبة التنعيم، وأبعدها من جهة جدة ومن جهة عرفة أيضاً، بعضها تسعة أميال، ومنها أحد عشر ميلاً، وهذه الحدود توقيفية ـ ليس للرأي فيها مجال، فلا يقال: لماذا بعدت حدود الحرم من هذه الجهة دون هذه الجهة؟
وقوله: «وعمرته من الحل» ، يشمل الحل القريب والبعيد، فلو قال قائل: أنا لا أريد أن أحرم من التنعيم، وأريد أن أحرم من طريق جدة وهو بعيد ـ حوالي عشرة أميال ـ فله أن يفعل.
وهل الأفضل أن يختار الأبعد، أو أن يختار الأقرب، أو أن يختار الأسهل؟
قال بعض العلماء: بل الأفضل أن يختار الأبعد؛ لأنه أكثر أجراً، ولكن في النفس من هذا شيء.
وقال بعض العلماء: الأفضل أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، فإذا كان من أهل نجد، وأراد أن يحرم قلنا: الأفضل أن تحرم من قرن المنازل.
والأقرب أن الأفضل هو الأسهل؛ وعليه فإذا كنت في مزدلفة فأحرم من عرفة؛ لأنها أقرب الحل إليك، وإذا كنت في جهة الشرائع وأنت داخل الحرم فالجعرانة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحرم منها حين جاء من الطائف من غزوة حنين (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري في العمرة/ باب كم اعتمر النبي صلّى الله عليه وسلّم (1778) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
وقول المؤلف: «وعمرته من الحل» ، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم أن من كان في مكة، وأراد العمرة، فإنه يحرم من الحل.
ودليل هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما طلبت منه عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن ـ رضي الله عنه ـ وقال: «اخرج بأختك من الحرم، فلتهل بعمرة من الحل» (1) ، فدل ذلك على أن الحرم ليس ميقاتاً للعمرة، ولو كان ميقاتاً للعمرة، لم يأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم عبد الرحمن بن أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ أن يخرج بأخته، ويتجشم المصاعب في تلك الليلة لتحرم من الحل؛ لأنه من المعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يتبع ما هو أسهل ما لم يمنعه منه الشرع، فلو كان من الجائز أن يحرم بالعمرة من الحرم لقال لها: أحرمي من مكانك.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة» (2) ، ثم ذكر المواقيت وقال: «من كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة» (3) ، مع أنه قال في الحديث: «ممن أراد الحج أو العمرة» (4) ، فظاهر العموم أن العمرة لأهل مكة تكون من مكة؟
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (1560)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (112) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب ميقات أهل المدينة (1525)؛ ومسلم في الحج/ باب مواقيت الحج (1182) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(3) سبق تخريجه ص(47).
(4) سبق تخريجه ص(47).
قلنا: هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أخاها أن يخرج بها لتحرم من التنعيم» (1) .
فإن قال قائل: عائشة ليست من أهل مكة، فأمرت أن تخرج إلى الحل لتحرم منه؟
قلنا: ليس المانع من إحرام الآفاقي بالعمرة من مكة هو أنه ليس من أهل مكة؛ بدليل أن الآفاقي يحرم بالحج من مكة، فلو كانت مكة ميقاتاً للإحرام بالعمرة، لكانت ميقاتاً لأهل مكة وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح.
وأيضاً العمرة هي الزيارة، والزائر لا بد أن يفد إلى المزور؛ لأن من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يقال: إنه زارك، وهذا ترجيح لغوي.
ونقول أيضاً: كل نسك فلا بد وأن يجمع فيه بين الحل والحرم، بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أمر عائشة أن تحرم من الحل» ، لتجمع في نسكها بين الحل والحرم.
فإن قال قائل: هذا ينتقض عليكم بالإحرام بالحج من مكة؟
قلنا: لا ينتقض؛ لأن الذي يحرم بالحج لا يمكن أن يطوف بالبيت حتى يأتي إلى البيت من الحل أي عرفة؛ لأنه سيقف بعرفة، ولا يمكن أن يطوف للإفاضة إلا بعد الوقوف بعرفة، وبهذا تبين أن القول بأن أهل مكة يحرمون بالعمرة من مكة قول ضعيف، لا من حيث الدليل، ولا من حيث اللغة، ولا من حيث المعنى.
__________
(1) سبق تخريجه ص(51).
مسألة: إذا مر الإنسان بهذه المواقيت فهل يلزمه أن يحرم؟
الجواب: إن كان يريد الحج، أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضاً عليه، أي: لم يؤد الفريضة من قبل، فإنه يلزمه أن يحرم.
ودليل اللزوم حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة» (1) ، وكلمة «يهل» خبر بمعنى الأمر، بدليل اللفظ الآخر في الحديث: «أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة» (2) ، فلا بد أن يحرم من هذه المواقيت، فإذا كان يريد الحج أو العمرة فواضح؛ لأن لفظ الحديث: «ممن يريد الحج أو العمرة» ، ولكن إذا كان النسك فرضاً، وهو لا يريد أن يحج، أو لا يريد أن يعتمر، فنقول: يلزمه الإحرام من الميقات؛ لأن الحج والعمرة واجبان على الفور، وقد وصل الآن فلا يجوز أن يؤخر ولا بد أن يحرم بالحج والعمرة، أما إذا كنت قد أديت الفريضة ومررت بهذه المواقيت ولا تريد الحج ولا العمرة، فليس عليك إحرام، سواء طالت مدة غيبتك عن مكة أم قصرت، حتى ولو بقيت عشر سنوات، وأتيت إلى مكة لحاجة وقد أديت الفريضة، فإنه ليس عليك إحرام.
هذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه السنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الحج هل هو في كل عام؟ فقال: «الحج مرة فما زاد
__________
(1) سبق تخريجه ص(52).
(2) أخرجه مالك في الموطأ (1/330) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
فهو تطوع» (1) ، ولم يقل: «إلا أن يمر بالميقات» ولو كان المرور بالميقات موجباً للإحرام لبيَّنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم لدعاء الحاجة إلى بيانه، وعلم منه أنه المرور بالميقات ليس سبباً للوجوب.
ولكن هل الأفضل أن يحرم ويؤدي العمرة أو يؤدي الحج إذا كان وقته؟
الجواب: نعم، هذا هو الأفضل؛ لأن «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (2) ، ويروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» (3) ، لكن الاستحباب شيء والوجوب شيء آخر.
وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وبعد أن فرغ المؤلف من بيان الميقات المكاني، شرع في الميقات الزمني، فقال المؤلف:
«وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة» أشهر الحج على كلام المؤلف شهران، وبعض الثالث، وهي شوال وذو القعدة، وعشر ذي الحجة.
يقال ذو القَعدة، وذو القِعدة، ويقال: ذو الحَجة وذو
__________
(1) سبق تخريجه ص(12).
(2) أخرجه البخاري في العمرة/ باب العمرة (1773)؛ ومسلم في الحج/ باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1349) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(3) أخرجه الإمام أحمد (1/387)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة (810) وصححه؛ والنسائي في الحج/ باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة (5/115، 116)؛ وصححه ابن خزيمة (2512)؛ وابن حبان (3693) إحسان، عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.
الحِجة، والأفصح الفتح في الأول «ذو القَعدة» والكسر في الثاني «ذو الحِجة» .
وقوله: «وعشر من ذي الحجة» ، هذا المشهور عند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وبَه أخذ أصحابه، ولكن يرد على هذا القول أن الله قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وأشهر جمع فتكون ثلاثة، ولو قال: في أشهر صارت الأشهر الثلاثة ظرفاً، والمظروف لا يلزم أن يملأ الظرف، فيصدق بشهرين وبعض الثالث.
ولكنه قال: {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، والمشهور في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحج ثلاثة، وهذا مذهب الإمام مالك (1) ـ رحمه الله ـ وهو أقرب إلى الصحة مما قاله المؤلف، لموافقته لظاهر الآية {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}.
فإن قال قائل: إذاً هل تجيزون أن يقف الناس في الخامس عشر من ذي الحجة؟
نقول: لا نجيز ذلك، كما أنه لا يجوز أن يقف الناس في العاشر من شوال، فهذه الأشهر لا يلزم أن يكون الحج جائزاً في كل يوم من أيامها.
ويدل على ضعف كلام المؤلف، أن من أيام الحج اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر، يفعل فيها من أعمال الحج: الرمي، والمبيت، فكيف نخرجها من أشهر
__________
(1) وهو الوارد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ كما في البخاري في الحج/ باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام (1572).
الحج وهي أوقات لأعمال الحج؟! ولو أن الإنسان قال: أريد أن أرمي الجمار الثلاث، وجمرة العقبة في يوم العيد لم يمكنه ذلك، فلا بد أن يكون رمي الجمرات في الأيام الثلاثة، وهي خارجة عن الحد الذي قاله المؤلف؛ لأن المؤلف قال: «عشر من ذي الحجة».
وبعض العلماء قال: تسع من ذي الحجة؛ لأن الحج عرفة وعرفة ينتهي في التاسع.
ولكن هذا القول، أضعف مما قاله المؤلف؛ لأن الله قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، وقال: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة: 3] . وعلى قول من يقول: إنها تسعة، يخرج هذا اليوم الذي سماه الله يوم الحج الأكبر.
فالصواب ما ذهب إليه الإمام مالك ـ رحمه الله ـ من أن أشهر الحج ثلاثة، كما هو ظاهر القرآن، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن قال قائل: هل يترتب على هذا الخلاف شيء؟
قلنا: نعم، يترتب عليه أشياء:
أولاً: في مسائل الأيمان، فلو قال قائل: والله لأصومن ثلاثة أيام من أشهر الحج، وصام الحادي والعشرين، والثاني والعشرين، والثالث والعشرين من ذي الحجة، فلا يكون باراً بيمينه على المذهب؛ لأن أيام الحج انتهت، وعلى قول مالك يكون باراً بيمينه؛ لأنه صام في أشهر الحج، وأشهر الحج لا تنتهي إلا بدخول شهر محرم.
ثانياً: أنه لا يجوز أن يؤخر شيء من أعمال الحج عن الأشهر الثلاثة إلا لضرورة، وإلا فالواجب ألا يخرج ذو الحجة وعليه شيء من أعمال الحج، إلا طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع منفصل عن الحج، فهو لمن أراد الخروج من مكة وإن طال لبثه فيها.
وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يؤخر حلق رأسه إلى أن يدخل المحرم، ولا يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة إلى أن يدخل المحرم، لكن إذا كان لعذر فلا بأس.
فعذر الحلق أو التقصير: أن يكون في رأسه جروح لا يتمكن معها من الحلق أو التقصير فله أن يؤخر حتى يبرأ، أما عذر الطواف فأن تصاب المرأة بنفاس كأن يأتيها وهي واقفة في عرفة، والنفاس عادة يبقى أربعين يوماً، فهذه سوف يخرج شهر ذي الحجة، ولم تطف طواف الإفاضة، فلا بأس؛ لأن تأخيرها للطواف لعذر، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب لموافقته لظاهر الآية، والأصل في الدلالات أن نأخذ بالظاهر، إلا بدليل شرعي يخرج الكلام عن ظاهره.
مسألة: هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل الميقات المكاني، أو الزماني، أو بالعمرة قبل الميقات المكاني؟
الجواب: الصحيح أنه لا يجوز أن يحرم قبل الميقات الزماني، وأنه لو أحرم بالحج قبل دخول شهر شوال صار الإحرام عمرة لا حجاً؛ لأن الله قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، وهذا أحرم قبل دخول أشهر الحج، فيكون إحرامه عمرة،
كما لو صلى الظهر قبل الزوال فينعقد نفلاً، أو نقول بأنه فاسد لا ينعقد.
وقال بعض العلماء: ينعقد الإحرام لكن يُكره، فينعقد الإحرام؛ لأنه لبى الله، لكن يكره لمخالفته لظاهر الآية: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، وكذلك في المواقيت المكانية.
فالقول الثاني في المسألة أنه يُكره أن يُحرم قبل الميقات، لكن لو أحرم صح إحرامه وانعقد، فمثلاً لو أحرم إنسان من أهل المدينة من المدينة نفسها قلنا: هذا مكروه وينعقد، وهذا رأي الجمهور.
والمراد بالإحرام النية دون الاغتسال ولبس ثياب الإحرام، وأكثر العامة يحملون معنى الإحرام على لبس ثياب الإحرام وليس كذلك، والإحرام سيأتينا ـ إن شاء الله ـ في الباب الذي يلي هذا الباب أنه نية الدخول في النسك، وعلى هذا فمن كان في المدينة وتغسل ولبس ثياب الإحرام ولم يحرم، إلا بذي الحليفة فإنه لم يفعل مكروهاً؛ لأن الإحرام هو نية الدخول في النسك، ولم تحصل منه إلا في الميقات.
فإن قال قائل: ما تقولون في شخص لم يمر بشيء من المواقيت، أيحرم من بلده ولو كان بعيداً؟
نقول: إن أهل الكوفة، وأهل البصرة شكوا إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقالوا: «يا أمير المؤمنين إن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقّت لأهل نجد قرن المنازل، وإنها جور عن طريقنا ـ أي: مائلة وبعيدة عن طريقنا ـ فقال رضي الله عنه: انظروا إلى حذوها من طريقكم» (1) ، فنقول لهذا الذي لم يمر بالميقات: أحرم إذا حاذيت الميقات، وهذا إذا كان يسير على الأرض واضح، كما قال عمر ـ رضي الله عنه ـ، لكن إذا كان يسير في الجو فإذا حاذاها جواً أحرم.
__________
(1) وتمامه: «فحدَّ لهم ذات عرق».
أخرجه البخاري في الحج/ باب ذات عرق للعراق (1531) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
وقد نص شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ على مثل من كان في الطائرة، أنه يجب أن يحرم إذا حاذى الميقات، وقد ذكر هذا حين تكلم عن السحرة الذين يكذبون على الناس، ويقولون: تحملنا الملائكة إلى مكة في يوم واحد، فنذهب إلى عرفة في يوم واحد، قال: هؤلاء يخطؤون حيث إن الشياطين تمر بهم من فوق الميقات ولا يحرمون منه، وهذا مثل الطائرة تماماً.

محب الدعوة
11-01-2011, 01:09 PM
بَابُ الإِحْرَامِ
الإِحْرَامُ: نِيَّةُ النُّسُكِ.
قوله: «الإحرام» مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم أي: دخل في الحرام، كأنجد، أي: دخل في نجد، ولهذا يقال للتكبيرة الأولى من الصلاة تكبيرة الإحرام؛ لأنه بها يدخل في التحريم، أي: تحريم ما يحرم على المصلي، أما المراد به هنا فقوله:
«نية النسك» ، يعني نية الدخول فيه، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، وبين الأمرين فرق، فمثلاً إذا كان الرجل يريد أن يحج هذا العام، فهل نقول إنه بنيته هذه أحرم؟
الجواب: لا؛ لأنه لم ينو الدخول في النسك.
وكذلك نريد أن نصلي العشاء، فهل نحن بنيتنا هذه دخلنا في الصلاة، وحرم علينا ما يحرم على المصلي؟
الجواب: لا، إذاً، نية الفعل لا توثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، وسميت نية الدخول في النسك إحراماً؛ لأنه إذا نوى الدخول في النسك حرم على نفسه ما كان مباحاً قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلاً: الرفث، والطيب، وحلق الرأس، والصيد، وغير ذلك.
سُنَّ لِمُرِيدِهِ غُسْلٌ أَوْ تيمُّمٌ لِعَدَمٍ وَتَنَظُّفٌ، وتَطَيَّبٌ، وَتَجَرُّدٌ مِنْ مَخِيْطٍ فِي إِزارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضينِ وَإِحْرامٌ عَقِبَ رَكْعتَينِ.....
قوله: «سن لمريده» ، السَّانُّ هو الرسول عليه الصلاة والسلام.
والسنة في اللغة: الطريقة.
وفي الشرع: أقوال النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأفعاله، وتقريراته.
وفي اصطلاح الأصوليين: هي ما أمر به لا على وجه الإلزام.
وقوله: «لمريده» ، أي: لمريد النسك.
قوله: «غسل» وذلك لثبوته عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فعلاً وأمراً.
أما فعله فإنه صلّى الله عليه وسلّم «تجرد لإهلاله واغتسل» (1) .
أما أمره فإن أسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ امرأة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، نفست في ذي الحليفة، أي: ولدت ابنها محمد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي» (2) ، ومعنى «استثفري» أي: تحفَّظي، فالشاهد من هذا قوله: «اغتسلي» ، فأمرها أن تغتسل مع أنها نفساء لا تستبيح باغتسالها هذا الصلاة، ولا غيرها مما يشترط له الطهارة.
وقوله: «سن لمريده» مريد اسم فاعل مضاف، واسم الفاعل بمنزلة الموصول، بل إن النحويين يقولون: إن (الـ) في اسم الفاعل موصولة، قال ابن مالك ـ رحمه الله ـ:
__________
(1) أخرجه الترمذي في الحج/ باب ما جاء في الاغتسال عن الإحرام (830)؛ وابن خزيمة (2595)؛ والدارقطني (2/220)؛ والبيهقي (5/32) عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ.
وقال الترمذي: «حسن غريب».
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب صفة حج النبي صلّى الله عليه وسلّم (1218) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
وصفة صريحة صلة أل (1) .
فعلى هذا تكون كلمة «مريد» عامة للذكور، والإناث، وللجنب، وغير الجنب، وللحائض، والنفساء، وللصغير، والكبير، فكل من أراد النسك فليغتسل.
وقوله: «غسل» إذا أطلق الغسل، فالمراد به شرعاً ما يشبه غسل الجنابة، فمثلاً إذا قلنا: يجب للجمعة الغسل، أي: غسل كغسل الجنابة، يسن للإحرام غسل، أي: كغسل الجنابة.
مسألة: هل يجزئ الغسل لو اغتسل في بلده ثم لم يغتسل عند الإحرام؟
الجواب: في هذا تفصيل، إذا كان لا يمكنه الاغتسال عند الميقات كالذي يسافر بالطائرة فلا شك أن ذلك يجزئه لكن يجعل الاغتسال عند خروجه إلى المطار.
وإن كان في سيارة نظرنا فإن كانت المدة وجيزة كالذين يسافرون إلى مكة عن قرب أجزأه وإن كانت بعيدة لا يجزئه، لكن لا حرج عليه أن يغتسل في بيته، ويقول: إن تهيأ لي الاغتسال عند الميقات فعلت، وإلا اكتفيت بهذا.
قوله: «أو تيمم لعدم» ، «أو» : هذه عاطفة، على «غسل» أي: أو أن يتيمم لعدم الماء، أو تعذر استعماله للمرض ونحوه، فيتيمم بدلاً عن الغسل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ (2) بناءً على أن التيمم يحل محل طهارة الماء الواجبة والمستحبة.
__________
(1) ألفية ابن مالك.
(2) وهو المذهب.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: إلى أن الطهارة المستحبة إذا تعذر فيها استعمال الماء، فإنه لا يتيمم لها؛ لأن الله ـ عزّ وجل ـ ذكر التيمم في طهارة الحدث فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] . فإذا كان الشرع إنما جاء بالتيمم في الحدث، فلا يقاس عليه غير الحدث؛ لأن العبادات لا قياس فيها، ولم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه تيمم للإحرام، وعليه فنقول: إن وجد الماء وأمكنه استعماله فعل، وإن لم يمكنه فلا تيمم على هذا القول، وهذا أقرب للصواب.
وقوله: «أو تيمم لعدم» هذا فيه قصور، ولو قال: «أو تيمم لعذر» لكان أشمل، فيشمل من عُدم الماء، ومن خاف ضرراً باستعماله.
قوله: «وتنظف» ، إذا قال العلماء تنظف، فليس المراد تنظيف الثياب، ولا تنظيف البدن إذا قرن به الغسل؛ لأن تنظيف البدن يحصل بالغسل، ولكن المراد بالتنظيف أخذ ما ينبغي أخذه، مثل: الشعور التي ينبغي أخذها كالعانة، والإبط، والشارب، وكذلك الأظافر فيسن أن يتنظف بأخذها.
ولكن هل ورد في هذا سنة؟
الجواب: لا، فيما نعلم وإنما عللوا ذلك حتى لا يحتاج إلى أخذها في الإحرام، وأخذها في الإحرام ممتنع، وبناءً على هذا نقول: إذا لم تكن طويلة في وقت الإحرام ولا يخشى
أن تطول في أثناء الإحرام، فيحتاج إلى أخذها، فإنه لا وجه لاستحباب ذلك؛ لأن العلة خوف أن يحتاج إليها في حال الإحرام ولا يتمكن، فإذا زالت هذه العلة زال المعلول وهو الحكم؛ «لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً».
قوله: «وتطيب» ، أي ويسن أن يتطيب عند الإحرام، ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تطيب لإحرامه، قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كنت أطيب النبي صلّى الله عليه وسلّم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (1) ، والطيب مستحب كل وقت، فهو كالسواك إذا أمكن الإنسان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (2) .
وقوله: «وتطيب» أطلقه المؤلف، والمراد التطيب في البدن؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يطيب عند الإحرام رأسه، ولحيته، قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو محرم» (3) ، مفارقه يعني مفارق رأسه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يبقي الشعر، ويفرقه فرقتين من الخلف ومن الأمام، وكان يسدل شعره أول ما قدم المدينة؛ لأنه فعل اليهود
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/باب الطيب عند الإحرام (1539)؛ ومسلم في الحج/ باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1189) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) أخرجه أحمد (3/128، 199)؛ والنسائي في عشرة النساء/ باب حب النساء (7/61) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ. قال الحافظ في «التلخيص» (3/116): «إسناده حسن».
(3) أخرجه البخاري في اللباس/ باب الطيب في الرأس واللحية (5923)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب الطيب قبل الإحرام في البدن (1189) (44).
وهم أهل الكتاب، والفرق فعل المشركين وهم كفار ومشركون، ثم كره السدل، وصار يفرق (1) .
الشاهد قولها: «كأني أنظر إلى وبيص المسك» ، والوبيص هو اللمعان، والوبيص كالبريق لفظاً ومعنى، وهذه العبارات تقع في كلام العلماء، فيقولون: كذا ككذا لفظاً ومعنى، أي: في وزن الكلمة ومعناها.
أما تطييب الثوب، أي: ثوب الإحرام فإنه يكره، لا يطيب، لا بالبخور ولا بالدهن، وإذا طيبه، فقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يلبسه إذا طيبه قبل أن يعقد الإحرام لكن يكره (2) .
وقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس» (3) ، فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح، ولهذا حرم بعض العلماء من أصحابنا كالآجري تطييب ثياب الإحرام، قال: لأن تطييبها لا فائدة منه، إذا حرمنا عليه لباسها، بل هو إضاعة للمال.
والمذهب يكره إن لبسها قبل أن يعقد الإحرام، وأما إذا عقد الإحرام فلا يجوز أن يلبسها؛ لأن الثياب المطيبة لا يجوز لبسها في الإحرام.
__________
(1) أخرجه البخاري في اللباس/ باب الفرق (5917)؛ ومسلم في الفضائل/ باب صفة شعره صلّى الله عليه وسلّم (2336) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) وهو المذهب.
(3) أخرجه البخاري في الحج/ باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (1542)؛ ومسلم في الحج/ باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، (1177) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
مسألة: إذا تطيب في بدنه فوضع الطيب على رأسه ولحيته، ثم سال الطيب من الموضع الذي وضعه فيه نازلاً إلى أسفل، فهل هذا يؤثر أو لا؟
الجواب: لا يوثر؛ لأن انتقال الطيب هنا بنفسه، وليس هو الذي نقله؛ ولأن ظاهر حال النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، أنهم لا يبالون إذا سال الطيب؛ لأنهم وضعوه في حال يجوز لهم وضعه.
مسألة: إذا كان المحرم سوف يتوضأ، وإذا طيب رأسه فسوف يمسح رأسه بيديه، وإذا مسح رأسه بيديه لصق شيء من الطيب بيديه، فهل نقول أعدَّ لنفسك خرقة تضعها في يدك، إذا أردت أن تمسح رأسك حتى لا تمس الطيب؟!
الجواب: لا، بل هذا تنطع في الدين ولم يرد، وكذا لا يمسح رأسه بعود أو جلد، إذاً يمسحه بيده وسوف يعلق الطيب بيده، فعلى المذهب أنه يجب عليه أن يغسل يديه من هذا الطيب فوراً؛ وذلك حتى يذهب ريحه.
لكن الذي يظهر لي أن هذا مما يعفى عنه، فالمحرم لم يبتدئ الطيب، وهذا طيب مأمور به، والمشقة في غسل يده غسلاً تذهب معه الرائحة، لا ترد به الشريعة.
قوله: «وتجرُّدٌ من مخيط» يعني يسن التجرد من المخيط، لمن أراد الإحرام، والتجرد من المخيط يعني خلعه، والمراد بالمخيط ما يلبس عادة، كالقميص والسراويل، والمقصود أن يكون تجرده في إزار ورداء أبيضين، وإلا فتجرده من المخيط واجب والمؤلف تبع غيره في العبارة، ولو قال: «تجرده من ملبوس محظور» لكان أولى.
ويشترط في هذا التجرد ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حراماً، ولكن ماذا يصنع؟
نقول: البس الإزار أولاً، ثم اربطه على نفسك، ثم اخلع القميص، ثم البس الرداء؛ لأنه لو تجرد من المخيط الذي هو القميص قبل أن يتزر، انكشفت عورته.
قوله: «في إزار ورداء أبيضين» ، أي: يكون لبسه في حال الإحرام إزاراً ورداء أبيضين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» (1) .
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء» ، يشمل الإزار المخيط الذي خيط بعضه ببعض، والإزار المطلق الذي يلف على البدن لفاً، كلاهما جائز، وعلى هذا فلو خاط المحرم الإزار فهو جائز، ولو التف به التفافاً فهو جائز، ولو وضع فيه جيباً للنفقة وغيرها فهو جائز، والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقيد وإذا لم يقيد فما سمي إزاراً فهو إزار.
وقوله: «أبيضين» لأنها خير الثياب، وهل يسن أن يكونا جديدين أو يشترط؟
الجواب: لا يشترط، لكن كلما كانت أنظف فهو أحسن؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما سألوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال: «إن الله
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/34)، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وقال الحافظ في «التلخيص (998): رواه ابن المنذر في الأوسط وأبو عوانة في صحيحه بسند على شرط الصحيح.
جميل يحب الجمال» (1) . وهذه السنة سنة لجميع الرجال، وإنما كانت على هذا الوجه من أجل اتفاق الناس على هذا اللباس، حتى لا يفخر أحد على أحد؛ لأنه لو أطلق العنان للناس لتفاخروا، وصار هذا يلبس ثوباً جميلاً جداً، وهذا ثوباً رديئاً، واختلف الناس، ولم تظهر الوحدة الإسلامية، وصار بعض الناس إذا رأى الذي يفوق ثيابه اشتغل قلبه، وقال: كيف؟ هذا عليه كذا وأنا علي كذا!! ثم ربما ذهب يستدين، ليلبس مثل ما يلبس الغير، ولهذا كان من الحكمة أن يكون الناس في لباس الإحرام على حد سواء، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يغالي في ثياب الإحرام، بل يكون من جنس الناس.
قوله: «وإحرام عقب ركعتين» الواو حرف عطف، و «إحرام» معطوف على «غسل» ، أي: وسن لمريد الإحرام، إحرام عقب ركعتين.
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أهل دبر الصلاة» (2) ، و «أهل» بمعنى أحرم فيسن أن يصلي ركعتين ليحرم بعدهما، ولكن الدليل الذي استدل به الأصحاب ـ رحمهم الله ـ لا يتعين أن تكون هذه الصلاة خاصة بالإحرام، ولا صلاة مسنونة؛ بل أهل دبر صلاة مفروضة، ولا نعلم هل النبي صلّى الله عليه وسلّم قصد أن يكون إهلاله بعد الصلاة؟ أو أهل؛ لأنه لما صلى ركب، فأهل عند ركوبه؟ فيه احتمال.
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان/ باب تحريم الكبر (91) عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.
(2) سيأتي تخريجه ص(102).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما، وأنه ليس للإحرام صلاة تخصه لكن إن كان في الضحى، فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدها، وإن كان في وقت الظهر، نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر، ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر.
وأما صلاة مستحبة بعينها للإحرام، فهذا لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا هو الصحيح.
مسألة: إذا توضأ ثم صلى ركعتين سنة الوضوء، فهل سنة الوضوء مشروعة؟
الجواب: نعم مشروعة، وعلى هذا فنقول: أنت إذا اغتسلت وتوضأت فصلِّ ركعتين سنة الوضوء، ولكن يبقى النظر إذا كان ليس من عادته في غير هذا المكان أن يصلي ركعتي الوضوء، فأراد أن يصلي هنا، أليس سوف يشعر في نفسه أن هذه الصلاة من أجل الإحرام؟ أو على الأقل من أجل الاشتراك بين الإحرام والوضوء؟
الجواب: هذا هو الظاهر، ولذلك نقول: إذا كان سيبقى الإنسان في الميقات حتى يأتي وقت الفريضة، فالأفضل أن يهل بعد الفريضة.
وَنِيته شَرْطٌ................
قوله: «ونيته شرط» أي: نية النسك، أي: نية الدخول في النسك شرط، فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبى بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرماً بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرماً بلبس ثياب
الإحرام، فإن التلبية تكون للحاج وغيره، ولبس الإزار والرداء يكون للمحرم وغيره.
ودليل اشتراط النية قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) ، والتلبية قد تكون في غير الحج، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا قال: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» (2) ، فإذا رأيتم ما يعجبكم من الدنيا من قصور، أو سيارات، أو بنين، أو زوجات، أو غيرها فقولوا: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» ، انظر: كيف صد الإنسان نفسه بقول: لبيك، إجابة لله ـ عزّ وجل ـ حتى لا تذهب نفسه مع الدنيا، ثم قال: «إن العيش عيش الآخرة» يعني أن هذا العيش الذي أمامي ليس بشيء.
مسألة: هل يجب أن ينوي معيناً من عمرة أو حج أو قران؟
الجواب: له أن يحرم إحراماً مطلقاً، بأن ينوي نية مطلقة وله أن يحرم بما أحرم به فلان، وهذا يقع أحياناً، يكون الإنسان جاهلاً ولا يدري بماذا يحرم؟ فيقول لبيك بما لبَّى به فلان، وحينئذٍ يتعين عليه أن يسأل فلاناً قبل أن يطوف حتى يعين النية قبل الطواف.
__________
(1) أخرجه البخاري في بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1)؛ ومسلم في الإمارة/ باب قوله صلّى الله عليه وسلّم: إنما الأعمال بالنية (1907) عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة (4/107) عن عبد الله بن الحارث ـ رضي الله عنه ـ وأخرجه الحاكم (1/465)؛ والبيهقي (7/48) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وَيُستَحَبُّ قَولُ: اللَّهُمَّ إِني أُريدُ نُسُك كَذَا فَيَسّرهُ لِي، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِس فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَستَنِي.
قوله: «ويستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي» الاستحباب يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، ولم يكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يحرم بالحج أو العمرة يقول: اللهم إني أريد العمرة، أو اللهم إني أريد الحج، ومعلوم أن العبادات مبناها على الاتباع وعلى الوارد، فإذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم اعتمر أربع مرات، وحج مرة، ولم يكن يقول هذا، ولا أرشد إليه فإنه ينبغي ألا يكون مستحباً.
ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن النطق بهذا القول كالنطق بقوله: اللهم إني أريد أن أصلي فيسر لي الصلاة، أو أن أتوضأ فيسر لي الوضوء، وهذا بدعة، فكذلك في النسك لا تقل هذا، قل ما أرشد إليه النبي صلّى الله عليه وسلّم حين استفتته ضباعة بنت الزبير ـ رضي الله عنها ـ أنها تريد الحج، وهي شاكية قال: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» (1) ولم يقل: قولي اللهم إني أريد نسك كذا وكذا.
قوله: «وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني» ، أي: إن منعني مانع من إتمام نسكي فإني أحل من إحرامي، حيث وجد المانع، وظاهر كلام المؤلف أن هذا القول عام يشمل من كان خائفاً، ومن لم يكن خائفاً، أي: يشمل من كان يخشى من عائق يعوقه عن إتمام نسكه من مرض، أو ضياع نفقة، أو انكسار
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز اشتراط المحرم التحليل بعذر المرض (1207) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
مركوب، أو خوف على نفسه، أو ما أشبه ذلك، ومن لم يخف ذلك، هذا كلام المؤلف؛ لأنه لم يفصل، فلم يقل: يقول: إن حبسني حابس إن خاف أن يحبسه حابس، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
القول الأول: أنه سنة مطلقاً (1) ، أي: يستحب أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني على كل حال.
القول الثاني: ليس بسنة مطلقاً.
القول الثالث: أنه سنة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، غير سنة لمن لم يخف، وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أحرم بعمره كلها، حتى في الحديبية أحرم، ولم يقل: إن حبسني حابس، وحبس، وكذلك في عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وحجة الوداع، ولم ينقل عنه أنه قال: وإن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمراً مطلقاً، بل أمر به من جاءت تستفتي؛ لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك، فمن خاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: اشترط استرشاداً بأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومن لم يخف قلنا له: السنة ألا تشترط، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة، فكثيراً ما يحدث اصطدام وكثيراً ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يقتضي مشروعية هذا الشرط؟
__________
(1) وهو المذهب.
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جداً، وليست بشيء بالنسبة لكثرة السيارات والناس، وفي عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم حصلت حوادث، ففي عرفة وقصت ناقة صاحبها فسقط منها فمات (1) ، وهذا حادث ناقة، يشبه حادث السيارة، فالحوادث موجودة في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومع هذا، لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمراً عاماً.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: قال بعض العلماء: إنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظ يتعبد به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جداً.
والصواب أن له فائدة، وفائدته أنه إذا وجد المانع حل من إحرامه مجاناً، ومعنى قولنا: «مجاناً» أي بلا هدي؛ لأن من أحصر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدي؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، فإذا كان قد اشترط ووجد ما يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: حلَّ بلا شيء، مجاناً.
ولو لم يشترط لم يحل إلا إذا أحصر بعدو على رأي كثير من العلماء، فإن حصر بمرض، أو حادث، أو ذهاب نفقة، أو ما أشبه ذلك فإنه يبقى محرماً ولا يحل، لكن إن فاته الوقوف فله أن يتحلل بعمرة، ثم يحج من العام القادم.
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب سنة المحرم إذا مات (1851)؛ ومسلم في الحج/ باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (1206) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
وهنا عبارتان:
العبارة الأولى: أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، «محلي» أي: مكان إحلالي من النسك، أو قت إحلالي منه.
العبارة الثانية: أن يقول: إن حبسني حابس فلي أن أحل.
والفرق بينهما: إذا قال: فمحلي حيث حبستني، حل بمجرد وجود المانع؛ لأنه علق الحل على شرط فوجد الشرط، فإذا وجد الشرط وجد المشروط، وأما إذا قال: إن حبسني حابس فلي أن أحل، فإنه إذا وجد المانع فهو بالخيار إن شاء أحل، وإن شاء استمر.
فإن قيل: وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النفاس، أو الطاهر من الحيض؟
فالجواب: نعم ولا شك؛ لأن المرأة إذا نفست لا تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالباً، والحائض كذلك، إذا كان أهلها أو رفقتها لا يبقون معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط.
مسألة: امرأة لم يطرأ الحيض على بالها، لكن معها كسل أو مرض، وتخشى ألا تتم النسك من أجل هذا المرض، فقالت: إن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني، تريد المرض، لكن المرض خف عنها أو زال، وحدث الحيض، فهل نقول: إن مقتضى حالها يخصص النية؟ أو نقول: إن العموم يشمل الحيض؟
الجواب: يحتمل الأمرين، لكن من قال يؤخذ بالعموم
«حبسني حابس» قال بأنها نكرة في سياق الشرط فتعم، وهذا من الحوابس، فقد يكون في قلبها في تلك الساعة المرض، ويحصل حابس آخر كالحيض، والخوف، وفقدان النفقة، وموت المحرم، وما أشبه ذلك، والأخذ بالعموم أرجو ألا يكون به بأس، وإلا فإن الحال قد تخصص العموم.
فإن قال قائل: إذا اشترط شخص بدون احتمال المانع ـ على القول بأنه لا يسن الاشتراط إلا إذا كان يخشى المانع ـ، فهل ينفعه هذا الاشتراط؟
فالجواب: على قولين:
القول الأول: ينفعه؛ لأن هذا وإن ورد على سبب، فالعبرة بعمومه.
القول الثاني: لا ينفعه؛ لأنه اشتراط غير مشروع، وغير المشروع غير متبوع فلا ينفع، وهذا عندي أقرب؛ لأننا إذا قلنا: بأنه لا يستحب الاشتراط فإنه لا يكون مشروعاً، وغير المشروع غير متبوع، ولا يترتب عليه شيء، وإذا قلنا: إنه يترتب عليه حكم وهو غير مشروع، صار في هذا نوع من المضادة للأحكام الشرعية.
مسألة: لو أن رجلاً دخل في الإحرام، وقال: لبيك اللهم عمرة، ولي أن أحل متى شئت، فهل يصح هذا الشرط؟
الجواب: لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى الإحرام، ومقتضى الإحرام وجوب المضي، وأنك غير مخير، فلست أنت الذي ترتب أحكام الشرع، المرتب لأحكام الشرع هو الله ـ عزّ وجل ـ ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
وَأَفْضَلُ الأنسَاكِ التَّمَتُّعُ ..................
قوله: «وأفضل الأنساك التمتع» (1) .
أفادنا ـ رحمه الله ـ أن هناك أنساكاً متعددة؛ لأن «الأنساك» جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فهنا أنساك ثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران؛ وذلك أن الإنسان إما أن يحرم بالعمرة وحدها، أو بالحج وحده، أو بهما، لا رابع لها، وهذا وجه انحصار الأنساك في هذه الثلاثة، فإن أحرم بالعمرة وحدها فمتمتع، ولكن بالشروط التي ستُذكر، وبالحج وحده فهو مفرد، وبهما جميعاً فهو قارن، ويدل على تنوع الأنساك إلى هذه الأنواع حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «حججنا مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم فمنا من أهلَّ بحج، ومنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحجة وعمرة، وأهلَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج» (2) ، وقولها: «بالحج» يحمل على أنه بالحج من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام، لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان قارناً.
وقيل: أحرم بالحج أولاً، ثم أردفه بالعمرة، وسنذكر هذا ـ إن شاء الله تعالى ـ في صفة القران.
وقوله: «وأفضل الأنساك التمتع» الدليل على هذا:
أولاً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أمر أصحابه حين فرغوا من الطواف والسعي أن يحلوا، ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي» ، وكان من ساق الهدي في تلك الحجة قلة، وقد حتم الرسول صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه حيث قال حين أكمل السعي: «من لم يسق الهدي
__________
(1) وهو المذهب.
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب التمتع (1562)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (118).
فليجعلها عمرة» ، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت معكم» (1) ، وراجعه الصحابة في ذلك، وقالوا: يا رسول الله كيف نجعلها عمرة، وقد سمينا الحج ـ أي: لبينا بالحج ـ قال: «افعلوا ما آمركم به» (2) ، حتى أوردوا عليه مسألة يُستحيا منها، ولكن حملهم ما في نفوسهم على إيرادها، قالوا: يا رسول الله نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً (3) ـ أي: من جماع أهله؛ لأنهم سيحلون الحل كله ـ ولكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أبى إلا أن يحتم عليهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، فإنه لا يمكن أن يتمتع؛ لأن من ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، وحينئذٍ يتعذر التمتع.
ثانياً: لأنه ـ أي: التمتع ـ أكثر عملاً.
ثالثاً: لأنه أسهل على المكلف غالباً.
وقوله: «أفضل الأنساك التمتع»، أفادنا ـ رحمه الله ـ أنه يجوز ما سوى التمتع، وأن التمتع ليس بواجب، وهذا رأي جمهور أهل العلم.
وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجب، وأن الإنسان إذا
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم (1218) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1216) (143) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.
(3) أخرجه البخاري في الحج/ باب تقضي الحائض المناسك (1651)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1216)، عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.
طاف وسعى للحج في أشهره، إذا لم يسق الهدي فإنه يحل شاء أم أبى، وهذا رأي ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
واستدل ـ رضي الله عنه ـ: بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم وتحتيمه على الناس، وغضبه لما تراخوا وصاروا يراجعونه (1) ، وإلى هذا يميل ابن القيم ـ رحمه الله ـ في زاد المعاد، وذكر رأي شيخه ـ رحمه الله ـ وقال: وأنا إلى قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أميل مني إلى قول شيخنا، وكان ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يناظر على هذه المسألة، حتى يقول: «أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء» (2) ، لأن أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ يريان أن الإفراد أفضل من التمتع.
واختار شيخ الإسلام في قصة أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم الصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه، وتحتيمه، أن هذا الوجوب خاص بالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وأما من بعدهم فتختلف الحال بحسب حال الإنسان، فلا نقول: التمتع أفضل مطلقاً، ولا الإفراد، ولا القران، واستدل بدليل سمعي، ونظري:
أما السمعي فهو أن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ «سُئل عن المتعة، هل هي عامة أو للصحابة خاصة؟ قال: بل لنا خاصة» (3) ،
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (130) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) أخرجه ـ بنحوه ـ الإمام أحمد (1/337).
(3) أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز التمتع (1224).
ويحمل كلامه ـ رضي الله عنه ـ على أن الوجوب لهم خاصة، وإلا فلا يمكن أن يقول أبو ذر: لنا خاصة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم سأله سراقة بن مالك بن جعشم ـ رضي الله عنه ـ قال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «بل لأبد الأبد» (1) . فخصوصية الحكم للصحابة، إذا كان مقصده الوجوب فله وجه، أما إذا كان المراد فسخ الحج مطلقاً فالحديث يدل على أنه مشروع لجميع الناس.
أما الدليل النظري فيقال: إن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ خوطبوا من الرسول صلّى الله عليه وسلّم مباشرة، ولو لم ينفذه الصحابة كان هذا عظيماً، فيقال: إذا كان الصحابة رفضوا أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم مباشرة فمن بعدهم من باب أولى.
ثم إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يريد أن يقرر هذا الحكم، والتقرير بالفعل أقوى من التقرير بالقول، فإذا تقرر بالفعل بقي الأمر على ما بقي عليه أولاً وهو أنه هو الأفضل، أو يختلف ـ كما قال شيخ الإسلام ـ باختلاف حال الإنسان.
وما قاله ـ رحمه الله ـ وجيه جداً، وهو أن وجوب الفسخ إنما هو في ذلك العام الذي واجههم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأما بعد ذلك فليس بواجب، وأظنه لو كان واجباً لم يخف على أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وهما من هما بالنسبة لقربهما من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولفهمهما قوله، ومعلوم أن من كان أقرب إلى
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب من أهلَّ في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم كإهلال النبي صلّى الله عليه وسلّم (1557)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1216)، عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.
الإنسان كان أعرف الناس بقوله ومراده، فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من حيث وجوب التمتع وعدمه، وأنه واجب على الصحابة. وأما من بعدهم فهو أفضل وليس بواجب.
والمذهب أن التمتع هو الأفضل مطلقاً، حتى من ساق الهدي، فالتمتع في حقه أولى.
لكن كيف يعمل، وهو لا يحل له أن يحلق إلا في يوم العيد لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ؟ قالوا: إذا طاف وسعى لا يحلق، بل ينوي أن العمرة انتهت، لكن لا يحل بالحلق، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج، وهذا لا شك أنه قول ضعيف جداً، ولم أر السنة أتت بمثله.
فالصواب أن من ساق الهدي لا يمكنه أن يتمتع؛ لأنه لا يمكنه أن يحل، والتمتع لا بد فيه من الحل.
وقال شيخ الإسلام: لا نقول إن التمتع أفضل مطلقاً، ولا القران أفضل مطلقاً، ولا الإفراد أفضل مطلقاً، فيقال: من ساق الهدي فالأفضل له القران؛ وذلك لثلاثة أوجه:
الأول: لأن التمتع في حقه متعذر، فكيف يتمتع وهو لم يحل، والذي ساق الهدي لا يحل إلا في يوم العيد فمتى يتمتع؟
الثاني: لأن القران مع سوق الهدي فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، فالقران إذاً أفضل.
الثالث: أنه يجمع بين الحج والعمرة، مع أنه لو أفرد وقد ساق الهدي صح، فصار القران لمن ساق الهدي أفضل لهذه الأوجه الثلاثة.
ويقول الشيخ: فإذا كان قد اعتمر قبل أشهر الحج، ولم يسق الهدي فالأفضل له الإفراد، سواء اعتمر قبل أشهر الحج، وبقي في مكة حتى حج، أو اعتمر قبل أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم عاد إلى مكة، حتى إنه قال: إن هذا باتفاق الأئمة، أي: أن الأفضل الإفراد؛ لأنه يحرم بالعمرة في سفرة مستقلة، وبالحج في سفرة مستقلة، وهذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى: أتى بالعمرة قبل أشهر الحج، وبقي في مكة حتى حج، فهذا لا شك أن إفراده أفضل له؛ لأنه لا يمكن له التمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يأتي بالعمرة من الميقات، وهو في مكة ليس له عمرة من الميقات، فهذه الصورة واضحة من كلام شيخ الإسلام، وربما يكون قوله فيها صواباً.
الصورة الثانية: أن يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يرجع إلى بلده ثم يعود إلى مكة، فيقول: الأفضل ألا يحرم بعمرة، فيحرم مفرداً، ويقول: إن هذا باتفاق الأئمة، فإن صح الإجماع فليس لنا أن نخالفه، وإن لم يصح الإجماع، فإنه يقال: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي (1) ، ولم يقل من اعتمر منكم قبل أشهر الحج فليبق على إحرامه، مع أنه فيما يظهر أنه يوجد من الصحابة من اعتمر قبل أشهر الحج، فلذلك هذه المسألة مشكلة عليّ من كلام شيخ الإسلام، وليس المشكل عليّ أنه ذهب إليها؛ لأنه ـ رحمه الله ـ معروف بقوة استدلاله وفهمه وعقله، ولكن المشكل عليّ قوله:
__________
(1) كما في حديث جابر الطويل ص(76).
باتفاق الأئمة، ثم رأيت كلاماً للشيخ في «مجموع الفتاوى» يوافق ما قلنا من أن الأفضل التمتع حتى لمن اعتمر في سفر سابق من العام، وقال: إن كثيراً من الصحابة الذين حجوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا قد اعتمروا قبل ذلك ومع هذا، فأمرهم بالتمتع ولم يأمرهم بالإفراد (1) .
وَصِفَتُهُ: أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ فِي أشْهُرِ الحَجِّ، وَيَفْرغ مِنْهَا ثُمَّ يُحْرِمَ بالحَجِّ فِي عَامِهِ.
قوله: «وصفته» أي: صفة التمتع.
قوله: «أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه» ، أفادنا المؤلف أنه لا يكون الحج تمتعاً إلا إذا جمع هذه الأوصاف:
الوصف الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة وذو الحجة، فمن أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يحرم بها في أشهر الحج، ومن أحرم بها في شوال كان متمتعاً؛ لأنه أحرم بها في أشهر الحج، ومن أحرم بها في رمضان وأتمها في رمضان وبقي إلى الحج فليس بمتمتع، إذاً هذه ثلاثة صور:
الأولى: أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، وأتمها في أشهر الحج.
الثانية: أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، وأتمها قبل أشهر الحج.
__________
(1) انظر: (26/88).
الثالثة: أحرم بالعمرة في أشهر الحج وأتمها في أشهر الحج.
فالأول والثاني لا يكونان متمتعين.
الوصف الثاني: أن يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، وهنا التقصير أفضل من الحلق لسببين:
الأول: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر به في قوله: «من لم يسق الهدي فليقصر» (1) .
الثاني: من أجل أن يبقى للحج ما يُحلق أو يقصر، ولو أنه حلق، والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.
الوصف الثالث: أن يحرم بالحج في عامه، أي: بعد الفراغ منها والإحلال والتمتع بما أحل الله له، يحرم بالحج في عامه، فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج عام ثلاثة عشر، وحج عام أربعة عشر فليس بمتمتع؛ لأنه لا بد أن يحرم بالحج في عامه.
مسألة: لو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج ثم بدا له بَعْدُ أن يحج، أيكون متمتعاً؟
الجواب: لا؛ لأن الرجل ليس عنده نية للحج.
والقران له ثلاث صور:
الأولى: أن يحرم بالحج والعمرة معاً، فيقول: لبيك عمرة وحجاً، أو لبيك حجاً وعمرة، وقالوا: الأفضل أن يقدم العمرة
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
في التلبية فيقول: «لبيك عمرة وحجاً» ؛ لأن تلبية النبي صلّى الله عليه وسلّم هكذا (1) ولأنها سابقة على الحج.
الثانية: أن يحرم بالعمرة وحدها، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في الطواف.
الثالثة: أن يحرم بالحج أولاً، ثم يدخل العمرة عليه، وهذه الصورة فيها خلاف بين العلماء سنذكره إن شاء الله.
ودليل الصورة الأولى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاءه جبريل ـ عليه السلام ـ وقال: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو قال: عمرة وحجة» (2) . وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي، لكن أصرح منه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقالت: فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة (3) .
ودليل الصورة الثانية ما حدث لعائشة ـ رضي الله عنها ـ حين أحرمت بالعمرة وحاضت بسرف فأمرها النبي صلّى الله عليه وسلّم أن تهل بالحج (4) ، وأمره بإهلالها بالحج ليس إبطالاً للعمرة بدليل قوله: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة، يسعك لعمرتك وحجك» (5) ، وهذا دليل على أنها لم تُبْطل العمرة؛ لأنها لو أبطلت العمرة
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب إهلال النبي صلّى الله عليه وسلّم وهديه (1251) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «العقيق واد مبارك» (1534)، عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.
(3) - (4) أخرجه البخاري في الحيض/ باب الأمر بالنفساء إذا نفست (294)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (112).
(5) أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (132).
لقال: «طوافك بالبيت وسعيك بالصَّفا والمروة يسعك لحجك فقط».
وإذا تأملت الدليل، فقد تقول إنه غير مسلم؛ لأنه أخص من المدلول، ولا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، والعكس صحيح؛ لأن الدليل الآن إنما وقع في حال تشبه الضرورة؛ لأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما حاضت لا يمكن أن تكمل العمرة، وهي حائض.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تطهر قبل الخروج إلى منى؛ لأنهم وصلوا في اليوم الرابع؟
فالجواب: بلى يمكن، لكن الأمور الشرعية مبناها على غلبة الظن، وهي عارفة أنها تأتيها الحيضة مثلاً لمدة ستة أيام، ولا تتمكن من العمرة قبل الخروج إلى الحج.
إذاً الحديث في حال الضرورة، فهل نستدل به على حال السعة، ونقول: للإنسان إذا أحرم بالعمرة أن يدخل الحج عليها ليكون قارناً؟
الجواب: الفقهاء يقولون يجوز، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول إذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة (1) .
فكيف نجعل العمرة حجاً، وهل هذا إلا خلاف ما أمر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
لأنك إذا جعلت العمرة حجاً فماذا ستصنع؟
الجواب: ستبقى في إحرامك إلى يوم العيد.
فالدليل هنا أخص من المدلول؛ لأن المدلول الذي حكمنا به عام في حال العذر، وفي حال عدم العذر، والدليل خاص بحال الضرورة والعذر، لكن قد نقل بعضهم الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة، وأنه من صور القِران.
وأما الصورة الثالثة: أن يحرم بالحج أولاً ثم يدخل العمرة عليه.
فالمشهور عند الحنابلة ـ رحمهم الله ـ أن هذا لا يجوز، لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر، فيبقى على إحرامه إلى يوم العيد، وهذا القول الأول.
أما من حول الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً فهذا سنة كما سبق.
والقول الثاني: الجواز لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أهلَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج (1) ثم جاءه جبريل عليه السلام، وقال: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة» (2) ، فأمره أن يدخل العمرة على الحج، وهذا يدل على جواز إدخال العمرة على الحج.
والقول بأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر مجرد قياس فيه نظر، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم
__________
(1) سبق تخريجه ص(75).
(2) سبق تخريجه ص(84).
القيامة» (1) ، وسمى العمرة حجاً أصغر (2) ، فلا مانع ولا تناقض وهذا القول دليله قوي.
فإن قالوا: إنه لا يستفيد بذلك شيئاً؟
قلنا: بلى يستفيد، لأنه بدل من أن يأتي بنسك واحد أتى بنسكين.
والإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً، فيقول: «لبيك حجاً».
وله صورة واحدة فقط، كالتمتع ليس له إلا صورة واحدة.
فإن قيل: أيهما أفضل الإفراد أو القران؟
فالجواب: أن من ساق الهدي، فلا شك أن القران أفضل له، وكذا إن لم يسق الهدي فالقران أفضل؛ لأنه يأتي بنسكين بخلاف الإفراد، وعلى هذا يكون القران أفضل من الإفراد مطلقاً.
مسألة: هل الأفضل أن يسوق الإنسان الهدي ليقرن أو يدعه ويتمتع؟
الجواب: هذه مسألة تحتاج إلى نظر، إن كانت السنة ـ أعني سَوق الهدي ـ قد ماتت والناس لا يعرفونها، فسوق الهدي مع القران أفضل لإحياء السنة، وإن كانت السنة معلومة لكن يشق على الناس أن يسوقوا الهدي؛ لأنهم يحجون بالطائرات والسيارات فترك سوق الهدي والتمتع أفضل.
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز العمرة في أشهر الحج (1241) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه الدارقطني (2/285)؛ وابن حبان (6559) والحاكم (1/395)؛ والبيهقي (4/89) عن عمرو بن حزم وصححه الشافعي وأحمد وابن حبان، وغيرهم، انظر: نصب الراية (2/341).
وهل يشترط في الإفراد أن يحرم بالعمرة بعده؟
الجواب: ليس بشرط فإذا أتى بالحج وحده فمفرد، سواء اعتمر بعد ذلك، أم لم يعتمر، وما يوجد في بعض كتب المناسك أن يحرم بالحج مفرداً، ثم يأتي بعمرة بعده، فهو بناءٌ على مشروعية العمرة بعد الحج، ولأناس لا يستطيعون أن يصلوا إلى البيت فيأتوا بالعمرة بعد الحج لأداء الفريضة، والعمرة بعد الحج غير مشروعة، كما سيأتي.
تنبيه: عمل المفرد والقارن سواء إلا أن القارن عليه الهدي لحصول النسكين له دون المفرد.
وَعَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ ............
قوله: «وعلى الأفقي دم» ، «على» هنا للوجوب، والأفقي نسبة إلى الأفق، ويقال: الآفاقي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقال الأفقي نسبة إلى المفرد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.
والأفقي: من لم يكن حاضر المسجد الحرام.
ودليل ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] ، أهله أي سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان، وحينئذٍ نقول: مَن حاضرو المسجد الحرام؟
الجواب: قيل: من دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافاً كبيراً، فالذين على طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام أو ثمانية، وهم من حاضري المسجد الحرام.
والذين وراء قرن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان وليسوا من حاضري المسجد الحرام وهذا القول فيه نظر وضعف.
وقيل: هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه، ومن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام، وعلى هذا من سكن بعرفة مثلاً فليس من حاضري المسجد الحرام، ومن سكنه في مزدلفة فليس من حاضري المسجد الحرام، لأنه ليس من أهل مكة، فأهل مكة من كان داخل البناء.
وقيل: هم أهل الحرم، من أهل مكة وغيرهم، وعلى هذا فكل من كان داخل الأميال فهم من حاضري المسجد الحرام.
فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، وأهل عرفة ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
وقيل: هم أهل الحرم، ومن بينهم وبينه دون مسافة القصر؛ لأن من دون المسافة يعتبر من أهل البلد.
وأقرب الأقوال أن نقول: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة، أو أهل الحرم، أي: من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة.
فالتنعيم متصل بمكة الآن تماماً، بل يوجد بيوت من وراء التنعيم، فأصبح التنعيم داخل مكة مع أنه من الحل، وهنا يمكن أن يلغز بذلك فيقال: هناك شجر في مكة أنبته الله يجوز أن تحشه، وهناك صيد في مكة يجوز أن تصيده.
وجوابه: أن مكة امتدت الآن إلى خارج الحرم، فالصيد
والحش فيما خرج عن الحرم جائز، وإن كان المكان من مكة.
وقوله: «دم» الدم هنا يطلق على الذبيحة؛ لأنه يراق دمها، ولو أن المؤلف قال: هدي لكان أجود؛ ليطابق الآية، قال الله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] .
شروط الهدي ما يلي:
الأول: أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو أهدى فرساً لم يجزئه.
الثاني: أن يبلغ السن المعتبر شرعاً، وهو أن يكون ثنيًّا، أو جذعاً، فالجذع من الضأن، والثني مما سواه من المعز، والبقر، والإبل.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تذبحوا إلا مسنة (أي: ثنية) إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (1) .
فأجاز الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذبح الجذعة من الضأن إذا تعسرت المسنة، ولو كانت لا تجزئ لم يستثنها.
فإن قال قائل: إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهر واحد لأن الله قال: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، فإذا لم يتسير إلا شيء صغير فإنه يجزئ، فماذا نقول؟!
الجواب: إن الله قال: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وأل للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي أي الذي بلغ السن المعتبر شرعاً.
__________
(1) أخرجه مسلم في الأضاحي/ باب سن الأضحية (1963).
الثالث: أن يكون الهدي سليماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال: «أربعاً ـ وأشار بأصابعه ـ: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي» (1) .
لكن لو قال قائل: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل: ماذا يُتقى من الضحايا ولم يسأل عن الهدي؟.
فنقول: إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة لا هدي فيها، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء، علم أن المصاب بهذه الأمراض لا يصلح أن يكون قربة.
الرابع: أن يكون في زمن الذبح، وفي هذا خلاف بين العلماء نذكره فيما يلي:
القول الأول: أنه لا يذبح دم المتعة إلا في الوقت الذي تذبح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعد العيد.
القول الثاني: يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج؛ لأن الصيام لمن
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/184، 289، 300)؛ وأبو داود في الضحايا/ باب ما يكره من الضحايا (2802)؛ والنسائي في الضحايا/ باب ما نهي عنه من الأضاحي (7/214)؛ والترمذي في النذور والأيمان/ باب ما جاء في ثواب... (1541)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب ما يكره أن يضحى به (3144)؛ وابن خزيمة (292)؛ وابن حبان (5889) إحسان؛ والحاكم (1/467) عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ، قال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج مع أنه بدل، فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية.
والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هدي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح يوم العيد، وثلاثة أيام بعده.
والدليل على هذا أنه لو جاز أن يقدم ذبح الهدي على يوم العيد، لفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم ولكنه قال: «لا أحل حتى أنحر» (1) ، ولا نحر إلا يوم العيد.
الخامس: أن يكون في مكان الذبح، فهدي التمتع لا يصح إلا في الحرم، فهو من هذه الجهة أضيق من الأضحية، فالأضحية تصح في كل مكان، فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئ ولو دخل به إلى منى، لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل فجاج مكة طريق ومنحر» (2) .
وقوله: «وعلى الأفقي دم» ، ظاهر كلام المؤلف أن غير المتمتع لا يلزمه دم؛ لأنه قال في سياق التمتع «وعلى الأفقي دم» فهل هذا مراد أو لا؟
أما المفرد فلا دم عليه، وأما القارن فظاهر
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب التمتع والقران والإفراد (1566)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان أن القارن لا يتحلل بعمرة إلا في وقت تحلل الحاج (1229) عن حفصة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) أخرجه أحمد (3/326)؛ وأبو داود في المناسك/ باب الصلاة بجمع (1937)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب الذبح (3048)؛ وصححه ابن خزيمة (2787) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ؛ انظر: «نصب الراية» (3/60).
كلامه ـ رحمه الله ـ: أنه لا دم عليه؛ لأن القارن ليس بمتمتع بهذا المعنى الذي قاله المؤلف حيث قال: «التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج» ثم قال: «وعلى الأفقي دم»، وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو: ما ذهب إليه داود الظاهري، وقال: إن الله قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] فلا بد من تمتع فاصل بين العمرة والحج؛ لأن «إلى» للغاية، والغاية لا بد لها من ابتداء وانتهاء.
وأما القارن فليس بين عمرته وحجه تمتع؛ لأنه سيظل محرماً إلى يوم العيد، وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] ولو قال: فمن تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارن يدخل في ذلك؛ لأن القارن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفراً مستقلاً، لكن لما قال إلى الحج علمنا أن هناك انفصالاً بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابن مشيش الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: قال: أيجب على القارن الهدي وجوباً؟
قال: كيف يجب وجوباً وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه ـ رحمه الله ـ يشير إلى أن وجوب الدم على القارن إنما هو بالقياس، فإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟
لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجبة، والعلة الموجبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج، هي أن الله يسر لهذا الناسك تمتعاً
تاماً بين العمرة والحج، والقارن ليس كذلك؛ لأنه سيبقى محرماً من حين أن يحرم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك، فإنه لا يصح القياس.
فظاهر القرآن مع الظاهري أن الدم يجب على المتمع دون المفرد القارن.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنسكه أن يهدي؛ لأن من هدي الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ الإهداء التطوعي فكيف بإهداء اختلف العلماء في وجوبه؟! وأكثر العلماء على الوجوب، وهو لا شك أولى وأبرأ للذمة، وأحوط.
فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجباً فقد تقربت إلى الله به.
ويشترط لوجوب الهدي ألا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، ويمكن أن يؤخذ من ظاهر قول المؤلف: «ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج» : أنه لا سفر، وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي، فإن أتى بالعمرة ثم سافر مثلاً إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرماً بالحج فقد سافر بينهما، فهل يسقط الدم؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يسقط عنه الدم؛ لأنه قال: «يفرغ منها ثم يحرم» فالظاهر التوالي ولم يقل ولو سافر، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن السفر إلى بلد الحاج، أو إلى غيره لا يسقط الهدي، سواء طال السفر أو قصر، فعلى هذا لو أن رجلاً أتى بالعمرة في أشهر الحج، وقد عزم على الحج في العام نفسه،
ثم رجع إلى بلده وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرماً بالحج، فإن الهدي لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة.
لأن قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] يدل على أنه سافر إلى الحج، ولولا العمرة لم يحصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو إلى بلد آخر (1) ، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناوياً الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرماً بالحج فإن الهدي يسقط عنه.
القول الثالث: التفصيل: أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج، فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله لا يسقط.
مثاله: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحل منها ثم سافر إلى المدينة، ورجع محرماً بالحج، فلا يسقط عنه الهدي، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرماً بالحج سقط عنه الهدي، وهذا القول هو الراجح.
لأنه أنشأ سفراً جديداً غير سفر العمرة، فإن السفر مفارقة الوطن فيكون مفرداً لا متمتعاً، وهو مروي عن عمر وابنه ـ رضي الله عنهما ـ؛
__________
(1) وهذا هو المذهب.
لأنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد محرماً بالحج فقد أفرد الحج بسفر مستقل فيكون مفرداً، وليس بمتمتع، فإن سافر إلى بلد آخر، فإنه متمتع؛ لأنه لم ينشئ سفراً جديداً، إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعاً للسفر.
مسألة: إذا أحرم الإنسان بالحج، ووصل إلى مكة فإنه يسن له أن يجعل الحج عمرة ليصير متمتعاً، فلو جعل الحج عمرة ليتخلص بالعمرة منه، فإن ذلك لا يصح؛ لأن ذلك احتيال على إسقاط وجوب الحج عليه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين من فسخ الحج ليصير متمتعاً ومن فسخ الحج بالعمرة ليتخلص منه؟.
فالجواب: الفرق ظاهر: من فسخ الحج إلى عمرة ليتخلص بها منه، فهو متحيل على سقوط وجوب المضي في الحج، ومن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارن والمفرد، وهذا هو الذي أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة، ليصيروا متمتعين، لا ليتخلصوا بالعمرة من الحج.
مثاله: رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم به، وكأنه تطاول المدة الباقية على الحج، ففسخ الحج إلى عمرة من أجل أن يطوف ويسعى ويقصر ويرجع إلى بلده.
فهذا لا يجوز؛ لأنه لما شرع في الحج وجب عليه إتمامه، فإذا حوله إلى عمرة ليتخلص منه، صار متحيلاً على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز.
مثال آخر: رجل ذهب ليحج وأحرم بالحج في أشهره، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحول الحج ليصير متمتعاً، فهذا جائز، بل سنة؛ لأنه انتقل من مفضول إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، ويدل لهذا أن رجلاً جاء إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صلِّ هاهنا» يعني في مكة؛ ـ لأن مكة أفضل من بيت المقدس ـ فأعاد عليه، قال: «صلِّ هاهنا» ، فأعاد عليه قال: «فشأنك إذن» (1) .
ونظير هذا رجل شرع في صلاة الظهر منفرداً، فحضرت جماعة فحولها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، فهذا جائز.
مثال آخر: رجل دخل في صلاة الظهر ولما وصل إلى الركعة الثانية تذكر شيئاً لا يفوت فقال: أقلبها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا تحيل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه، فالذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلصاً من الأول لوجوبه عليه فهذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيل عليها، كما أن المحرمات لا تحل بالتحيل عليها.
وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب، فإن ذلك
__________
(1) أخرجه أحمد (3/363)؛ وأبو داود في الأيمان والنذور/ باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس (3305)؛ والحاكم (4/204) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ وصححه الحاكم على شرط مسلم، وصححه ابن دقيق العيد. انظر: «التلخيص» (2067).
جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحول إلى أفضل.
مسألة: لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة، ليتمتع به إلى الحج، ثم بعد ذلك بدا له ألا يحج فهل نلزمه بالحج؟
عندنا الآن صورتان: الصورة الأولى: رجل أحرم بالعمرة من أول الأمر متمتعاً بها إلى الحج ثم بدا له ألا يحج، فهذا جائز ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناوياً الحج ولكن بدا له ألا يحج.
لكن رجل أحرم بالحج ثم حوله إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ وبين الصورتين فرق.
فهل نقول: ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟
يحتمل عندي وجهان:
الأول: إلزامه بالحج إلا إذا تركه لعذر فهذا شيء آخر؛ لأننا إنما أجزنا له التحول ليحج.
الثاني: لا يلزمه شيء؛ لأنه ما شرع في النسك.
وَإِنْ حَاضَتْ المَرأةُ فَخَشيِتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً،............
قوله: «وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به، وصارت قارنة» عام أريد به الخاص، فالمراد بالمرأة هنا المرأة المتمتعة، أي: من أحرمت بعمرة لتحل منها، ثم تحج من عامها، وقد وصلت إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة فحاضت، وعادتها ستة أيام، فتطهر في اليوم الحادي عشر، أي:
بعد فوات الوقوف، إذاً لا يمكنها أن تطوف وتسعى وتنهي عمرتها.
فنقول لهذه المرأة: يجب أن تحرم بالحج، لتكون قارنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك عائشة حين حاضت بسرف قبل أن تدخل مكة (1) ، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأن الحج يجب على الفور، فلو لم تحرم به لفاتها هذا العام.
ولأنها شرعت في العمرة من أجل الحج في الواقع، فهي لم تقدم إلا للحج؛ لأن العمرة تصلح في كل وقت، ولا يمكن أداء الحج إلا بالتحلل من العمرة، والتحلل من العمرة مستحيل في هذه الحال، لأنها حائض، والحائض لا تطوف، فلم يبق عليها إلا أن تحرم بالحج فتكون قارنة.
ومثل ذلك من حصل له عارض، كأن تعطلت السيارة بعد أن أحرم بالعمرة، فلا يمكنه معه أن يصل إلى مكة إلا بعد فوات الوقوف، فنقول لهذا: أحرم بالحج.
صورة المسألة: سافر من المدينة إلى مكة وأحرم بالعمرة متمتعاً بالعمرة إلى الحج، وفي أثناء الطريق تعطلت السيارة وعرف أنها لا يمكن أن تصلح إلا في زمن لا يمكن به إدراك العمرة إلا بعد فوات الوقوف، فنقول له: أحرم بالحج لتكون قارناً؛ لأنه لو بقي على إحرام العمرة ولم يصل إلا في اليوم التاسع فعليه خطر بفوات الحج.
__________
(1) سبق تخريجه ص(84).
ومعنى قولنا أحرم بالحج، أي: يدخل الحج على العمرة، وليس فسخاً للعمرة؛ لأنه لو كان فسخاً للعمرة لكان الحج إفراداً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» (1) .
مثال آخر: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة إلى الحج، ثم طافت وبعد الطواف حاضت، فهذه لا يمكن أن تحرم بالحج الآن؛ لأن من شرط جواز إدخال الحج على العمرة أن يكون قبل الطواف، لكن تسعى وهي حائض؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، فيجوز سعي الجنب والحائض وسعي المحدث حدثاً أصغر، لكن على طهارة أفضل.
وأداء كل العبادات على طهارة أفضل، وإذا جاء وقت الحج وهي لم تطهر أحرمت به ولا يمنعها الحيض من الإحرام، والدليل: أن أسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ نفست فأرسلت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» (2) .
مسألة: لو حاضت أثناء الطواف، فلا تتم الطواف، بل تخرج من الطواف، وتحرم بالحج إن خافت فواته؛ لأنه لا يمكن تكميل الطواف مع الحيض.
مسألة: لو أحدثت حدثاً أصغر في أثناء الطواف؟.
ففيها قولان:
__________
(1) سبق تخريجه ص(84).
(2) سبق تخريجه ص(61).
القول الأول: أن طوافها يبطل، ويجب عليها أن تتوضأ، وتستأنف الطواف؛ لأن الطهارة شرط للطواف.
القول الثاني: تكمل الطواف وليس عليها شيء، وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يشترط للطواف الطهارة من الحدث الأصغر؛ لعدم وجود نص صحيح صريح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمْ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لاَ شَرِيكَ لَكَ»......
قوله: «وإذا استوى على راحلته» ، أي: علا واستقر، أي: ركب ركوباً تاماً قال:
«لبيك اللهم لبيك» ، ظاهره أنه لا يلبِّي إلا إذا ركب، وقد سبق للمؤلف أنه يحرم عقب ركعتين، فهل في كلامه تناقض؟
الجواب: ليس فيه تناقض، فهو ينوي الدخول في النسك بعد أن يصلي، لكن لا يلبي إلا إذا استوى على راحلته.
والدليل على هذا أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أهَلَّ حين استوى على راحلته (1) ، وهذا هو القول الأول.
والقول الثاني: يلبي عقب الصلاة، أي: إذا نوى الدخول في النسك وهو المذهب.
والقول الثالث: يلبي إذا علا على البيداء، والبيداء: جبل صغير في ذي الحليفة، فيلبي إذا استوى على أول علوٍّ يكون بعد
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب من أهل حين استوت... (1552)؛ ومسلم في الحج/ باب التلبية وصفتها (1184) (20) عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ.
الاستواء على الراحلة وبعد السير إذا لم يكن في ذي الحليفة.
ودليله حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: «ثم ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك» (1) ، وحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في «الصحيحين»، وحديث جابر ـ رضي الله عنه ـ في مسلم، فهل بينهما تعارض؟
الجواب: ليس بينهما تعارض؛ لأنهما يحملان على أن جابراً ـ رضي الله عنه ـ لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي صلّى الله عليه وسلّم به على البيداء، وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ سمعه يلبي حين استوى على راحلته، فنقل كل منهما ما سمع.
بقي ما رواه النسائي: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أهلَّ دبر الصلاة» (2) ، وهذا يدل على أنه أهل بعد الصلاة.
فيقال: دبر الصلاة ما كان بعدها، واستواؤه على راحلته كان دبر الصلاة، وحتى إذا علت به راحلته على البيداء فهو دبر صلاة.
لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة، وقال: «إن الناس
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
(2) أخرجه الإمام أحمد (1/285)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء متى أحرم النبي صلّى الله عليه وسلّم (819)؛ والنسائي في الحج/ باب العمل في الإهلال (5/162)؛ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب»، وقال ابن حجر في «التلخيص» (1001): «في إسناده خصيف، وهو مختلف فيه»، وانظر: «نصب الراية» (3/21).
نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لبى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أهلَّ دبر الصلاة، ولبى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لبى حين ركب، وسمعه ناس حين استوت به راحلته على البيداء، فقالوا: لبى حين استوت به راحلته على البيداء» (1) ، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهراً؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جربنا فائدة كونه لا يلبي إلا إذا ركب؛ لأنه أحياناً يتذكر الإنسان شيئاً كطيب أو شبهه، فإذا قلنا: أحرم بعد الصلاة لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّ ولا تحرم إلا بعد الركوب حصل في ذلك فسحة، إلا إذا صح حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، فإنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.
وقوله: «قال: لبيك اللهم لبيك» ، هذه التلبية عظيمة جداً أطلق عليها جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ التوحيد قال: «حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد» (2) ، والتوحيد هو الذي دعت إليه جميع الرسل، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء] .
ولبيك كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ورد في الصحيح:
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/260)؛ وأبو داود في المناسك/ باب في وقت الإحرام (1770)؛ وضعفه المنذري في «تهذيب السنن» (1696).
(2) سبق تخريجه ص(76).
«أن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك» (1) ، وتحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي متضمنة للإجابة والإقامة، الإجابة لله، والإقامة على طاعته؛ ولهذا فسرها بعضهم بقوله: لبيك، أي: أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير جيد.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه المحرم؟
قلنا: هو قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج: 27] ، أي: أعلم الناس بالحج أو ناد فيهم بالحج {يَأْتُوكَ رِجَالاً}، أي: على أرجلهم، وليس المعنى ضد الإناث، والدليل على أنهم على أرجلهم ما بعدها {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .
وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، فإنه قد يعرف معنى الكلمة بما يقابلها.
ومثلها قوله تعالى ـ وهو أخفى من الآية التي معنا ـ {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] فمعنى ثبات متفرقين، مع أن ثبات يبعد جداً أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} علم أن المراد بالثبات المتفرقون.
والتثنية في التلبية هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي أجبتك مرتين، أو المقصود بها مطلق التكثير؟
__________
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب قصة يأجوج ومأجوج (3348) ومسلم في الإيمان/ باب قوله: «يقول الله لآدم» (222) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ.
الجواب: المقصود بها الثاني؛ لأن المعنى إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة، فالمراد بها مطلق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط؛ ولهذا قال النحويون: إنها ملحقة بالمثنى وليست مثنى حقيقة؛ لأنه يراد بها الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدر لفعل محذوف وجوباً، لا يجمع بينه وبينها، والتقدير ألببت إلبابين لك.
ألببت، يعني: أقمت بالمكان إلبابين.
لكن حصل فيها حذف حرف الهمزة، وصارت لبابين، بعد حذف الهمزة.
ثم قيل: تحذف أيضاً الباء الثانية، فنقول لبيك، والياء علامة للإعراب.
وقوله: «اللهم» معناها: ياالله، لكن حذفت ياء النداء وعوض عنها الميم، وجعلت الميم أخيراً، ولم تكن في مكان الياء تبركاً بذكر اسم الله تعالى ابتداء، وعوض عنها الميم؛ لأن الميم أدل على الجمع، ولهذا كانت من علامات الجمع؛ فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ـ عزّ وجل ـ، لأنه يقول ياالله.
وقوله: «لبيك» الثانية من باب التوكيد اللفظي المعنوي، هو لفظي؛ لأنه لم يتغير عن لفظ الأول، لكن له معنى جديد فيكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لأنك تجيب الله ـ عزّ وجل ـ وكلّما أجبته ازددت إيماناً به وشوقاً إليه، فكان التكرير مقتضى الحكمة، ولهذا
ينبغي لك أن تستشعر وأنت تقول: «لبيك» نداء الله ـ عزّ وجل ـ لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلمات تقال.
قوله: «لا شريك لك لَبَّيْك» ، أي: لا شريك لك في كل شيء، وليس في التلبية فقط؛ لأنه أعم، أي: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مخلص لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولبَّيت لك فقط.
وقوله: «لا شريك لك» إعرابها: لا نافية للجنس، وشريك: اسمها، ولك خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق النفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت، بالرفع، فهذه ليست نافية للجنس، بل هذه لمطلق النفي؛ ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو قلت: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك العالمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، فتنفي الجنس أولاً، ثم تعود وتثبت، ولكن إن شئت فقل: لا رجلَ في البيت بل أنثى.
قوله: «إن الحمد والنعمة لك» بكسر همزة إن، ورويت بالفتح، فعلى رواية فتح الهمزة «أن الحمد لك»: تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، فصارت التلبية مقيدة بهذه العلة، أي: بسببها والتقدير لبيك لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: «إن الحمد لك»، فالجملة استئنافية وتكون التلبية غير مقيدة بالعلة؛ بل تكون تلبية مطلقة بكل حال، ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي: أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد والنعمة لك، ولو قلت ذلك لكان جائزاً.

محب الدعوة
11-01-2011, 01:10 PM
والحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي في الحروف دون الترتيب ح ـ م ـ د. موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح، أو بينهما فرق؟
الجواب: الصحيح أن بينهما فرقاً عظيماً؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم.
والمدح لا يستلزم ذلك فقد يبنى على ذلك وقد لا يبنى، قد أمدح رجلاً لا محبة له في قلبي ولا تعظيم، ولكن رغبة في نواله فيما يعطيني، مع أن قلبي لا يحبه ولا يعظمه.
أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنياً على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله ـ عزّ وجل ـ.
وقول بعضهم: الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي: أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري، أي الذي يفعله اختياراً من نفسه، تعريف غير صحيح.
يبطله الحديث الصحيح: «أن الله قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال:
حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي» (1) ، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد؛ لأن الثناء تكرار الصفات الحميدة.
و«أل» في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال كله.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) بحثاً مستفيضاً حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث فيها بحثاً مسهباً، قال: كان شيخنا ـ ابن تيمية ـ إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، ولكنه كما قيل:
تألق البرق نجدياً فقلت له
إليك عني فإني عنك مشغول
أي أن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ مشغول بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية، وأسرار اللغة العربية.
وقوله: «النعمة» ، أي: الإنعام، فالنعمة لله.
وقوله: «النعمة لك» كيف تتعدى باللام؟ مع أن الظاهر أن يقال: النعمة منك؟
الجواب: النعمة لك يعني التفضل لك، فأنت صاحب الفضل.
__________
(1) أخرجه مسلم في الصلاة/ باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (395) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
قوله: «والملك لا شريك لك» ، الملك شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وهذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له، فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها تشتمل على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر: «أهلَّ بالتوحيد» (1) ، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد.
فقوله «الملك» من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضاً لأن إثبات الألوهية، متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته وحينئذٍ نلزمه، ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية، لزمك أن توحده في الألوهية، ولهذا فإن عبارة العلماء محكمة حيث قالوا: «توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية».
ونأخذ توحيد الأسماء والصفات من قوله: «إن الحمد والنعمة»، فالحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
والنعمة من صفات الأفعال، فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات.
ومن أين نعرف أنه بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
الجواب: من قوله: «لا شريك لك» ، والتمثيل شرك والتعطيل شرك أيضاً، لأن المعطل لم يعطل إلا حين اعتقد أن الإثبات تمثيل، فمثل أولاً وعطل ثانياً، والتحريف والتكييف متضمنان للتمثيل والتعطيل، وبهذا تبين أن هذه الكلمات العظيمة مشتملة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة، لا يأتون بالمعنى المناسب تقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
لكن هم يقفون على «إن الحمد والنعمة لك»، ثم يقولون: «والملك لا شريك لك».
مسألة: هل لنا أن نزيد؟ أي: على ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من التلبية التي رواها جابر ـ رضي الله عنه ـ.
نقول: نعم، فقد روى الإمام أحمد في المسند: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «لبيك إله الحق» (1) ، و «إله الحق» من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: لبيك أنت الإله الحق.
وكان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يزيد: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل» (2) .
__________
(1) أخرجه أحمد (2/476)؛ والنسائي في المناسك/ باب كيف التلبية (5/161)؛ وابن خزيمة (2624)؛ وابن حبان (3800) إحسان، والحاكم (1/449 ـ 450) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب التلبية (1184).
فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات، فنرجو ألا يكون به بأس، اقتداء بعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، لكن الأولى ملازمة ما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وهل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم، لقول أنس ـ رضي الله عنه ـ: «حججنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فمنا المكبر ومنا المهل» (1) ، وهذا يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعية، ولو كانوا يلبون التلبية الجماعية لكانوا كلهم مهلين أو مكبّرين، لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.
مسألة : قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه في التلبية، لكن أحياناً، فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج: لبيك اللهم حجاً، وفي القِران: لبيك اللهم عمرة وحجاً.
يصوت بِهَا الرَّجُلُ، وَتُخْفِيهَا المَرْأةُ.
قوله: «يصوت بها الرجل» ، أي: يرفع صوته بها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (2) . فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالاً لأمر
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة (1659)؛ ومسلم في الحج/ باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات (1285).
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/55، 56)؛ وأبو داود في المناسك باب/ كيف التلبية (1814)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية (829)؛ والنسائي في المناسك باب رفع الصوت بالإهلال (5/162)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب رفع الصوت بالتلبية (2922)؛ وابن خزيمة (2625)؛ وابن حبان (3802) إحسان، عن السائب بن خلاد ـ رضي الله عنه ـ.
وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
النبي صلّى الله عليه وسلّم، واتباعاً لسنته وسنة أصحابه، فقد قال جابر ـ رضي الله عنه ـ: كنا نصرخ بذلك صراخاً (1) ، ولا يسمع صوت الملبي من حجر، ولا مدر، ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة (2) ، فيقول: أشهد أن هذا حج ملبياً، ومع الأسف أن كثيراً من الحجاج لا يرفعون أصواتهم بالتلبية إلا نادراً.
فإن قال قائل: أليس النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأصحابه، وقد كبروا في سفر معه: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم ـ أي: هوِّنوا عليها ـ فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (3) ؟
قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص، لأنها من شعائر الحج فيصوت بها، أو يقال: إن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يهونوا على أنفسهم لأنهم كانوا يرفعون رفعاً شديداً يشق عليهم.
قوله: «وتخفيها المرأة» أي: تسر بها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب التقصير في العمرة (1248) عن جابر وأبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنهما ـ.
ولفظه: «قالا: قدمنا مع رسول الله ونحن نصرخ بالحج صراخاً».
(2) أخرجه الترمذي في الحج/ باب ما جاء في فضل التلبية والحج (828) وابن ماجه في المناسك/ باب التلبية (2921) عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ وصححه الحاكم (1/451) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(3) أخرجه البخاري في الجهاد/ باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)؛ ومسلم في الذكر والدعاء/ باب استحباب خفض الصوت بالذكر (2704) عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ واللفظ لمسلم.
أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تصفق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة ـ وإن لم يكن عورة ـ لكن يخشى منه الفتنة، ولهذا نقول: المرأة تلبي سراً بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن.
وهذا من الأحكام التي تخالف فيه المرأة الرجال، وهي كثيرة؛ لأنها كما خالفته خلقة وفطرة خالفته حكماً، والله ـ عزّ وجل’>;ـ حكيم، أحكامه الشرعية مناسبة لأحكامه القدرية.
مسألة: اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل يلبي وهو ماكث أو لا يلبي إلا وهو سائر؟
الجواب: من العلماء من قال إنه يلبي وهو سائر فقط، وأما إذا كان ماكثاً، أي: نازلاً في عرفات أو مزدلفة أو منى فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة وهي لا تتناسب مع المكث، إذ أن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيبه لا أن يجيب وهو باق، وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وأنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر، والقول الأول: يقول يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواء كان ماكثاً أم سائراً.
بَابُ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ
وَهِيَ تِسْعَةٌ:..................
قوله: «محظورات الإحرام» ، تركيبها كتركيب سجود السهو، فالإضافة إضافة سبب، أي: إضافة الشيء إلى سببه، فسجود السهو، معناه السجود الحاصل بسبب السهو.
ومحظورات الإحرام: أي المحظورات بسبب الإحرام.
والمحظور: الممنوع، قال تعالى: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] ، أي: ممنوعاً.
قوله: «وهي تسعة» ، وحينئذٍ يسأل سائل فيقول: ما الدليل على أنها تسعة؟
الجواب: التتبع والاستقراء.
فإذا قال قائل: إحصاؤكم لها بتسعة بدعة، فهل قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم محظورات الإحرام تسعة؟
فالجواب: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقل ذلك، ولكنه لم يمنع منه، وحصرها من باب الوسائل، فهو وسيلة لتقريب العلم للأمة، ولمِّ شتاته، فإنه أسهل؛ ولهذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم أحياناً يقول: «سبعة يظلهم الله في ظله» (1) ، فلو قال: «يظل الله في ظله إماماً عادلاً»،
__________
(1) أخرجه البخاري في الأذان/ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (660)؛ ومسلم في الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة (1031) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وقال في مكان آخر: يظل الله بظله شاباً نشأ في طاعة الله، وعدد السبعة في أمكنة وجمعناها في مكان واحد، هل يقال هذا بدعة؟
الجواب: لا، والرسول صلّى الله عليه وسلّم أحياناً، يجمع ويحصر.
حَلْقُ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمُ الأظافِرِ فَمَنْ حَلَقَ أوْ قَلَّمَ ثَلاَثَةً فَعَلَيهِ دَمٌ،........
قوله: «حلق الشعر» ، هذا هو المحظور الأول، ولم يقل المؤلف: إزالة الشعر مع أنه أعم، اتباعاً للفظ القرآن، وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .
وهنا يجب أن نفهم إذا أردنا أن نذكر شيئاً، فإن المحافظة على لفظ القرآن والسنة أولى؛ لأنها دليل وحكم، فالكاتب والمؤلف ينبغي له أن يحافظ على لفظ الكتاب والسنة.
ودليل كون حلق الشعر محظوراً في الإحرام، قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] . ولا شك أن الدليل أخص من المدلول، فالمنهي عنه في الدليل حلق الرأس.
والحكم الذي استدل له بالدليل: حلق الشعر عموماً حتى العانة والشارب والساق، وما أشبه ذلك، ولا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، ولكنهم يقولون: نحن نقيس حلق بقية الشعر على شعر الرأس.
فإذا استدللنا بالآية فهو استدلال على حلق شعر الرأس باللفظ، وعلى بقية الشعر بالقياس.
وقال ابن حزم، والظاهرية: لا نسلم القياس، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، ولم ينهنا إلا عن حلق شعر الرأس، فلماذا نضيق على عباد الله، ونقول: كل الشعور لا تحلق؟
وإذا قلنا: إنه يقاس ما خرج عن الدليل على ما ثبت بالدليل، فإننا نحتاج إلى إثبات تساوي الأصل والفرع في العلة، فما هي العلة التي نستطيع بها أن نلحق شعر بقية الجسد بشعر الرأس؟
قالوا: العلة الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس يحصل به النظافة، بدليل أنه كلما زاد وسخ الرأس كثر فيه القمل والرائحة والأذى، فهل هذا مُسلم؟ ننظر هل المُحْرِم ممنوع من الترفه؟
الجواب: ليس ممنوعاً من الترفه في الأكل، فله أن يأكل من الطيبات ما شاء، ولا من الترفه في اللباس، فله أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما يشاء، ولا من الترفه بإزالة الأوساخ فله أن يغتسل ويزيل الأوساخ، فمن قال: إن العلة في منع حلق الرأس هي الترفة حتى نقيس عليه ذلك؟!
لكن العلة الظاهرة هو أن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يسقط به نسكاً مشروعاً، وهو الحلق أو التقصير عند انتهاء العمرة، وعند رمي جمرة العقبة في الحج، فإذا حلق رأسه في أثناء الإحرام، ووصل إلى مكة في خلال ساعات في وقتنا الحاضر، فماذا يصنع؟!
فالعلة هي إسقاط شعيرة من شعائر النسك، وهي الحلق أو التقصير، وهذا التعليل عند التأمل أقرب من التعليل بأنه لأجل الترفه، وعلى هذا لا يحرم إلا حلق الرأس فقط.
وقالوا أيضاً: الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور، فلا نمنع إنساناً يأخذ شيئاً من شعوره إلا بدليل، وهذا هو الأقرب.
ولكن البحث النظري له حال، والتطبيق العملي له حال أخرى، ولو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره كشاربه، وإبطه، وعانته احتياطاً لكان هذا جيداً، لكن أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة، فهذا فيه نظر.
قوله: «وتقليم الأظافر» ، هذا هو المحظور الثاني.
ولو قال: «إزالة الأظافر» لكان أعم؛ ليشمل إزالتها بالتقليم أو بالقطع أو غير ذلك.
وتقليمها قصها، وقلمها بالمبراة، وكانوا في الأول يقلمون الظفر بالسكينة الصغيرة يقطعون بها الظفر كما يقلم القلم.
وتقليم الأظافر لم يرد فيه نص، لا قرآني ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق الشعر بجامع الترفه، وإذا كان داود (1) ينازع في حلق بقية الشعر الذي بالجسم في إلحاقها بالرأس، فهنا من باب أولى، ولهذا ذكر في الفروع أنه يتوجه احتمال ألا يكون من المحظورات، بناءً على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات.
لكن نقل بعض العلماء الإجماع على أنه من المحظورات، فإن صح هذا الإجماع، فلا عذر في مخالفته، بل ليتبع، وإن لم يصح فإنه يبحث في تقليم الأظافر كما بحثنا في حلق بقية الشعر.
وقوله: «تقليم الأظافر» يشمل إزالتها، بأي شيء كان بالتقليم أو بالقص، أو بغير ذلك، أو بالخلع.
__________
(1) داود بن علي الظاهري (ت270هـ).
وقوله: «الأظافر» يشمل أظافر اليد، وأظافر الرَّجل.
قوله: «فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم» ؛ «من» اسم شرط جازم، «حلق» فعل الشرط، «قلم» معطوف على فعل الشرط، «فعليه دم» الجملة جواب الشرط، أي: فأي محرم حلق ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلم ثلاثة أظافر فعليه دم؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وإذا كان أقل الجمع ثلاثة، فإنه إذا حلق ثلاثة صدق عليه أنه حلق الشعر، والعجيب أنهم يقولون ـ أي: الفقهاء ـ: لو قص ثلاث شعرات من رأسه لم يحل، ثم يجعلون ثلاث الشعرات بمنزلة الحلق!
وعلم من قوله: «ثلاثة فعليه دم» ، أنه لو قلَّم دون ذلك أو حلق دون ذلك فليس عليه دم، لكن قالوا: يجب عليه في كل شعرة إطعام مسكين، ولكل ظفر إطعام مسكين (1) ، وهذا التفصيل يحتاج إلى دليل، فأين في السنة ما يدل على أن الشعرة الواحدة فيها إطعام مسكين، أو الظفر الواحد فيه إطعام مسكين؟!
ولهذا اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في القدر الذي تجب فيه الفدية، على أقوال:
القول الأول: وهو المذهب أنه ثلاثة فأكثر.
القول الثاني: إذا حلق أربع شعرات، فعليه دم.
القول الثالث: إذا حلق خمس شعرات، فعليه دم.
القول الرابع: إذا حلق ربع الرأس، فعليه دم.
__________
(1) وهذا هو المذهب.
القول الخامس: إذا حلق ما به إماطة الأذى، فعليه دم.
وأقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن هو الأخير، إذا حلق ما به إماطة الأذى، أي: يكون ظاهراً على كل الرأس ـ وهو مذهب مالك، أي: إذا حلق حلقاً يكاد يكون كاملاً يسلم به الرأس من الأذى؛ لأنه هو الذي يماط به الأذى، والدليل على ذلك:
أولاً: قول الله ـ تعالى ـ في القرآن في شأنه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] . فهو لا يحلق إذا كان به أذى من رأسه إلا ما يماط به الأذى، فعليه فدية.
ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «احتجم وهو محرم في رأسه» (1) ، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه افتدى؛ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية الشعر، وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات، أو أربعاً، أو خمساً، أو عشراً، أو عشرين فليس عليه دم ولا غيره، ولا يسمى هذا حلقاً، لكن هل يحل له ذلك أو لا؟
الجواب: لا يحل؛ لأن لدينا قاعدة: «امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه».
فإذا نهيت عن شيء وجب الانتهاء عنه جملة وأجزاءً، وإذا
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب الحجامة للمحرم (1836)؛ ومسلم في الحج/ باب جواز الحجامة للمحرم (1203) عن ابن بحينة ـ رضي الله عنه ـ، وفيه «وسط رأسه».
أمرت بشيء وجب فعله جملة وأجزاءً، وعلى هذا فنقول إذا حرم حلق جميع الرأس أو ما يماط به الأذى، حرم حلق جزء منه. لكن الكلام في الفدية غير الكلام في التحريم.
فإن قال قائل: وهل يكون شيء من محظورات الإحرام محرماً، وليس فيه فدية؟
فالجواب: نعم، فعقد النكاح، والخطبة حرام على المحرم، وليس فيهما فدية.
وعلى رأي بعض الفقهاء، كون الإنسان يزيل القمل عن نفسه، وهو محرم حرام، ولا فدية فيه.
والصحيح أن إزالة القمل ليس بحرام، بل المُحْرِم يستبيح المُحَرَّمَ، وهو حلق الرأس من أجل أن يزول عنه القمل.
إذاً حلق جميع الرأس محرَّم وفيه الفدية، وحلق بعضه محرَّم، ولا فدية فيه إلا إذا حلق ما يماط به الأذى، هذا هو القول الراجح.
فالمسألة ثلاثة أقسام بالنسبة لشعر الرأس:
أولاً: إذا أخذ شعرات فلا يعد حلقاً فليس عليه شيء.
ثانياً: إذا حلق بعض الرأس لكن لعذر كحجامة، أو مداواة جرح، أو ما أشبه ذلك، فإنه يحلق ما احتاج إليه، ولا شيء عليه، ودليلنا في هذا فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم حين احتجم وهو محرم (1) ، ولم ينقل أنه فدى.
__________
(1) سبق تخريجه ص(119).
ثالثاً: إذا حلق الرأس أو أكثره فعليه الفدية، ومعلوم أنه يحرم عليه، ولكن إذا حلق معظم الرأس فالمعظم يلحق بالكل في كثير من المسائل، ولولا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حلق بعض رأسه في الحجامة، ولم يفدِ لقلنا: إذا حلق بعض الرأس وجبت عليه الفدية؛ لأن المحرَّم يشمل القليل والكثير.
ثم اعلم أن العلماء في محظورات الإحرام إذا قالوا: دم في مثل هذا، فلا يعنون أن الدم متعين، بل هو أحد أمور ثلاثة:
الأول: الدم.
الثاني: إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
الثالث: صيام ثلاثة أيام، إلا الجماع في الحج قبل التحلل الأول، فإن فيه بدنة، وإلا جزاء الصيد فإن فيه مثله، كما سيأتي إن شاء الله في الفدية.
وكثيرٌ من الإخوة المفتين كلما أتاهم إنسان يستفتيهم في مثل هذا الذي فيه التخيير قالوا: عليك دم، فيذهب العامي وهو لا يدري ويتكلف بشراء الدم، وربما يستدين لذلك، لكن لو قيل له: أنت بالخيار: عليك دم، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام لهان عليه الأمر، والواجب أن يبين للناس الحكم الشرعي.
والدليل على وجوب الفدية في حلق الرأس قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
فالمحظورات إذاً أقسام:
الأول: ما لا فدية فيه.
الثاني: ما فديته بدنة.
الثالث: ما فديته مثله.
الرابع: ما فديته التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، وهي الصيام والإطعام والنسك، وهذا هو أكثر المحظورات.
مسألة: لا يحرم على المحرم أن يحك رأسه، إلا إن حكه ليتساقط الشعر فهو حرام، لكن من حكه بدافع الحكة ثم سقط شيء بغير قصد، فإنه لا يضره، وقيل: لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: «إن قوماً يقولون بعدم حك الرأس؟ قالت: لو لم أستطع أن أحكه بيدي لحككته برجلي» (1) ، وهذا منها ـ رضي الله عنها ـ من المبالغة في الحل. ورأيت كثيراً من الحجاج إذا أراد أن يحك رأسه، نقر بأصبعه على رأسه خوفاً من أن يتساقط شعره، وهذا من التنطع.
وَمَنْ غَطَّى رَأْسَهُ بِمُلاصِقٍ فَدَى............
قوله: «ومن غطى رأسه بملاصق فدى» ، هذا هو المحظور الثالث.
«من» اسم شرط جازم و «وغطى» فعل الشرط، و «فدى» جواب الشرط.
والمراد بـ «من» هنا ـ وإن كانت شرطية عامة ـ فالمراد الخصوص وهو المحرم لأن السياق فيه.
وقوله: «بملاصق» مثل: الطاقية، والغترة، والعمامة، وما أشبه ذلك.
ودليل هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الذي وقصته راحلته في عرفة: «لا تخمروا رأسه» (2) ، أي لا تغطوه، وهذا عام في كل غطاء.
__________
(1) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/358) ومن طريقه البيهقي (5/64).
(2) سبق تخريجه ص(72).
وأما العمامة فجاء نص خاص، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سئل ما يلبس المحرم قال: «لا يلبس القميص، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف» (1) ، وهذا ذكر بعض أفراد العام في قوله: «ولا تخمروا رأسه» .
وقوله: «بملاصق» خرج به ما ليس بملاصق؛ لأن ما ليس بملاصق لا يعد تغطية، مثل الشمسية فيمسكها الإنسان، وهو محرم ليستظل بها عن الشمس أو يتقي بها المطر، فإن هذا لا بأس به، ولا فدية فيه.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح أن غير الملاصق جائز، وليس فيه فدية.
والمذهب عند المتأخرين أنه إذا استظل بشمسية، أو استظل بمحمل، حرم عليه ذلك ولزمته الفدية، وعلى هذا القول لا يجوز للمحرم أن يستظل بالشمسية إلا للضرورة وإذا فعل فدى، ولا يجوز للمحرم أن يركب السيارة المغطاة؛ لأنه يستظل بها، فإن اضطر إلى ذلك فدى؛ لكن هذا القول مهجور من زمان بعيد، لا يأخذ به اليوم إلا الرافضة، فهم الذين يمشون عليه، وأظنهم أيضاً إنما مشوا عليه أخيراً، وإلا من قبل ما كنا نعرف هذا الشيء منهم، على كل حال هذا هو المذهب، فصار المؤلف ـ رحمه الله ـ مشى في هذه المسألة على الصحيح الذي هو خلاف المذهب.
وليعلم أن ستر الرأس أقسام:
__________
(1) سبق تخريجه ص(65) من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
الأول: جائز بالنص والإجماع، مثل أن يضع الإنسان على رأسه لبداً بأن يلبده بشيء كالحناء مثلاً، أو العسل أو الصمغ؛ لكي يهبط الشعر.
ودليله ما في الصحيح عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يهل ملبداً» (1) ، أي: واضعاً شيئاً يلبد شعره.
الثاني: أن يغطيه بما لا يقصد به التغطية والستر كحمل العفش ونحوه، فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يقصد به الستر، ولا يستر بمثله غالباً.
الثالث: أن يستره بما يلبس عادة على الرأس، مثل الطاقية، والشماغ والعمامة، فهذا حرام بالنص، وهو إجماع (2) .
الرابع: أن يغطى بما لا يعدُّ لبساً لكنه ملاصق، ويقصد به التغطية، فلا يجوز، ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تخمروا رأسه» (3) .
الخامس: أن يظلل رأسه بتابع له كالشمسية والسيارة، ومحمل البعير، وما أشبهه، فهذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من أجازه ـ وهو الصحيح ـ، ومنهم من منعه كما سبق.
السادس: أن يستظل بمنفصل عنه، غير تابع كالاستظلال بالخيمة، وثوب يضعه على شجرة، أو أغصان شجرة أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ضربت
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب من أهل ملبداً (1540).
(2) انظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص(76).
(3) سبق تخريجه ص(72).
له قبة بنمرة فبقي فيها حتى زالت الشمس في عرفة» (1) .
فإن قال قائل: التظليل بالشمسية ونحوها، أليس ستراً؟
فالجواب: ليس ستراً؛ لأن الذي يمشي إلى جنبك يرى كل رأسك، والنبي صلّى الله عليه وسلّم «كان بلال وأسامة أحدهما يقود به البعير، والثاني واضع ثوبه على رأسه حتى رمى جمرة العقبة» (2) ، أي: يظلله به، وهذا كالشمسية تماماً.
مسألة: تغطية الرأس خاص بالرجال، أما حلق الرأس، وتقليم الأظافر فهو عام للرجال والنساء.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ: أن تغطية الوجه ليست حراماً؛ ولا محظوراً، لأنه قال: «فمن غطى رأسه» ولم يتعرض للوجه، وإذا لم يتعرض له فالأصل الحل، وعلى هذا فتغطية المحرم وجهه لا بأس بها، وهذه محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لا يجوز للمحرم الرجل أن يغطي وجهه، بناء على صحة اللفظة الواردة في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قصة الرجل الذي وقصته ناقته: «ولا وجهه» ، ففي الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تخمروا رأسه» (3) فقط.
وروى مسلم أنه قال: «ولا وجهه» (4) ، فاختلف العلماء في
__________
(1) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر (1298) عن أم الحصين ـ رضي الله عنها ـ.
(3) سبق تخريجه ص(72).
(4) في الحج/ باب ما يفعله المحرم إذا مات (1206) (98)؛ وأخرجه الإمام أحمد (1/287)؛ والنسائي في المناسك/ باب في كم يكفن المحرم إذا مات (5/196)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب المحرم يموت (3084)؛ وابن حبان (3960) إحسان، والبيهقي (3/392 ـ 293).
وقال البيهقي: «وذكر الوجه فيه غريب ... ورواية الجماعة الذي لم يشكوا، وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة».
وتعقبه ابن التركماني في «الجوهر النقي» (3/391) بقوله: «قلت: قد صح النهي عن تغطيتهما، فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكل صحيح، ولا وهم في شيء منه في متنه، وهذا أولى من تغليط مسلم»، انظر: نصب الراية (3/28) والتلخيص (1081).
صحة هذه اللفظة فمن كانت عنده صحيحة، قال: لا يجوز أن يغطي المحرم وجهه، ومن ليست عنده صحيحة قال: يجوز.
وابن حزم ـ رحمه الله ـ قال: إنه يجوز في حال الحياة أن يغطي وجهه، ولا يجوز في حال الموت.
وَإِنْ لَبِسَ ذَكَرٌ مَخِيْطاً فَدَى. ...............
قوله: «وإن لبس ذكر مخيطاً فدى» ، هذا هو المحظور الرابع، ويعبر عنه بلبس المخيط، وههنا شيئان:
الأول: ما معنى المخيط؟
الجواب: المخيط عند الفقهاء كل ما خيط على قياس عضو، أو على البدن كله، مثل: القميص، والسراويل، والجبة، والصدرية، وما أشبهها، وليس المراد بالمخيط ما فيه خياطة، بل إذا كان مما يلبس في الإحرام، فإنه يلبس ولو كان فيه خياطة.
الثاني: لا بد أن يلبس على عادة اللبس، فلو وضعه وضعاً فليس عليه شيء، أي: لو ارتدى بالقميص، فإن ذلك لا يضر؛ لأنه ليس لبساً له.
والدليل على هذا حديث عبد الله بن عمر بن
الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل ما يلبس المحرم» ؟ قال: «لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف» (1) ، فذكر خمسة أشياء لا تلبس مع أنه سئل عن الذي يلبس، فأجاب بما لا يلبس، ومعنى هذا أنه يلبس المحرم ما سوى هذه الخمسة، وإنما عدل عن ذكر ما يلبس إلى ذكر ما لا يلبس؛ لأن ما لا يلبس أقل مما يلبس.
وقوله: «وإن لبس ذكر مخيطاً» عبّر بلبس المخيط، ولكن النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي أعطي جوامع الكلم لم يعبر بلبس المخيط مع أنه أعم مما عينه، وإنما ذكر أشياء معينة عينها بالعد، وكان ينبغي للمؤلف وغيره من المؤلفين، أن يذكروا ما ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما ذكرنا فيما سبق أن المحافظة على لفظ النص حتى في سياق الأحكام أولى.
ويذكر أن أول من عبَّر بلبس المخيط إبراهيم النخعي ـ رحمه الله ـ، وهو من فقهاء التابعين؛ لأنه في الفقه أعلم منه في الحديث، ولهذا يعتبر فقيهاً، فقال: «لا يلبس المخيط» ، ولما كانت هذه العبارة ليست واردة عن معصوم صار فيها إشكال:
أولاً: من حيث عمومها.
والثاني: من حيث مفهومها.
لأننا إذا أخذنا بعمومها حرمنا كل ما فيه خياطة؛ لأن المخيط اسم مفعول بمعنى مخيوط، ولأن هذه العبارة توهم أن ما
__________
(1) سبق تخريجه ص(65).
جاز لبسه شرعاً في الإحرام إذا كان فيه خياطة فإنه يكون ممنوعاً، أي: لو أن الإنسان عليه رداء مرقع، أو رداء موصول وصلتين بعضهما ببعض، فهل هو مخيط أو لا؟.
الجواب: هو لغة مخيطٌ خِيْطَ بعضه ببعض، وهذا ليس بحرام، بل هو جائز.
فالتعبير النبوي أولى من هذا، لأن فيه عدًّا وليس حدًّا وليس فيه إيهام، فلنرجع إلى تفسير حديث الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
قال: «لا يلبس القميص» ، القميص: ما خيط على هيئة البدن، وله أكمام، كثيابنا التي علينا الآن، فهذه لا يلبسها المحرم؛ لأنه لو لبسها لم يكن هناك شعيرة ظاهرة للنسك، ولاختلف الناس فيها، فهذا يلبس كذا، وهذا يلبس كذا، بخلاف ما إذا اتحدوا في اللباس.
قال: «ولا السراويل» اسم مفرد وليس جمعاً، وجمعه سراويلات.
وقيل: إنه اسم جمع، ومفرده سروال، لكن اللغة الفصيحة أن سراويل مفرد.
قال ابن مالك في الألفية:
ولسراويلَ بهذا الجمع ـ يعني صيغة منتهى الجموع ـ
شبه اقتضى عموم المنع (1)
__________
(1) «ألفية ابن مالك».
والسراويل: لباس مقطع على قدر معين من أعضاء الجسم هما الرِّجلان.
قال: «ولا البرانس» ، وهي ثياب واسعة لها غطاء يغطى به الرأس متصل بها.
قال: «ولا العمائم» ، وهي: لباس الرأس، فلا يلبس المحرم العمامة، ولم يقل لا يغطي رأسه؛ لأنه لم يسأل إلا عما يلبس، فذكر ما يلبس على الرأس وهي العمامة، وما يلبس على أسفل البدن وهو السراويل، وما يلبس على أعلى البدن وهو القميص.
قال: «ولا الخفاف» هي ما يلبس على الرجل من جلد، أو نحوه فلا يلبسها المحرم، إلا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استثنى: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» (1) ، وبهذا نسد العذر على من يقول إذا ركب في الطائرة إن ثياب الإحرام موجودة في الشنطة في جوف الطائرة، نقول: هذا ليس بعذر، اجعل الثوب إزاراً والسراويل رداءً، وإن كان ممن يلبس الغترة اجعل الغترة رداءً، أو اجعل القميص رداءً، والبس السراويل؛ لإنك لا تجد إزاراً.
قال: «ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين» ، وهل هذا عند الحاجة أو مطلقاً ـ بمعنى لو كان الإنسان كما هو حالنا اليوم راكباً في السيارة تصل به إلى المسجد الحرام لا يحتاج إلى
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين (1841)؛ ومسلم في الحج/ باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه (1178) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
المشي، فهل نقول: إنه في هذه الحال له أن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين؟ أو نقول: إن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أجاز لبس الخفين عند عدم النعلين؛ لأن الإنسان يحتاج إلى المشي، وما حول مكة فيه أودية وجبال لا تخلو من الأشواك غالباً، ومن الأحجار التي تدمي الأصابع، فلهذا رخص له أن يلبس الخفين؟
الجواب: الذي يظهر لي أنه لا يلبس الخفين إلا عند الحاجة، أما إذا لم يكن محتاجاً كما في وقتنا الحاضر، فلا يلبس.
مسألة: هل إذا جاز له لبس الخفاف يلزمه أن يقطعها حتى تكون أسفل من الكعبين؟
اختلف العلماء في هذا على قولين:
الأول: يلزمه أن يقطعها؛ لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قال: «فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» (1) .
الثاني: لا يجب القطع، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ خطب الناس يوم عرفة وقال: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» (2) ، ولم يأمر بالقطع.
__________
(1) سبق تخريجه ص(65).
(2) سبق تخريجه ص(127).
وحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ متأخر؛ لأن حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كان في المدينة قبل أن يسافر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ إلى الحج، وحديث ابن عباس كان في عرفة بعد.
أيضاً الذين حضروا كلام الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في عرفة أكثر من الذين حضروا في المدينة، ولو كان القطع واجباً لم يؤخر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ البيان عن وقت الحاجة، وعليه فلا يكون هذا من باب حمل المطلق على المقيد؛ لأن حمل المطلق على المقيد فيما لو تساوت الحالان، حال المطلق وحال المقيد، فحينئذٍ نحمل المطلق على المقيد، أما مع اختلاف الحال فلا يمكن أن يحمل المطلق على المقيد، وهذا هو الصحيح.
مسألة: هل يلحق ما كان في معنى هذه الخمسة التي حصرها الرسول صلّى الله عليه وسلّم بها؟
الجواب: نعم يلحق بها ما كان في معناها، فمثلاً: القميص يشبهه الكوت الذي يلبس على الصدر، فيلحق به، فلا يجوز أن يلبسه المحرم، وكذا القباء ثوب واسع له أكمام مفتوح الوجه؛ لأنه يشبه القميص، لكن لو طرح القباء على كتفيه دون أن يدخل كميه، فهل يعدُّ هذا لبساً؟ الصحيح أنه ليس بلبس؛ لأن الناس لا يلبسونه على هذه العادة.
«والبرانس» يلحق بها العباءة، فإن العباءة تشبه البرنس من بعض الوجوه، فلا يجوز للإنسان أن يلبس العباءة بعد إحرامه
على الوجه المعروف، أما لو لفها على صدره كأنها رداء، فإن ذلك لا بأس به.
«والسراويل» يلحق بها التُّبان، والتبان عبارة عن سراويل قصيرة الأكمام، أي: لا تصل إلا إلى نصف الفخذ، لأنه في الواقع سراويل لكن كمه قصير، ولأنها تلبس عادة كما يلبس السراويل.
إذاً نلحق بهذه الخمسة ما يشبهها، وما عدا ذلك فإننا لا نلحقه.
مثاله: لو أن الرجل عقد الرداء على صدره فليس حراماً؛ لأن الرداء وإن عقد لا يخرج عن كونه رداء، ولو شبكه بمشبك فهل يُعد هذا لبساً؟
الجواب: لا يعد لبسا، بل هو رداء مشبك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة، وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه قميص ليس له أكمام، وهذا لا ينبغي.
أما إذا زرَّه بزر واحد من أجل ألا يسقط، ولا سيما عند الحاجة، كما لو كان هو الذي يباشر العمل لأصحابه، فهذا لا بأس به.
مسألة: لو لبس الإنسان ساعة في يده، فهل تلحق بالخمسة التي ذكرها الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟.
الجواب: لا تلحق، وأشبه ما تكون بالخاتم، والخاتم جائز لا إشكال فيه.
مسألة: لو لبس في عينيه نظارة جاز؛ لأنها لا تدخل في هذه الأشياء الخمسة لا لفظاً ولا معنى.
ولو وضع في أذنه سماعة جاز إذ ليست داخلة في هذه الخمسة لا لفظاً ولا معنى.
ولو وضع في فمه تركيبة أسنان جاز.
ولو لبس حذاءً مخروزاً فيه خيوط جاز؛ لأنه ليس خفاً بل هو نعل مخروز، وهو بخرازته لم يخرج عن كونه نعلاً، وهذا يؤيد ما قلنا، وهو أن المحافظة على اللفظ النبوي أولى من أن نقول: المُحَرَّم لبس المخيط؛ لأن كثيراً من العامة يسألون عن النعال المخروزة، يقولون فيها خيوط.
ولو تقلد الإنسان بسيف أو سلاح جاز؛ لأنه لا يدخل فيما نص عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا لفظاً ولا معنى.
ولو ربط بطنه بحزام جاز، ولو علق على كتفه قربة ماء جاز أو وعاء نفقة جاز.
المهم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم عد ما يحرم عدًّا، فما كان بمعناه ألحقناه به، وما لم يكن بمعناه لم نُلحقه به، وما شككنا فيه فالأصل الحل، ومما نشك فيه الإزار المخيط، فبعض الناس يلبس إزاراً مخيطاً، أي: لا ينفتح، ثم يلفه على بدنه ويشده بحبل، فهل نقول: إن هذا جائز، أو أنه يشبه القميص أو السراويل؟.
نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يشبه القميص ولا السراويل، فالسراويل لكل قدمٍ كمٌّ، والقميص في أعلى البدن، ولكل يدٍ كُمٌّ
ـ أيضاً ـ، وبهذا خرج عن مشابهة السراويل والقميص فكان لا بأس به، ويستعمله بعض الناس الآن؛ لأنه أبعد عن انكشاف العورة، فنقول: ما دام يطلق عليه اسم إزار فهو إزار، ويكون حلالاً.
وقوله: «إن لبس ذكرٌ مخيطاً فدى» ، خرج بذلك الأنثى، فلها أن تلبس ما شاءت، فليس لها ثياب معينة للإحرام، إلا أنه لا يجوز أن تلبس ما يكون تبرجاً وزينة؛ لأنها سوف تكون أمام الناس في الطواف والسعي.
مسألة: هل يحرم عليها شيء من اللباس؟
الجواب: نعم يحرم عليها: القفازان، والنقاب.
فالقفازان: لباس اليدين وهما معروفان.
والنقاب: لباس الوجه، وهو أن تستر المرأة وجهها وتفتح لعينيها بقدر ما تنظر منه، ولم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه حرم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرم عليها النقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه وفرق بين النقاب وبين تغطية الوجه، وعلى هذا فلو أن المرأة المحرمة غطت وجهها، لقلنا: هذا لا بأس به، ولكن الأفضل أن تكشفه ما لم يكن حولها رجال أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم.
مسألة: هل يحرم عليها الجوارب؟
الجواب: لا، فالجوارب حرام على الرجل خاصة لأنها كالخفين.
وهل يحرم على الرجل القفازان؟
نعم يحرم عليه القفازان، وبعضهم حكى في ذلك الإجماع، وقالوا: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم منع المحرم من لبس ما يختص بالقدم، فكذلك لبس ما يختص باليد، وهي مصنوعة على هيئة أحد الأعضاء، لكن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكرها فيما يتجنبه المحرم؛ لأنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا القفازين؛ ولهذا لما كان من عادة النساء أن تلبس القفازين، قال في المرأة: «ولا تلبس القفازين» (1) .
وظاهر كلام المؤلف أن لبسه حرام، سواء طال الوقت أم قصر، وهو كذلك، وبناءً على هذا لو أن رجلاً لبس القميص والسراويل بناءً على أنه حل من إحرامه، وتبين أنه لم يحل، فإن عليه أن ينزعه في الحال.
مثال ذلك: رجل أتى بعمرة، فطاف وسعى، ثم لبس القميص والسراويل، ثم ذكر أنه لم يقصر أو لم يحلق، نقول له: يجب فوراً أن تغير الملابس؛ لأنك لا تزال على إحرامك، والمحرم لا يجوز أن يلبس القميص ولا طرفة عين، لكن يؤجل بقدر العادة، فلا نقول ـ مثلاً ـ: إذا كنت في مسجد عليك أن تجري أمام الناس، أو تسرع في السيارة، ونحو ذلك.
وهل إذا أراد خلع القميص يخلعه من أعلى، أو من أسفل إذا كان الجيب واسعاً، أو يشقه؟ ثلاثة احتمالات:
الجواب: من أسفل، وهذا لا يكون إلا إذا كان الجيب
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب ما ينهى عن الطيب للمحرم والمحرمة (1838) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
واسعاً؛ لأنه إذا خلعه من أعلى، فإنه يلزم من ذلك أن يغطي رأسه، والمحرم لا يغطي رأسه.
فلذلك قال بعض العلماء: إذا أراد خلع القميص الذي أحرم به، فإنه يخلعه من أسفل إن اتسع الجيب، وإلا شقه ولا يجوز أن يخلعه من فوق؛ لأنه إذا فعل فقد غطى رأسه.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن شق القميص إفساد له، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن «إضاعة المال» (1) ؛ ولأن التغطية هنا غير مقصودة، فهي كما لو حمل عفشه على رأسه، وحَمْل العفش يكون أطول غالباً، وهذا لحظة من الزمن.
فالصواب أنه يخلعه خلعاً عادياً، ولا يحتاج إلى أن يشقه، ولا أن ينزله من أسفل.
مسألة: لو لم يجد المحرم إزاراً فما الحكم؟
الجواب: ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه إذا لم يجد إزاراً يلبس السراويل، فإذ لبس السراويل، هل تلزمه الفدية؟
لا تلزمه؛ لأنه بدل شرعي وكذلك الخفاف، أما إذا لم يجد رداءً فيبقى على ما هو عليه؛ لأنه يجوز للإنسان أن يبقى متزراً بين الناس، ويجوز أن يبقى متزراً حال الصلاة، وهو ليس في ضرورة إلى الرداء.
فإذا قال: أنا لا أستطيع أن أبقى مكشوف الصدر والظهر؛
__________
(1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب قول الله ـ عزّ وجل ـ: {اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ} (1477)؛ ومسلم في الصلاة/ باب استحباب الذكر بعد الصلاة (593) عن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه ـ.
لأنه يلحقني في ذلك مشقة لا أحتملها، أو أخاف من المرض إذا كانت الأيام باردة؟
نقول: إذاً البس القميص إذا كان لا يمكنك أن تتلفَّف به وأخرج فدية؛ لأن الإنسان إذا احتاج لفعل المحظور فعله وفدى، كما في حديث كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ (1) .
وَإِنْ طَيَّبَ بَدَنَه، أَو ثَوْبَهُ، أَوْ ادَّهَنَ بِمُطيَّبٍ، أَوْ شَمَّ طِيباً، أَوْ تَبَخَّرَ بِعُوْدٍ وَنَحْوِهِ فَدَى،
قوله: «وإن طيب بدنه أو ثوبه» ، هذا هو المحظور الخامس من المحظورات وهو الطيب، وليس كل ما كان زكي الرائحة يكون طيباً، فالطيب ما أعد للتطيب به عادة، وعلى هذا فالتفاح والنعناع وما أشبه ذلك مما له رائحة زكية تميل إليها النفس لا يكون طيباً، إنما الطيب ما يستعمل للتطيب به كدهن العود والمسك والريحان والورد وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز للمحرم استعماله.
والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران أو الورس» (2) ، والزعفران طيب.
لكن قد يقول قائل: الزعفران أخص من كونه طيباً؛ لأنه طيبٌ ولون، ونحن نقول إن الطيب بأي نوع كان يحرم على المحرم.
وجوابه: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الذي وقصته ناقته في عرفة:
__________
(1) أخرجه البخاري في المحصر/ باب قول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} (1814)؛ ومسلم في الحج/ باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (1201) عن كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ.
(2) سبق تخريجه ص(65).
«لا تحنطوه» ، وتحنيط الميت أطياب مجموعة تجعل في مواضع من جسمه، وهذا عام لكل طيب، وقال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (1) ، وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز استعماله للطيب.
ويستدل بهذا الحديث على مسائل عديدة، وهو من آيات الله ـ عزّ وجل ـ أن تقع حادثة لواحد من الصحابة، تؤخذ منها أحكام عديدة، أحكام في الحياة، وأحكام في الموت، وهذا من بركته صلّى الله عليه وسلّم أن الله يبارك في علمه، وقد أخذ ابن القيم من هذا الحديث اثنتي عشرة مسألة، وفيه أكثر مما ذكر عند التأمل.
وفيه دليل على حكمته ـ عزّ وجل ـ وأن قدره الذي يكون مصيبة، قد يكون نعمة ومنحة من ناحية أخرى، فهذا الذي وقصته راحلته أصيب بمصيبة لكن حصل منها من الفوائد ما لا يعلمه إلا الله ـ عزّ وجل ـ.
والحكمة من تحريم الطيب على المحرم، أن الطيب يعطي الإنسان نشوة، وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته، ويحصل بذلك فتنة له، والله تعالى يقول: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] ، ثم إنه قد ينسيه ما هو فيه من العبادة فلذلك نهي عنه.
والطيب هنا يشمل الطيب في رأسه، وفي لحيته، وفي صدره، وفي ظهره، وفي أي مكان من بدنه، وفي ثوبه أيضاً.
قوله: «أو ادهن بمطيَّب» أي: مسح على جلده بدهن فيه
__________
(1) سبق تخريجه ص(72).
طيب، فإنه لا يجوز؛ لأن ذلك سوف يعلق به وتبقى رائحته.
هذا بشرط أن يكون هذا الذي ادهن به قد ظهر فيه رائحة الطيب.
بقي النظر إلى أن بعض الصابون له رائحة؟ هل هي طيب أم هي من الرائحة الزكية؟ الظاهر الثاني؛ ولهذا لا يعد الناس هذا الصابون طيباً، فلا تجد الرجل إذا أراد أن يتطيب يأتي بالصابون يمره على ثوبه، لكنها لما كانت تستعمل في الأيدي للتطهر بها من رائحة الطعام، جعلوا فيها هذه الرائحة الزكية، فالذي يظهر لي أن هذا الصابون الذي فيه رائحة طيبة لا يعد من الطيب المحرم.
قوله: «أو شم طيباً» ، أي: تقصَّد شم الطيب، فإنه يحرم عليه ذلك، ولكن هذه المسألة، وهي شم الطيب في تحريمها نظر؛ لأن الشم ليس استعمالاً.
ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يحرم الشم، لكن إن تلذذ به فإنه يتجنبه خوفاً من المحذور الذي يكون بالتطيب، أما شمه ليختبره مثلاً هل هو طيب جيد، أو وسط، أو رديء، فهذا لا بأس به.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشمه بلا قصد.
الحال الثانية: أن يتقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفه به، بل ليختبره، هل هو جيد أو رديء؟
الحال الثالثة: أن يقصد شمه للتلذذ به، فالقول بتحريم
الثالثة وجيه، وهذه فيها خلاف: فقال بعض العلماء: إن شم الطيب ليس حراماً، ولا شيء فيه؛ لأنه لم يستعمله، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ولا تحنطوه» (1) ، وقال: «لا تلبسوا ثوباً مسه زعفران ولا ورس» (2) ، والشم لا يؤثر في الثوب ولا البدن.
وأما القول بتحريم الثانية فغير وجيه، بل الشم جائز، أما الأولى فلا تحرم، قولاً واحداً، ومن ذلك ما يحصل للإنسان إذا كان يطوف فإنه يشم رائحة الطيب الذي في الكعبة، وقد رأينا بعض الناس يصبون الطيب صباً على جدار الكعبة، ومثل هذا لا بد أن يفوح له رائحة، ولكن لا يؤثر على المحرم.
ونحن نرى أن الذين يضعون الطيب في الحجر الأسود قد أخطأوا؛ لأنهم سوف يحرمون الناس من استلام الحجر الأسود، أو يوقعونهم في محظور من محظورات الإحرام، وكلاهما عدوان على الطائفين.
فيقال لهم: إذا أبيتم إلا أن تطيبوا الكعبة، فلا تجعلوا الطيب في مشعر من مشاعر الطواف، اجعلوه في جوانب الكعبة، أما أن تجعلوه في مكان يحتاج المسلمون إلى مسحه وتقبيله، فهذا جناية عليهم؛ لأنهم إما أن يدعوا المسح مع القدرة عليه، وإما أن يقعوا في المحظور، فعلى طالب العلم أن ينبه هذا الذي احتسب بنيَّته، وأساء بفعله أنه قد أخطأ؛ لأن من قبَّلَ الحجر أو مسحه وأصابه طيب، وقيل له: اغسله، يكون فيه أذى شديد عليه، خصوصاً مع الزحام.
__________
(1) سبق تخريجه ص(72).
(2) سبق تخريجه ص(65).
مسألة: القهوة التي فيها زعفران، هل يجوز للمحرم أن يشربها؟
الجواب: إذا بقيت الرائحة لا يشربها المحرم، وإذا لم تبق وإنما مجرد لون فلا بأس؛ لأنه ليس فيها طيب.
قوله: «أو تبخر بعود ونحوه فدى» ، أي: إذا تبخر بعود ونحوه مما يتبخر به للتطيب حرم عليه ذلك، ويفدي، وسبق بيان الفدية.
وَإِنْ قَتل صيداً مأكولاً بَرِّياً أَصْلاً وَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ،....
قوله: «وإن قتل صيداً مأكولاً» ، هذا هو السادس من محظورات الإحرام.
وقد ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ أوصاف الصيد المحرم في الإحرام فقال: «مأكولاً» وهذا هو الوصف الأول، فإن كان غير مأكول فليس قتله من محظورات الإحرام، ولكن هل يقتل أو لا يقتل؟
الجواب: ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما أمر بقتله.
الثاني ما نهي عن قتله.
الثالث: ما سكت عنه.
فأما ما أمر بقتله، فإنه يقتل في الحل والحرم والإحرام والإحلال، مثل الخمس التي نص عليها الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب
العقور» (1) ، ومنه الحية، والذئب، والأسد، وما أشبهها؛ لأن نص الرسول صلّى الله عليه وسلّم على هذه الخمسة يتناول ما في معناها أو أشد منها.
الثاني: ما نهي عن قتله، مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد. فلا تقتل لا في الحل ولا في الحرم.
فالنملة: معروفة، ومنه الصغار والكبار، والمعروف لا يعرَّف؛ لأنك إذا عرَّفت المعروف صار نكرة.
والنحلة: معروفة وهي التي يخرج من بطونها العسل وقد قيل:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه
وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
الهدهد: معروف.
والصُّرَد: طائر صغير فوق العصفور منقاره أحمر، ويعرفه أهل الطيور.
الثالث: ما سكت عنه فلم يؤمر بقتله ولم ينه عنه، فإن آذى ألحق بالمأمور بقتله؛ لأن المؤذي يقتل دفعاً لأذيته، وإن لم يؤذ فهو محل توقف.
فأجاز بعضهم قتله؛ لأن ما سكت عنه الشارع فهو مما عفا عنه.
وكرهه بعضهم؛ لأن الله خلقه لحكمة، فلا ينبغي أن تقتله، وهذا هو الأولى.
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب ما يقتل المحرم من الدواب (1829)؛ ومسلم في الحج/ باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (1198) (67) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
قوله: «برياً» هذا هو الوصف الثاني، وهو الذي يعيش في البر دون البحر؛ لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وضده البحري، والبحري: ما لا يعيش إلا في الماء.
وأما ما يعيش في البر والبحر فإلحاقه بالبري أحوط، لأنه اجتمع فيه جانب حظر، وجانب إباحة، فيغلب جانب الحظر.
مسألة: إذا صاد السمك داخل حدود الحرم، كأن تكون بحيرة في مكة فيها أسماك، فهل يجوز؟
الصحيح أنه لا يحرم، وإن كان الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قالوا إنه حرام، والصحيح أنه حلال؛ لأن المحرَّمَ صيد البر.
قوله: «أصلاً» أي: أن أصله بري، ومراده أن يكون متوحشاً وإن استأنس، فمثلاً: الأرنب صيد مأكول بري أصلاً، والأرنب المستأنسة كالأرنب المتوحشة؛ لأن أصلها متوحش فيحرم على المحرم قتلها.
والحمامة أصلها وحشي، وعلى هذا فنعتبر الأصل.
والدليل على هذا من القرآن، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] الآية، فجعل إتلاف الصيد قتلاً، ولو صيد على وجه شرعي؛ لأنه ميتة.
والصيد هو ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة السابقة.
والدليل من السنة أن الصعب بن جثامة ـ رضي الله عنه’>;ـ لما نزل به النبي صلّى الله عليه وسلّم ضيفاً في طريقه إلى مكة في حجة الوداع، وكان الصعب عداءً سبوقاً صياداً، فذهب وصاد حماراً وحشياً،
وجاء به إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، رده النبي صلّى الله عليه وسلّم فتغير وجه الصعب فعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم ما في وجهه فقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم» (1) .
والمحرم إذا صيد الصيد من أجله فالصيد عليه حرام، لكن لم يمنع النبي صلّى الله عليه وسلّم الصعب من أكله؛ لأن الصعب صاده وهو حلال، وصيد الحلال حلال.
قوله: «ولو تولد منه ومن غيره» ، أي: لو تولد الصيد من الوحشي والإنسي أو من المأكول وغيره، فإنه يكون حراماً.
مثل: لو تولد شيء من صيد بري متوحش، وصيد بري غير متوحش، فإنه يكون حراماً؛ للقاعدة المشهورة: «أنه إذا اجتمع في شيء مبيح وحاظر، ولم يتميز المبيح من الحاظر، فإنه يغلب جانب الحاظر»؛ لأنه لا يمكن اجتناب المحظور إلا باجتناب الحلال، فوجب الاجتناب.
قوله: «أو تلف في يده» معطوف على «قتل» ، أي: وإن قتل الصيد أو تلف في يده فعليه جزاؤه.
أي: إذا كان في يده صيد مشتمل على الأوصاف الثلاثة وهي أن يكون برياً مأكولاً متوحشاً، ولم يقتله، لكن أصيب هذا الصيد بمرض من الله ـ عزّ وجل ـ، وتلف فإنه يضمنه؛ لأنه يحرم عليه إمساكه.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم عليه إمساكه، ولو كان قد ملكه قبل الإحرام.
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب إذا أهدى المحرم حماراً وحشياً (1825)؛ ومسلم في الحج/ باب تحريم الصيد للمحرم (1193).
ولكن الصواب أن الصيد الذي في يد المحرم، إن كان قد ملكه بعد الإحرام فهو حرام، ولا يجوز له إمساكه.
وإن كان قد ملكه قبل الإحرام وأحرم وهو في يده، فهو ملكه، وملكه إياه تام، والمذهب أنه يجب عليه إزالة يده المشاهدة.
مثاله: صاد في قرن المنازل أرنباً قبل الإحرام، فأحرم والأرنب معه، فنقول: يلزمك إطلاقها؛ لأنه لا يمكن أن يبقي يده المشاهدة على صيد وهو محرم، ولا يزول ملكه عنها، فلو أن أحداً أخذها، ثم حلَّ صاحبها من الإحرام فإنها ترجع عليه ويأخذها.
أما إذا صادها بعد أن أحرم، فعليه إطلاقها، ولا تدخل في ملكه أصلاً؛ لأن المحرم يحرم عليه صيد البر الذي يجمع الأوصاف الثلاثة السابقة.
قوله: «فعليه جزاؤه» ظاهره: أن عليه جزاءه سواء تلف بتعد منه أو تفريط أو لا، وهو كذلك؛ لأن إبقاء يده عليه محرَّم. فيكون كالغاصب، والغاصب يضمن المغصوب بكل حال، فهذا يضمنه بكل حال.
وقوله: «فعليه جزاؤه» سيأتي جزاء الصيد مفصلاً في كلام المؤلف.
وَلاَ يَحْرمُ حيوانٌ إِنسيٌّ وَلاَ صيدُ البَحْرِ، ولاَ قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكْلِ، وَلاَ الصائِلِ ....
قوله: «ولا يحرم حيوان إنسي» ، شرع المؤلف في ذكر المفهوم في كلامه السابق.
فقوله: «ولا يحرم حيوان إنسي» هذا مفهوم قوله: «بري
أصلاً» مثل الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، كل هذه لا تحرم، وعموم كلامه أنه لا يحرم ولو توحش، أي: لو أن الدجاجة هربت من أهلها وصارت متوحشة، لا يمكن أن تستأنس بالآدمي، ثم لحقها وأمسكها فهي حلال اعتباراً بالأصل.
ومثل ذلك: إذا ندت البعير، وتوحشت، وصارت كالظباء لا يمكن إمساكها، ثم أدركها وهو محرم وقتلها رمياً فهي حلال؛ اعتباراً بالأصل.
قوله: «ولا صيد البحر» ، أي: لا يحرم صيد البحر على المحرم؛ لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] ، فإذا أحرم من رابغ مثلاً ومرَّ بسيف البحر، وصاد سمكاً فليس حراماً.
قوله: «ولا قتل محرم الأكل» كالهر، فالهر محرم الأكل، فلو أن محرماً قتله فليس عليه جزاء؛ والعلة في ذلك أنه لا قيمة له وليس بصيد، فلا يدخل تحت قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] .
قوله: «ولا الصائل» أي: ولا يحرم على المحرم قتل الصائل أي: لو صال عليك غزال وخفت على نفسك ودافعته، وأبى أن ينصرف فقتلته فلا شيء عليك؛ لأنك دفعته لأذاه، وكل مدفوع لأذاه فلا حرمة له، وكل ما أبيح إتلافه لصوله، فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل، فإذا أمكن دفعه بغير القتل دفع، وإلا قتل.
ومن فروع هذه القاعدة: لو نزلت شعرة بعينه، أي: نبتت في الجفن من الداخل وصارت تؤذي عينه وأزالها بالمنقاش،
وقلنا: بأن تحريم إزالة الشعر على المحرم عام لجميع البدن، فإن ذلك لا شيء فيه، وكذا لو انكسر ظفره وصار يؤذيه كلما مسه شيء آلمه، فقص المنكسر، فلا شيء عليه؛ لأنه دفعه لأذاه.
مسائل :
الأولى: ما قتل لدفع أذاه هل يكون حلالاً؟
الجواب: إن قتل قتلاً دون ذكاة شرعية فهو حرام، لكن إن ذكي ذكاة شرعية، كما لو كان جملاً وضربه في نحره وأنهر الدم وسمى الله فهو حلال؛ لأنه قصد التذكية مع الدفاع عن نفسه، لكن لو غاب عن ذهنه قصد التذكية ولم يقصد إلا الدفاع عن نفسه فحينئذٍ يكون حراماً، ولهذا ينتبه لهذه المسألة فلا بد من قصد التذكية، فلو أرسلت سكيناً هكذا على شيء من الأشياء فأصابت شاة مع مذبحها وأنهرت الدم هل تحل؟ الجواب: لا.
ولهذا كانت ذكاة المجنون غير صحيحة؛ لأنه ليس عنده قصد، وذكاة السكران غير صحيحة، فلا بد من القصد.
الثانية: المحرم لو صاد الصيد في حال تحريمه عليه فليس له أكله؛ لأنه محرم لحق الله.
ولو غصب شاة من شخص وذبحها، هل يحرم أكلها؟ فيه قولان:
القول الأول: يحرم، قياساً على صيد المحرم.
القول الثاني: لا يحرم؛ لأن هذا يضمن لصاحبه بالقيمة، أو بالمثل، لكنه آثم، وهو الصحيح.
الثالثة: المحرم إذا قتل الصيد فهو حرام عليه وعلى غيره؛ لأنه بمنزلة الميتة.
الرابعة: لو اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك، فهل يحل؟
الجواب: نعم يحل؛ لأنه لا تحريم مع الضرورة لقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] ، فلو أن محرماً خاف أن يهلك من الجوع، ولم يبق عليه إلا أن يموت أو يقتل هذه الغزالة أو الأرنب، فله صيدها، وإذا صادها فهي حلال، وهل هي حرام يأكل منها بقدر الضرورة فقط، أو حلال ويتزود منها؟
الجواب: هي حلال ويتزود منها؛ لأنه لما حل قتلها لم يؤثر الإحرام فيها شيئاً، وقد أبيح قتلها للضرورة فكانت حلالاً، لأن الآدمي أكرم عند الله ـ عزّ وجل ـ من الصيد.
الخامسة: ما شارك فيه المحرم غيره، بمعنى أن هذا الصيد قتله رجلان أحدهما محرم، والثاني غير محرم، فهل يحرم على المحرم وحده دون المحل، أو عليهما جميعاً؟
الجواب: يحرم عليهما جميعاً؛ لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال، حيث إن الحرام لم يتميز.
السادسة: إذا دل أو أعان حلالاً على الصيد؟
قال العلماء: يحرم على المحرم الدال أو المُعِين دون غيره.
مثال الدال: جماعة يمشون فالتفت محرم منهم، فنظر فقال للمحل: انظر الصيد، فذهب المحل فصاده، فهو حرام على المحرم الدال فقط؛ لأنه دل عليه، أما غيره فلا يحرم عليه.
ومثال الإعانة: رأى المحل صيداً فركب فرسه ليصطاده، ولكنه نسي السهم في الأرض، فقال للمحرم: ناولني السهم فناوله إياه، فذهب فصاده، فإنه يحرم على المحرم الذي أعانه فقط، أما غيره فلا يحرم عليه.
السابعة: إذا صاد المحل صيداً وأطعمه المحرم، فهل يكون حلالاً للمحرم؟
الجواب: قال بعض العلماء: إنه حرام على المحرم، واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] ، قالوا: هذا صيد بر، فيحرم على المحرم ولو كان الذي قتله حلالاً.
وبحديث الصعب بن جثامة، حين صاد حماراً وحشياً فجاء به إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فرده، وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» (1) ، ولم يقل: إلا أنك صدته لنا.
وقولهم قوي بلا شك.
لكن الصحيح أنه يحل للمحرم (2) ، ومعنى قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: 96] أن «صيد» مصدر، أي: حرم عليكم أن تصيدوا صيد البر، وليس بمعنى مصيد، وهذا المحرم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة، ولا إعانة، ولا مشاركة، ولا استقلالاً، ولا صِيد من أجله.
ويؤيد ذلك قصة أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ حين ذهب مع
__________
(1) سبق تخريجه ص(142).
(2) وهو المذهب.
سرية له إلى سيف البحر عام الحديبية، فرأى حماراً وحشياً فركب فرسه، فنسي رمحه، وقال لأحد أصحابه: ناولني الرمح، قال: ما أناولك إياه أنا محرم فنزل وأخذه، فضرب الصيد، فجاء به إلى أصحابه فأطعمهم إياه، ولكن صار في قلوبهم شك حتى وصلوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فسألوه فأذن لهم في أكله، مع أنهم حرم (1) .
فيجمع بينه وبين حديث الصعب بن جثامة: بأن أبا قتادة ـ رضي الله عنه ـ صاده لنفسه، وأن الصعب ـ رضي الله عنه ـ صاده للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الجمع أولى من النسخ؛ لأن بعض العلماء قال: إن حديث الصعب ناسخ؛ لأنه متأخر، وقد رده الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «إنا حرم».
والصحيح أنه مع إمكان الجمع لا نسخ، والجمع هنا ممكن ويدل له ما أخرجه أهل السنن عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» (2) .
فإذا قال قائل: أبو قتادة ـ رضي الله عنه ـ معه قومه وصاد الحمار، فكيف يريده لنفسه ولم يصده لقومه؟!
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله (1821)، (1822)؛ ومسلم في الحج/ باب تحريم الصيد للمحرم (1196).
(2) أخرجه أبو داود في المناسك/ باب لحم الصيد للمحرم (1851)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم (775)؛ والنسائي في مناسك الحج/ باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال (5/187)؛ وابن حبان (3971)؛ والحاكم (1/476) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ وصححه ابن حبان؛ وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
فالجواب: أن أبا قتادة ـ رضي الله عنه ـ صاده لنفسه أصلاً، ولقومه تبعاً، هذا إن لم نتجاوز ونقول: إن أبا قتادة ـ رضي الله عنه ـ غضب عليهم؛ لأنهم منعوه الرمح فصاده لنفسه، ولكن هذا بعيد لأنهم ما امتنعوا بخلاً بمعونتهم، لكن امتنعوا لسبب شرعي، فقالوا: إنا حرم لا نعطيك إياه، فلا أظن أبا قتادة ـ رضي الله عنه ـ يكون في نفسه شيء عليهم، فيريد أن يختص بالصيد، ولكنه وقع في نفسه أنه صاده لنفسه وسيطعم أصحابه، بخلاف الذي لم يصد الحمار الوحشي إلا للرسول صلّى الله عليه وسلّم. فبين القصدين فرق عظيم، وهذا الذي يكون به الجمع بين الأدلة.
وَيَحْرُمُ عَقْدُ نِكَاحٍ وَلاَ يَصِحُّ،..................
قوله: «ويحرم عقد نكاح» ، أي على الذكور والإناث، هذا هو المحظور السابع من محظورات الإحرام.
ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب» (1) .
وسواء كان المحرم الولي، أو الزوج، أو الزوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة.
أما الشاهدان فلا تأثير لإحرامهما، لكن يكره أن يحضرا عقده إذا كانا محرمين، فإن عقد النكاح في حق المحرم منهم حرام، فالأقسام كما يلي:
الأول: عقد مُحل على محرمة، فالنكاح حرام.
الثاني: عقد مُحرِم على مُحلة، فالنكاح حرام.
__________
(1) أخرجه مسلم في النكاح/ باب تحريم نكاح المحرم (1409)، عن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ.
الثالث: عقد ولي مُحرِم لمُحلٍّ ومُحلة، فالنكاح حرام.
فإن قال قائل: ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تزوج ميمونة وهو محرم» (1) ، روى ذلك عبد الله بن عباس ابن أخت ميمونة ـ رضي الله عنهم ـ وهو عالم بحالها.
فالجواب: على ذلك من وجهين:
الأول: سبيل الترجيح.
الثاني: سبيل الخصوصية.
أما الأول: وهو سبيل الترجيح، فإن الراجح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تزوج ميمونة وهو حلال لا حرام، والدليل على هذا أن ميمونة ـ رضي الله عنها ـ نفسها روت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تزوجها وهو حلال (2) ، وأن أبا رافع ـ رضي الله عنه ـ السفير بينهما ـ أي؛ الواسطة بينهما ـ أخبر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تزوجها وهو حلال (3) ، وعلى هذا فيرجح ذلك؛ لأن صاحب القصة، والمباشر للقصة أدرى بها من غيره.
فأما حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فجوابه أن يقال: إن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لم يعلم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم تزوجها إلا بعد أن أحرم الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فظن أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم تزوجها وهو
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب تزوج المحرم (1837)؛ ومسلم في الموضع السابق (1410).
(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق (1411).
(3) أخرجه أحمد (6/392)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في كراهة تزويج المحرم (841) وحسنه، وصححه ابن حبان (4130) (4135) وابن خزيمة، انظر: «الدراية» (2/56).
محرم بناءً على علمه، وهذا الوجه قوي وواضح ولا إشكال فيه.
وأما الثاني: وهو الخصوصية، فإن من خصائص الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج وهو محرم؛ لأنه أملك الناس لإربه، وغيره لو تزوج وهو محرم لدعته نفسه وشدة شهوته أن يتصل بامرأته، وربما جامعها، وله صلّى الله عليه وسلّم في النكاح خصائص متعددة.
وهل حمله على الخصوصية أمر غريب بحيث لا نوافق عليه، أو نوافق؟
الجواب: ليس أمراً غريباً.
ولكن إذا تعارض التخصيص، أو الترجيح فأيهما أولى؟
الجواب: الترجيح أولى؛ لأن الأصل عدم الخصوصية.
فإذاً يكون مسلك الترجيح أولى، وهو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم تزوج ميمونة وهو حلال.

محب الدعوة
11-01-2011, 01:12 PM
قوله: «ولا يصح» ، الضمير في قوله: «لا يصح» يعود على العقد، أي: لو عُقِدَ على امرأة محرمة لزوج حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لزوج محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة محلة، والولي محرم لم يصح النكاح.
لأن النهي وارد على عين العقد، وما ورد النهي على عينه فإنه لا يمكن تصحيحه، إذ لو قلنا بتصحيح ما ورد النهي على عينه لكان هذا من المحادة لله ولرسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؛ لأن ما نهى الشارع عنه إنما يريد من الأمة عدمه، فلو أمضي كان مضادة لله ولرسوله.
مسائل :
الأولى: قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينكح المحرم ولا يُنكح» (1) . ألا يدل على أنه يحل عقد النكاح بعد التحلل الأول ـ كما هو الرواية الثانية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يطلق عليه اسم المحرم الكامل؟
هذه المسألة تأتينا إن شاء الله وهي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «حل له كل شيء إلا النساء» (2) ، فهل المراد النساء وما يتعلق بهن كالخطبة والعقد، أو المراد الاستمتاع بالنساء؟ فالمسألة فيها قولان، ولكننا عملياً نقول لا تعقد النكاح حتى تتحلل تحللاً كاملاً، ولو فرض أنه وقع العقد بعد التحلل الأول، فهذه ربما نقول بقول شيخ الإسلام ابن تيمية والذي هو رواية عن الإمام أحمد لعظمة المشقة.
وبعد التأمل رأينا أن القول بأن عقد النكاح بعد التحلل الأول حرام فيه نظر من حيث الدليل؛ لأن قول الرسول (إلا النساء) فيه احتمال قوي أن المراد الاستمتاع بهن بجماع أو غيره خاصة وأن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه أنه محرم إحراماً كاملاً.
الثانية: الخطبة الصحيح أنها حرام؛ لأن النهي فيها واحد مع العقد، وعموم الحديث: «ولا يخطب» ، أنه لا يخطب تعريضاً ولا تصريحاً.
__________
(1) سبق تخريجه ص(150).
(2) سيأتي تخريجه ص(330).
الثالثة: لو عقد النكاح في حال الإحرام، ثم بعد الإحلال دخل الرجل بزوجته، وأنجبت منه أولاداً فلا بد من عقد جديد، ويكون وطؤه الأول وطئاً بشبهة، وأولاده أولاداً شرعيين، أي: ينسبون إليه شرعاً، كما أنهم منسوبون إليه قدراً.
وَلاَ فِدْيَةَ وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ،...................
قوله: «ولا فدية» ، أي: ليس فيه فدية.
والدليل عدم الدليل، أي: أنه ليس هناك دليل يوجب الفدية، والأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب.
وقال بعض العلماء: فيه الفدية، قياساً على اللباس، لأن ترفه الإنسان بالنكاح أشد من اللباس.
والصحيح أنه لا فدية فيه، بل فيه الإثم وعدم الصحة للنكاح.
فإن قال قائل: إذا أخذتم بهذا الأصل، فقولوا: إذاً لا فدية في الطيب ولا فدية في اللباس، لأنه لا دليل على أن فيها فدية، وإنما ورد الدليل في حلق الرأس، وجزاء الصيد.
وأين الدليل على وجوب الفدية في لبس القميص والسراويل والبرانس والعمائم والخفاف، إذ ليس فيها إلا النهي؟
الجواب: يقولون: الدليل هو القياس؛ لأن العلة عندهم في تحريم حلق الرأس هو الترفه، والإنسان يترفه باللباس.
مسألة: إذا قال قائل: إذا عقد، وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟
فالجواب: أنه لا إثم عليه، كما سيأتي إن شاء الله، لكن العقد لا يصح؛ لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.
قوله: «وتصح الرجعة» ، أي: أن يراجع الإنسان مطلقته التي له الرجعة عليها.
مثال ذلك: رجل أحرم بعمرة أو حج، وكان قد طلق زوجته طلاقاً رجعياً، فأراد أن يراجعها فلا حرج، وتصح الرجعة، وتباح أيضاً.
فهنا فرقنا بين ابتداء النكاح، وبين استدامة النكاح؛ لأن الرجعة لا تسمى عقداً، وإنما هي رجوع؛ ولأن الاستدامة أقوى من الابتداء، أرأيتم الطيب، يجوز للمحرم بل يسن عند عقد الإحرام أن يتطيب فَيُحْرم، والطيب في مفارقه، لكن لو أراد أن يبتدئ الطيب فلا يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، وهنا حصل لنا فرعان على هذه القاعدة في محظورات الإحرام:
الأول: الطيب، يستديمه ولا يبتدئُهُ.
الثاني: النكاح، يستديمه ولا يبتدئُهُ.
وَإِنْ جَامَعَ المُحْرِمُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُمَا، وَيَمْضِيانِ فِيْهِ، وَيَقْضِيَانِهِ ثَانِيَ عَامٍ،..
قوله: «وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول» ، هذا هو المحظور الثامن من محظورات الإحرام، وهو الجماع، وهو أشدها إثماً، وأعظمها أثراً في النسك.
ولا شيء من محظورات الإحرام يفسده إلا الجماع قبل التحلل الأول، عكس بقية العبادات، فباقي العبادات كل محظور وقع فيها أفسدها إلا الحج والعمرة، خلافاً للظاهرية الذين يقولون إن جميع المحظورات تفسد الحج والعمرة، وهذا نوع من القياس الذي كانوا ينكرونه، وهو قياس فاسد في مقابلة النص، والنص أن الله أباح للمحرم الذي به أذى في رأسه حلق رأسه بدون أن
يفسد نسكه، ولو كانت المحظورات مفسدة لأفسدته ولو حلت للضرورة، كما نقول للصائم إذا اضطر للأكل والشرب، وأكل وشرب فسد صومه، نحن نقول: «فسد» ولا نقول: «بطل» لأننا إذا قلنا: «بطل» يعني الخروج منه، وإذا قلنا: «فسد» يعني المضي فيه ولو كان فاسداً، ولا يبطل الحج إلا شيء واحد وهو الردة ـ والعياذ بالله ـ حتى لو تاب وأسلم يؤمر بقضائه.
ويحصل الجماع بإيلاج الحشفة في قبلٍ أو دبر، وهو محرم بنص القرآن، قال الله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ} [البقرة: 197] ، فسَّره ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بالجماع (1) ، والجماع له حالان:
الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول.
الثانية: أن يكون بعد التحلل الأول.
والتحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد، فإذا لم يرم الجمرة فإنه في إحرام تام، وإذا رمى الجمرة حل التحلل الأول عند كثير من العلماء.
وعند آخرين لا يحل إلا بالرمي مضافاً إليه الحلق أو التقصير، فإذا حلق أو قصر مع الرمي فقد حل التحلل الأول.
والتحلل الثاني: يكون إضافة إلى الرمي والحلق أو التقصير، بالطواف والسعي إن كان متمتعاً، أو كان مفرداً أو قارناً ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
__________
(1) انظر: «تفسير الطبري» (4/129 ـ 130).
فصار التحلل الأول يحصل بالرمي والحلق أو التقصير.
والثاني بالرمي والحلق أو التقصير والطواف والسعي.
وأما ذبح الهدي فلا علاقة له بالتحلل، فيمكن أن يتحلل التحلل كله، وهو لم يَذبح الهدي.
قوله: «فسد نسكهما، ويمضيان فيه، ويقضيانه ثاني عام» ، هذه ثلاثة أحكام، وبقي حكمان: الإثم، والفدية، وهي بدنة.
فصار الجماع قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور:
الأول: الإثم.
الثاني: فساد النسك.
الثالث: وجوب المضي فيه.
الرابع: وجوب القضاء.
الخامس: الفدية، وهي بدنة تذبح في القضاء.
مثال ذلك : رجل جامع زوجته ليلة مزدلفة في الحج عالماً عامداً لا عذر له.
نقول: ترتب على جماعك خمسة أمور:
الأول: الإثم فعليك التوبة.
الثاني: فساد النسك، فلا يعتبر هذا النسك صحيحاً.
الثالث: وجوب المضي فيه، فيجب أن تكمله؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
الرابع: وجوب القضاء من العام القادم بدون تأخير.
الخامس: فدية، وهي بدنة تذبح في القضاء.
فأما الإثم فظاهر؛ لإنه عصى الله ـ عزّ وجل ـ لقوله: {فَلاَ رَفَثَ}.
وأما فساد النسك، فلقضاء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بذلك (1) ، وورد فيه أحاديث مرفوعة ولكنها ضعيفة (2) .
__________
(1) قال ابن المنذر في «الإجماع» ص(63): «وأجمعوا على أن من جامع عامداً في حجه قبل وقوفه بعرفة أن عليه حجاً قابل».
وقال ص(76): «وأجمعوا على أن من وطئ قبل أن يطوف ويسعى أنه مفسد».
والقول بفساد الحج ورد عن عمر، وعلي، وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم’>;ـ «أنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم، فقالوا: ينفذان لوجههما، ثم عليهما حج من قابل والهدي».
أخرجه مالك في «الموطأ» (1/381) بلاغاً، ومن طريقه «البيهقي» (5/167).
ورواه البيهقي (5/167) عن عطاء عن عمر، وهو منقطع كما في «الجوهر النقي» (5/167).
ورواه أيضاً ابن أبي شيبة كما في «الملحق» (136)؛ والبيهقي (5/167)، وابن حزم في «المحلى» (7/190) وقال: «مرسل عن عمر، لأنه عن مجاهد عن عمر، ولم يدرك مجاهدُ عمرَ»، وانظر: «التلخيص» (2/282 ـ 283) وورد عن ابن عمر وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ: «فساد نسك من جامع أهله، والمضي فيه، والحج من قابل، والهدي».
أخرجه ابن أبي شيبة كما في «الملحق» (137)؛ والدارقطني (3/50)؛ والبيهقي (5/167)، وقال البيهقي: «هذا إسناد صحيح».
(2) ومن ذلك ما رواه يحيى ابن أبي كثر قال: أخبرني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم ـ شك الراوي ـ أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسأل الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فقال لهما: «اقضيا نسككما، وأهديا هدياً، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى».
أخرجه أبو داود في «المراسيل» (140)؛ ومن طريقه البيهقي (5/167)، وقال: «هذا منقطع».
وقال ابن حجر في «التلخيص» (2/283): «رجاله ثقات مع إرساله، ورواه ابن وهب في موطئه عن سعيد بن المسيب مرسلاً».
وأما وجوب المضي فيه، فصح ذلك عن الصحابة عن عمر وغيره.
وذهبت الظاهرية إلى أنه يفسد نسكه ويبطل وينصرف، ولا يمكن أن يتم نسكاً فاسداً؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمر الله ورسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؟
فإن قلت: نعم، لزم من ذلك أن الله ورسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يأمران بالفساد، وإن قلت: لا، قالوا إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ، والمردود لا فائدة من فعله، قال ـ تعالى ـ: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] .
وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلل بعمرة ويقضي، فيجعلونه بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بعمرة ويحل.
لكن لا شك أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أعمق منا علماً، وأسد منا رأياً، فهم إلى الصواب أقرب منا فنأخذ بأقوالهم، ونقول: يفسد النسك ويلزم المضي فيه، ولا غرابة في ذلك، فها هو الرجل يفطر في نهار رمضان عمداً بلا عذر، ويلزمه الإمساك والقضاء، ثم إن في إلزامه بالمضي نوع عقوبة له، وفيه ـ أيضاً ـ سداً لباب الشر؛ لأن بعض الناس لا يهمه أن يأثم، فيجامع من أجل أن ينصرف، ففي هذا ردع وتأديب له.
وإذا مضى في هذا الفاسد، فحكمه حكم الصحيح على الراجح في كل ما يترتب عليه من محظورات وواجبات.
__________
(1) أخرجه مسلم في الأقضية/ باب نقض الأحكام الباطلة (1718) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
وأما الرد على قول الظاهرية، فنقول: اتباع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أحسن وأولى.
وقوله: «يقضيانه» الفاعل يعود على المجامِع والمجامَع والهاء تعود على الحج.
وظاهر كلام المؤلف أنهما يقضيانه سواء كان الحج الذي أفسداه فرضاً أو تطوعاً، أما إن كان فرضاً فالأمر واضح، وأما إن كان نفلاً؛ فلأنهما أفسد ما يجب عليهما المضي فيه، فلزمهما إعادته.
وقوله: «ثاني عام» يفهم منه أنه لا يجوز تأخيره إلى العام الثالث، فإن عجزا بقي في ذمتهما حتى يقدرا على القضاء.
تنبيه: لم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ ما إذا جامع بعد التحلل الأول، لكن ذكره غيره.
قالوا: إذا جامع بعد التحلل الأول، فإنه يجب عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم، أي: يخلع ثياب الحل ويلبس إزاراً ورداءً ليطوف طواف الإفاضة محرماً؛ لأنه فسد إحرامه، أي: فسد ما تبقى من إحرامه، فوجب عليه أن يجدده، وعليه فدية، وسيأتي إن شاء الله بيان الفدية فيما بعد، وعليه الإثم، إذاً، إذا جامع بعد التحلل الأول ترتب عليه أربعة أمور:
الأول: الإثم.
الثاني: فساد الإحرام.
الثالث: وجوب الخروج إلى الحل ليحرم منه.
الرابع: الفدية.
مثاله: رجل رمى وحلق يوم العيد، ثم جامع أهله قبل أن يطوف ويسعى، فعليه الإثم، والفدية، وفسد إحرامه، وعليه الخروج إلى الحل ليحرم فيطوف محرماً، لا بثيابه؛ لأن إحرامه فسد.
وَتَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ، فَإِنْ فَعَل فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لَكنْ يُحْرِمُ مِن الحِلِّ لِطَوَافِ الفَرْضِ ..
قوله: «وتحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه وعليه بدنة» ، المباشرة أي: مباشرة النساء لشهوة.
وهذا هو المحظور التاسع، وهو آخر المحظورات، والدليل قوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] ولأنه إذا كان يحرم عقد النكاح الذي تستباح به المباشرة فالمباشرة من باب أولى.
وأما المباشرة لغير شهوة، كما لو أمسك الرجل بيد امرأته، فهذا ليس حراماً، أما لو كانت المباشرة بشهوة فهو حرام، وسواء كانت المباشرة لشهوة باليد، أو بأي جزء من أجزاء البدن، سواء كانت بحائل أو بدون حائل؛ لأن ذلك يخل بالنسك، وربما أدى إلى الإنزال.
فإن كانت قبل التحلل الأول، فأنزل ترتب عليه أمران: الإثم، والفدية، وهي بدنة كفدية الجماع. لكن النسك لا يفسد والإحرام أيضاً لا يفسد.
فإن باشر ولم ينزل بل أمذى، أو كان له شهوة، ولكن لم يمذ، ولم ينزل فليس عليه بدنة، بل عليه فدية أذى، كما سنذكره إن شاء الله فيما بعد.
فالمباشرة توافق الجماع في أن الفدية فيها بدنة، وتخالف
الجماع في عدم إفساد النسك والإحرام، وعدم القضاء.
فإذا قال قائل: ما الدليل على وجوب البدنة فيها؟
قلنا: الدليل القياس على الجماع؛ لأنها فعل موجب للغسل مع الإنزال، فأوجب الفدية كالجماع، وليس فيها نص ولا أقوال للصحابة.
لكن هذا القياس ضعيف؛ لأنه كيف يقاس فرع على أصل يخالفه في أكثر الأحكام، فالمباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة وهي وجوب الغسل، فلا توافقه في فساد النسك، ولا في وجوب قضائه، ولا في فساد الصيام ـ على قول بعض أهل العلم ـ وحينئذٍ يقال: ما السبب في أنك ألحقتها به في هذا الحكم، مع أنها تخالفه في أحكام أخرى، فلماذا لا تجعلها مخالفة له في هذا الحكم كما خالفته في الأحكام الأخرى؟!
فالصحيح أن المباشرة لا تجب فيها البدنة، بل فيها ما في بقية المحظورات.
قوله: «لكن يحرم من الحل لطواف الفرض» ، يظهر أن هذا سَبْقُ قلم من الماتن ـ رحمه الله ـ؛ لأن هذا الحكم المستدرك لا ينطبق على المباشرة، بل ينطبق على الجماع بعد التحلل الأول، والإنسان بشر، قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، فهذه العبارة الأصح أن تنقل إلى الجماع بعد التحلل الأول، فهو الذي ذكر أهل العلم أنه يفسد به الإحرام، وأنه يجب أن يخرج إلى الحل؛ ليحرم منه فيطوف محرماً.
وَإِحْرَامُ المَرْأةِ كَالرَّجُلِ إِلاَّ فِي اللِّبَاسِ، وتَجْتَنِبُ البُرْقُع والقُفَّازَين، وَتَغْطِيةَ وَجْهِهَا وَيُبَاحُ لَهَا التَّحلِّيَ.
قوله: «وإحرام المرأة كالرجل» أي: أنه يحرم عليها ما يحرم على الرجال، ويلزمها من الفدية ما يلزم الرجال، إلا ما استثني.
قوله: «إلا في اللباس» فليست كالرجل؛ لأن الرجل لا يلبس القميص ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف، والمرأة تلبس ذلك ولا إثم عليها، ولكن عمامتها الخمار.
وقوله: «إلا في اللباس» فلا يحرم عليها اللباس، لكن يحرم عليها نوع واحد من اللباس، وهو القفازان فإنهما لباس اليدين كما سيذكره.
قوله: «وتجتنب البرقع» ، لو قال المؤلف: «البرقع، والنقاب» أو قال: النقاب فقط لكان أحسن، وإنما اقتصر على البرقع فقط؛ لأن البرقع للزينة، والنقاب للحاجة.
فالنقاب تستعمله المرأة فتغطي وجهها، وتفتح فتحة بقدر العين لتنظر من خلالها، والبرقع تجمل، فهو يعتبر من ثياب الجمال للوجه، فهو إذاً نقابٌ وزيادة، وعلى هذا، فنقول: النقاب حرام على المحرمة.
ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تنتقب المرأة» (1) ، وإذا نهيت المرأة المحرمة عن النقاب فنهيُها عن البرقع في باب أولى.
قوله: «والقفازين» ، القفازان: لباس يعمل لليدين، كما تعمل البزاة لباساً، والبزاة جمع باز، أي: أصحاب الطيور، يجعلون على أيديهم قفازين؛ ليتوقوا أظافر الطير إذا أمسكوه، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تلبس القفازين» (1)، إذاً فهي تشارك
__________
(1) سبق تخريجه ص(133).
الرجل في نوع من اللباس، وهو القفازان؛ لأن الرجل لا يلبس القفازين أيضاً لأنهما لباس.
قوله: «وتغطية وجهها» ، أي: تجتنب تغطية الوجه، فلا تغطي الوجه.
أما الرجل فسبق أن القول الراجح جواز تغطيته وجهه؛ لأن لفظة «ولا وجهه» (1) في قصة الذي مات مختلف في صحتها، وفيها نوع اضطراب، ولذلك أعرض الفقهاء عنها، وقالوا: إن تغطية المحرم وجهه لا بأس به، ويحتاجه المحرم كثيراً، فقد ينام مثلاً ويضع على وجهه منديلاً أو نحوه عن الذباب، أو عن العرق، أو ما أشبه ذلك.
فيحرم على المرأة أن تغطي وجهها، وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطاً، أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ضعيف، فهذا إن أرادوا به، أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهي المرأة عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه، لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.
قوله: «ويباح لها التحلي» ، أي: يجوز للمحرمة أن تلبس الحلي، والمراد الحلي المباح، لا كل حليٍّ، فالحلي الذي على صورة حيوان حرام عليها، وعلى غيرها، فالإحرام لا يمنع المرأة
__________
(1) سبق تخريجه ص(124).
عن التحلي، لكن يجب أن تستر الحلي عن الرجال، فإذا كانت وحدها في البيت، أو مع نساء، أو مع زوج، أو مع محارم وعليها الحلي، فلا بأس.
هذه هي محظورات الإحرام.
مسألة: ما فائدة معرفة الإنسان محظورات الإحرام من حيث العمل والسلوك؟ هل الفائدة أن يعرف ما هو المحظور، وماذا يترتب عليه؟ أو الفائدة أن يعرف المحظور ليتجنبه، فإذا ابتلي به عرف ماذا يجب عليه؟
الجواب: الثاني، ولهذا نحن ينقصنا في علمنا أننا لا نطبق ما علمناه على سلوكنا، وأكثر ما عندنا أننا نعرف الحكم الشرعي، أما أن نطبق، فهذا قليل ـ نسأل الله أن يعاملنا بعفوه ـ وفائدة العلم هو التطبيق العملي، بحيث يظهر أثر العلم على صفحات وجه الإنسان، وسلوكه، وأخلاقه، وعبادته، ووقاره، وخشيته وغير ذلك، وهذا هو المهم.
وأظن أنه لو أتى رجل نصراني ذكي ودرس الفقه مثل ما درسناه، لفهم منه مثل فهمنا أو أكثر، انظر مثلاً في اللغة العربية «المنجد» يقولون: إن مؤلفه نصراني، ويبحث بحثاً جيداً.
فالأمور النظرية ليست هي المقصودة في العلم ـ اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ـ فالعلم فائدته الانتفاع.
وكم من عامي جاهل تجد عنده من الخشوع لله ـ عزّ وجل ـ، ومراقبة الله، وحسن السيرة، والسلوك، والعبادة، أكثر بكثير مما عند طالب العلم.
بَابُ الفِدْيَةِ
يُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقٍ، وَتَقْلِيمٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ وَطيبٍ وَلُبْسِ مَخِيطٍ بَيْنَ صِيامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إِطعَامِ ستَّةِ مَسَاكِين لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بر، أَوْ نصفُ صَاع تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذَبْحِ شاةٍ.
قوله: «الفدية» هي ما يعطى فداءً لشيء، ومنه فدية الأسير في الحرب حيث يعطينا شيئاً ثم نفكه، فالفدية ما يجب لفعل محظور أو ترك واجب، وسميت فدية، لقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
ومحظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى أربعة أقسام: ـ
الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
الثاني: ما فديته مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.
الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات.
وهذه القسمة حاصرة تريح طالب العلم.
وفدية الأذى إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أو متفرقة، أو ذبح شاة، فتذبح وتوزع على الفقراء، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
قال المؤلف ـ مبيناً ذلك لكنه ليس على وجه التقسيم والحصر ـ: «يخير بفدية حلق، وتقليم، وتغطية رأس، وطيب، ولبس مخيط، بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين» .
«يخير» فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود على المحرم الذي فعل محظوراً، والتقدير يخير المحرم إذا فعل محظوراً من هذه الأجناس، حلق الشعر، وتقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين، وتغطية الرأس، والطيب، يخير في هذه الأربعة: بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدُّ بُر، أو نصف صاع تمر، أو شعير، أو ذبح شاة.
ودليل هذه الفدية من حيث الجملة، قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
و«صيام» مجمل لم يبينه الله ـ عزّ وجل ـ، لكن بينه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو «صدقة» مجملة ـ أيضاً ـ لكن بينها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
أو «نسك» مبين؛ لأن النسك هو الذبيحة، فالصيام بيَّنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، في حديث كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ، بأنه ثلاثة أيام، والصدقة بأنها إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع (1) .
قوله: «لكل مسكين مدُّ بُر، أو نصف صاع تمر أو شعير» ، ظاهره أن الفدية في الإطعام محصورة في هذه الأصناف الثلاثة، البر، والتمر، والشعير، وهذا غير مراد؛ لأن المراد ما يطعمه الناس، من تمر، أو شعير، أو بر، أو رز، أو ذرة، أو دخن، أو غيره.
__________
(1) سبق تخريجه ص(135).
والمؤلف هنا فرق بين البر وغير البر، فالبر مُد، وغير البر نصف صاع.
والمُد ربع الصاع؛ لأن صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعة أمداد، نصفه مدَّان، ففرق المؤلف ـ رحمه الله ـ بين البر وغيره، وفي باب الفطرة لم يفرق المؤلف بين البر وغيره.
ففي باب الفطرة صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو غير ذلك مما يُخْرج منه، فالفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ يفرقون بين البر وغيره في جميع الكفارات والفدية، إلا في صدقة الفطر، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قاعدة، وقال: إن البر على النصف من غيره، ففي الفطرة نصف صاع عند شيخ الإسلام.
ولكن مذهبنا في الفطرة مذهب أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ: «فإنه لما قدم معاوية ـ رضي الله عنه ـ المدينة، وقال: أرى مدًّا من هذه يساوي مدين من الشعير، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم» (1) ونحن نقول كما قال أبو سعيد ـ رضي الله عنه ـ.
وكذلك مذهبنا هنا أن لا فرق بين البر وغيره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ : «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (2) ، فعيَّن المقدار، وأطلق النوع، فظاهر
__________
(1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صاع من زبيب (1508)؛ ومسلم في الزكاة/ باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (985) (18) وهذا لفظ مسلم.
(2) سبق تخريجه ص(135).
الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين، سواء من البر أو من غيره؛ ولهذا جميع ما ورد فيه إطعام مساكين يجوز أن تغديهم أو تعشيهم، إلا هذا الموضع فلا بد أن تطعمهم طعاماً يملكونه، ومقداره نصف صاع لكل مسكين.
قوله: «أو ذبح شاة» أطلق المؤلف «شاة» ، فهل المراد الأنثى من الضأن، أو المراد أعم من ذلك؟
الجواب: المراد الثاني، شاة، سواءٌ كانت خروفاً أم أنثى، معزاً أم ضأناً، بل أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة مما يجزئ في الأضحية، ويوزعها على الفقراء ولا يأكل منها شيئاً؛ لأنها دم جبران.
وقوله: «صيام ثلاثة أيام» ، ظاهره أنه لا يشترط فيه التتابع، لأن ما أطلقه الشرع يجب أن يكون على إطلاقه، وإضافة قيد إلى ما أطلقه الشرع تقييد لشرع الله وتضييق على عباد الله، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة «صم ثلاثة أيام» (1) ولم يقيدها.
فإن شئت صم يوماً بعد يوم، وإن شئت صمها متتابعة.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن كفارة الأيمان ثلاثة أيام متتابعة، والله ـ عزّ وجل ـ أطلق فقال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] ؟
فالجواب: أنه قد صح عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعة» (2) ، وقراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ
__________
(1) سبق تخريجه ص(135).
(2) أخرجه عبد الرزاق (16103) والبيهقي (10/60).
حجة حتى إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أحال عليها، فقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد» 1 (1) ، يعني عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.إذاً أربعة محظورات فديتها فدية أذى.
فإذا قال قائل: الحلق عرفنا دليله من القرآن، فما الدليل في التقليم وباقي المحظورات؟
فالجواب: القياس، فصارت هذه الثلاثة كلها بالقياس، الحلق بالنص، والباقي بالقياس عليه.
والمانعون للقياس، يمنعون الفدية في هذه الثلاثة، خصوصاً وأن العلة هنا ـ وهي الترفه ـ غير ظاهرة، وقد سبق البحث في هذه العلة، وأنها ليست قوية.
وَبِجَزَاءِ صَيْدٍ بَيْنَ مِثْلٍ إِنْ كَانَ، أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامَاً، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْماً وَبِمَا لاَ مِثْلَ لَهُ بَيْنَ إِطْعَامٍ وَصِيْامٍ،........
قوله: «وبجزاء صيد بين مِثْلٍ إن كان» أي: ويخير بجزاء، وعلى هذا فالواو حرف عطف و «بجزاء» معطوف على قوله «بفدية» بإعادة العامل، وهو الباء، أي: ويخير بجزاء صيد بين مِثْلٍ إن كان، أي: مثلٍ للصيد إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل فله حكم آخر.
وعلى هذا فنقول: الصيد نوعان: نوع له مثل من النعم؛ فهذا جزاؤه مثله، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] والمثل هذا يذبحه،
__________
(1) أخرجه أحمد (1/445) وابن ماجه في السنة/ باب فضل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ (138) والحاكم (2/227) وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
ويتصدق به على فقراء الحرم لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] .
قوله: «أو تقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً فيطعم كل مسكين مدًّا، أو يصوم عن كل مد يوماً» ، (أو) في كلام المؤلف بمعنى الواو، فمعنى الكلام أنه يخير في جزاء الصيد بين ذبح مثله يتصدق به على فقراء الحرم، وتقويمه بدراهم... إلخ لقوله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] الكفارة ما بَيَّنَها الله ـ عزّ وجل ـ ولكن يقال: إن البدل له حكم المبدل، فتكون الكفارة تساوي المثل أو الصيد، والقرآن ليس فيه إفصاح بهذا ولا هذا؛ ولذلك اختلف العلماء، هل الذي يقوم الصيد أو المثل؟
المذهب: أن الذي يقوم المثل؛ لأنه هو الواجب في الكفارة أصلاً، فإذا كان هو الواجب أصلاً فالواجب قيمته، فَيُقَوَّمُ المثل بدراهم يشتري بها طعاماً، ويطعم كل مسكين مُدّاً، وهو الراجح وهو أقرب إلى قواعد الشرع أن الذي يقوم المثل سواء قلَّت قيمته عن الصيد أو زادت.
وقيل: إن الذي يقوِّم الصيد؛ لأنه لما عدل عن المثل صار كالصيد الذي لا مثل له، والصيد الذي لا مثل له، جزاؤه قيمته.
وقوله: «أو تقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً» ، هذا على سبيل المثال، وليس على سبيل التعيين، فله أن يقومه بدراهم، ثم يخرج من الطعام الذي عنده ما يساوي هذه الدراهم.
مثال ذلك: الحمامة، مثلها شاة، فالشاة جزاء الحمامة؛ لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، والمشابهة بينهما في شرب الماء، فالشاة تعبُّ الماء عبَّا، والحمامة تعُبُّه عبًّا كمص الصبي للثدي، والدجاجة إذا ملأت منقارها رفعت رأسها لينزل الماء، لكن الحمامة إذا وضعت منقارها في الماء لا ترفع رأسها حتى تروى، وكذلك الشاة.
فهذا رجل محرم قتل حمامة، نقول: أنت بالخيار اذبح شاة وتصدق بها على فقراء الحرم، أو قوِّم الشاة بدراهم، وأخرج بدل الدراهم طعاماً، ولا تخرج الدراهم؛ لأنه قال: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} فإذا قدرنا الشاة بمائتي ريال، وقدرنا الطعام كل صاع بريال، فتكون مائتي صاع يساوي ثمانمائة مد، فنقول: إن شئت أخرج الطعام، وإن شئت اعدل عن الطعام وصم ثمانمائة يوم؛ لأنه عن كل مد يوماً فسيختار إما الشاة، وإما الإطعام؛ لأن الصيام سيكون شاقاً، لكن ـ الحمد لله ـ الأمر واسع؛ لأنه على التخيير.
ومن الذي يقدر المثل؟
الجواب: قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] «يحكم به» أي: بالمثل «ذوا عدل منكم»، فالواحد لا يكفي فلا بد من اثنين، وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ في الباب الذي يليه أن ما قضت به الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وجب الرجوع إليه، وما لم تقض به الصحابة يقضي به رجلان.
قوله: «وبما لا مثل له بين إطعام وصيام» ، وهذا هو النوع
الثاني فيخير بما لا مثل له بين شيئين: الإطعام، أو الصيام، وتسقط المماثلة، فإما أن يشتري بقيمته طعاماً يطعمه الفقراء، وأما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
مثاله : الجراد صيد لا مثل له، فإذا قتل المحرم جراداً فعليه: إما قيمته يشتري بها طعاماً يطعم كل مسكين مداً، وإما أن يصوم عن كل مد يوماً.
وَأَمَّا دَمُ متعَةٍ وقِرَانٍ، فَيَجبُ الهَدْيُ فَإِنْ عَدِمَهُ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ،...........
قوله: «وأما دم متعة وقران، فيجب الهدي» المؤلف ـ رحمه الله ـ أدخل دم المتعة والقران بين المحظورات، وهذا من حيث التنظيم التأليفي فيه نظر، فينبغي أن يجعل كل صنف مع صنفه، والأمر في هذا سهل من حيث التنظيم، لكنه محل نظر من حيث الحكم؛ لأن دم المتعة ليس فدية ولا كفارة، بل هو دم نسك وشكر لله ـ تعالى ـ، ولهذا سماه الله هدياً وأبيح للإنسان أن يأكل منه.
فالمتعة والقران يجب فيهما هدي، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله على سبيل الترتيب، وليس على سبيل التخيير، ودليل ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] .
وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] باعتبار الوجود، لا باعتبار الهدي نفسه، ولهذا لا يجزئ من الهدي إلا ما جمع شروط الهدي.
فقول تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ} مبتدأ، خبره محذوف، والتقدير فعليه ما استيسر من الهدي.
وهل فيه إطعام؟
الجواب: لا، فإذا كان غير قادر على الهدي، ولا على الصيام سقط عنه؛ لأن الله لم يذكر إلا الهدي والصيام فقط.
وقوله: «وأما دم متعة وقران فيجب الهدي» ، قوله: فيجب الهدي، كلمة الهدي عرَّفها بـ (ال) اتباعاً للقرآن الكريم، ولم يقل: مما استيسر من هدي، ولأجل أن يعرف أن المراد الهدي المعروف شرعاً، وهو الذي جمع الأوصاف الثلاثة المتقدمة. ولم يذكر المؤلف نوع الهدي، ولا سنه، وقد ذكرنا الكلام على هدي التمتع والقران فيما سبق.
مسألة: ذكرنا فيما سبق أن الذي فيه شاة يكون تخييراً، لا ترتيباً، وهنا كان ترتيباً مع أن الواجب شاة.
والجواب: أن المراد ما أوجب شاة من المحظورات، ودم المتعة والقران ليس دم محظور، بل هو دم شكران، وليس دم جبران؛ لأن النسك لم ينقصه شيء، بل تُمم بالتمتع؛ فلتمام النسك أوجب الله تعالى على الناس هذا الهدي، شكراً لله على هذه النعمة، ولذلك كان دم المتعة والقران مما يؤكل منه، ويهدي ويتصدق، ودم المحظور لا يؤكل منه، ولا يهدى، ولكن يصرف للفقراء.
وقوله: «وقران» ظاهره أن المؤلف يرى وجوب الدم على القارن، لأنه عطفه على دم المتعة، وهذا مذهب جمهور العلماء، وقد سبق بيان ذلك.
قوله: «فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام» ، أي: عدم الهدي، وله صورتان:
الأولى: ألا يوجد الهدي، بحيث لا يجد في الأسواق شيئاً من بهيمة الأنعام.
الثانية: أن يُوجد، ولكن لا يوجد معه ثمن، فكل منهما يصدق عليه أنه عادم ولم يجد، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] حذف المفعول به، فلم يقل ـ سبحانه وتعالى ـ: «فلم يجد هدياً» ، ولم يقل: «فمن لم يجد ثمن الهدي» من أجل العموم، أي: فمن لم يجد الهدي، أو لم يجد ثمنه، فصيام ثلاثة أيام في الحج.
وهل المعتبر بالنسبة لوجود الهدي وعدمه وقت إحرامه بالعمرة، بحيث نقول إذا كان معه وقت إحرامه بالعمرة دراهم يشتري بها، ثم سرقت فإنه يعتبر واجداً، أو المعتبر إحرامه بالحج، أو المعتبر طلوع الفجر يوم العيد، أو المعتبر وقت جواز الذبح يعنى بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح؟
كل هذه أقوال، والمذهب أن المعتبر طلوع الفجر يوم النحر.
فقد يكون عند إحرام العمرة غير واجد، أو عنده بعض الشيء وظن أن الهدي مرتفع الثمن، ولكن صار معه شيء فيما بعد بسبب أنه اكتسب أو أهدي إليه، أو مات مورثه أو ما أشبه ذلك.
وهنا يعمل بغالب ظنه، فإن كان حين إحرامه بالعمرة يغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي، فإنه يحكم بأنه لم يجده، وإن كان يمكن أن يجده في يوم العيد.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه إذا عدم الثمن فهو عادم وإن وجد من يقرضه، ولا شك أنه إذا كان عدمه للثمن عدم عجز، فإنه لا يجب عليه الاستقراض، ولو وجد من يقرضه، بل ننهاه عن الاستقراض. أما إذا كان عدمه للثمن ليس عدم عجز، بل هو غني، إلا أن النفقة ضاعت منه ـ مثلاً ـ، ويستطيع بكل سهولة أن يقترض من رفقائه أو غيرهم، فظاهر كلام المؤلف أنه غير واجد في هذه الحال.
ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقال: إنه لم يجد، على أن الغالب أن مثل هذا الرجل يستطيع الاقتراض بكل سهولة ويجد من يقرضه بلا غضاضة عليه.
وَالأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ................
قوله: «والأفضل كون آخرها يوم عرفة» ، أي: فيصوم اليوم السابع، والثامن، والتاسع، ليكون آخرها يوم عرفة، قالوا: وفي هذه الحال ينبغي أن يحرم بالحج في اليوم السابع، فيحرم اليوم السابع، ليكون صومه الأيام الثلاثة في نفس الحج.
وفي هذا نظر من جهتين: من جهة تقديم الإحرام بالحج، ومن جهة كون آخرها يوم عرفة.
أما الأول: فإن تقديم إحرام الحج على اليوم الثامن خلاف هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم، والذي يظهر من حال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين تمتعوا أنهم فقراء؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، وإلا لساقوا الهدي كما ساقه الأغنياء، وإذا كانوا فقراء ففرضهم الصيام، ونحن يغلب على ظننا أن الصحابة الذين حلوا لم يحرموا إلا من اليوم الثامن، فكيف نقول أحرم في اليوم السابع؟ ثم إننا على هذا
القول نقول أحرم قبل فجر اليوم السابع، من أجل أن يكون الصيام شاملاً للثلاثة كلها، وهذا فيه نظر أيضاً.
وأما الثاني: وهو كون آخرها يوم عرفة، ففيه نظر أيضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» (1) ، «وأُتِيَ بقدح لبن فشربه أمام الناس وهو واقف بعرفة» (2) ليعلموا أنه مفطر.
والصوم في عرفة يوجب أن يكون الإنسان في آخر النهار الذي هو أفضل اليوم خاملاً كسلان متعباً، فلا يكون عنده نشاط للدعاء الذي أفضل ما يكون في آخر بالنهار، فإذا صام ضيع مقصوداً عظيماً في يوم عرفة، وهو النشاط للدعاء في آخر اليوم.
فالصواب خلاف ما عليه الأصحاب في هذه المسألة من الوجهين.
مسألة: ابتداء جواز صيامها، أي الثلاثة من حين أن يحرم بالعمرة.
فإن قال قائل: كيف يجوز أن يصومها من حين إحرامه بالعمرة، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {فِي الْحَجِّ}؟
قلنا: يجوز لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «دخلت العمرة في الحج» (3)
__________
(1) أخرجه أحمد (2/304)؛ وأبو داود في الصيام/ باب في صوم يوم عرفة بعرفة (2440)؛ وابن ماجه في الصيام/ باب صيام يوم عرفة (1732) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وفيه مهدي العبدي الهجري مجهول، وقال العقيلي: «لا يصح عنه ـ أي: عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ النهي عن صيامه»، انظر: «التلخيص» (929).
(2) أخرجه البخاري في الصوم/ باب صوم يوم عرفة (1988)؛ ومسلم في الصوم/ باب استحباب الفطر للحاج (1123)، عن أم الفضل بنت الحارث ـ رضي الله عنها ـ.
(3) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر رضي الله عنه.
فعلى هذا يبتدئ صومها من حين أن يحرم بالعمرة، وآخر وقت الصيام: آخر يوم من أيام التشريق.
والذي يظهر لي من حديث ابن عمر، وعائشة ـ رضي الله عنهم ـ: أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يصومونها في أيام التشريق، لقول عائشة وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي» (1) ، فظاهر هذا النص أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صومٌ لها في أيام الحج؛ لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها رمي الجمرات في الحادي عشر والثاني عشر وكذلك الثالث عشر، فلو ذهب ذاهب إلى أن الأفضل أن تصام الأيام الثلاثة في أيام التشريق، لكان أقرب إلى الصواب.
وهل يشترط أن تكون متتابعة؟
الجواب: إن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق، لزم أن تكون متتابعة ضرورة أنه لا يصومها في أيام الحج إلا متتابعة، لأنه لم يبق من أيام الحج إلا ثلاثة، ولا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق.
أما إذا صامها قبل أيام التشريق، فيجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة، وذلك بناء على القاعدة العامة الأصولية الحديثية وهي «أن الواجب إطلاق ما أطلقه الله ورسوله، وتقييد ما قيده الله
__________
(1) أخرجه البخاري في الصوم/ باب صيام أيام التشريق (1997، 1998).
ورسوله»، فالله ـ عزّ وجل ـ أطلق {ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] ولم يقيدها بكونها متتابعة، وإذا لم يقيدها الله، فإن تقييدها تضييق على عباد الله في شريعة الله، وإذا كان ليس لنا الحق أن نطلق ما قيده الله، فليس لنا الحق ـ أيضاً ـ أن نقيد ما أطلقه الله، بل تقييد ما أطلقه الله أشد من إطلاق ما قيده الله؛ لأن تقييد ما أطلقه الله مخالف لمقاصد الدين الإسلامي، وهو التيسير والتسهيل، فإن المطلق أسهل من المقيد.
وعلى هذا فنقول: يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة، ما لم يكن تتابعها من ضرورة صومها في الحج، وذلك إذا صامها في أيام التشريق فهنا لا بد أن تكون متتابعة.
ونظير ذلك قضاء رمضان فيجوز قضاء رمضان متتابعاً ومتفرقاً، لكن إذا بقي من شعبان مقدار ما عليه من رمضان وجب التتابع، ضرورة أنه لا يمكن تأخيره إلى ما بعد رمضان الثاني.
مسألة: من أخر صيام ثلاثة الأيام التي في الحج حتى انتهى حجه لغير عذر، فهل تلزمه الفدية؟ الصحيح لا تلزمه، وعجباً لأمر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن يقولوا تلزمه الفدية، وهو أصلاً ما عنده فدية وهو أيضاً لما عدم الهدي صار الصيام واجباً في حقه، فنقول: إنه يجب أن يكون في الحج وإذا تأخر ولا سيما إذا كان لعذر فإنه يقضى كرمضان.
وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ إِلى أَهْلِهِ .................
قوله: «وسبعة إذا رجع إلى أهله» ، أي: إلى بلده لقوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] والآية لم تقيد الرجوع بالرجوع إلى الأهل، ولكن المفسرين فسروها بذلك إذا رجعتم
إلى أهلكم، وجاءت بذلك الآثار (1) أن المراد الرجوع إلى الأهل، ولكن مع ذلك قال كثير من العلماء: لو صامها بعد فراغ أعمال الحج كلها فلا بأس؛ لأنه جاز له الرجوع إلى الأهل فجاز له صومها.
وَالمُحْصَرُ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدياً صَامَ عَشَرَةً ثُمَّ حَلَّ وَيَجِبُ بِوَطْءٍ فِي فَرْجٍ فِي الحَجِّ بَدَنَةٌ، وَفِي العُمْرةِ شَاة. وَإِنْ طَاوَعَتْهُ زَوْجَتُهُ لَزِمَهَا.
قوله: «والمحصر إذا لم يجد هدياً صام عشرة» ، المؤلف ـ رحمه الله ـ طوى ذكر التصريح بالهدي مع أنه موجود بنص القرآن، ففهم وجوب الهدي من كلام المؤلف، لا بالتصريح لكن باللازم؛ لقوله: «إذا لم يجد هدياً» ، فالمحصر يجب عليه الهدي بنص القرآن، قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] {أُحْصِرْتُمْ}، أي: منعتم من إتمام النسك الحج أو العمرة، {فَمَا اسْتَيْسَرَ} «ما» هذه موصولة إعرابها مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير فعليكم، فإذا أحصر الإنسان ومنع من إتمام نسكه، فعليه ما استيسر من الهدي.
والمراد الهدي الشرعي المعروف، بأن يكون من بهيمة الأنعام، وبالغاً للسن المقدر شرعاً، وسليماً من العيوب المانعة من الإجزاء.
مسألة: أين يذبح الهدي ومتى؟
يذبحه عند الإحصار، وفي مكان الإحصار، ودليل ذلك
__________
(1) كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله».
أخرجه البخاري في الحج/ باب من ساق البدن (1691)؛ ومسلم في الحج/ باب وجوب الدم على المتمتع (1227) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، وقد ساق النبي صلّى الله عليه وسلّم الهدي معه في عمرة الحديبية (1) ، ولكن منعه المشركون أنفة وحميَّة جاهلية، أن يدخل مكة، وهو أولى بها منهم، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34] مع أنه لو جاء رجل مشرك من أقصى مكان ومن أبعد العرب عن بني هاشم أو قريش لفتحوا له الأبواب، ولكن الله ـ عزّ وجل ـ سلط رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عليهم ففتحها عنوة بالسيف، ولولا أنه قال: «من دخل البيت فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (2) ، لقتلهم الصحابة في الأسواق.
مسألة: وهل عليه حلق؟
الجواب: ظاهر كلام المؤلف أنه لا حلق عليه، لكن السنة دلت على وجوب الحلق؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهم أن يحلقوا، فتمنَّعوا رجاء ألا ينفذ النبي صلّى الله عليه وسلّم الصلح الذي جرى بينه وبين قريش؛ لأن ظاهره الغضاضة على المسلمين؛ لأن من جملة الشروط أن من جاء منهم مسلماً وجب على المسلمين رده، ومن ذهب من المسلمين إليهم لم يجب عليهم رده، وهذا شرط فيه غضاضة عظيمة على المسلمين، ولهذا عارض من عارض من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ومن جملتهم عمر
__________
(1) أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب (2731) (2732) عن المسور بن مخرمة ومروان ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه مسلم في الجهاد/ باب فتح مكة (1780) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، قال: «يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنيَّة في ديننا؟
قال: يا عمر إني رسول الله، ولست عاصيه وهو ناصري»، انظر إلى ثقة النبي صلّى الله عليه وسلّم بالله ـ عزّ وجل ـ حيث قال: وهو ناصري؛ لأن الله تكفل بنصر من أطاعه، فذهب عمر إلى أبي بكر ليساعده على رسول الله فيكون معه، ولكن كان جواب أبي بكر كجواب الرسول صلّى الله عليه وسلّم سواء.
ومن هنا نعرف أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ أقرب إلى إصابة الصواب من عمر ـ رضي الله عنه ـ؛ لأنه وافق الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في هذا وحصل ما حصل، فكانت النتيجة أن يحلوا من عمرتهم بدل: لبيك اللهم لبيك، فانقطعت التلبية وأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقصروا ولكنهم أبوا رجاء لتغيير الرأي، وليس عصياناً، ـ رضي الله عنهم ـ.
فدخل الرسول صلّى الله عليه وسلّم على أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ وكانت امرأة عاقلة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، ففعل ثم قاموا ففعلوا مثل فعله، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمًّا (1) ، انظر كيف كان الاقتداء بالفعل أعظم من الاقتداء بالقول.
ففي هذا الحديث دليل على وجوب الحلق، وإن لم يكن
__________
(1) سبق تخريجه ص(181).
مذكوراً في القرآن، لكن جاءت به السنة، والسنة تكمل القرآن.
وقوله: «صام عشرة ثم حل» يقتضي وجوب الصوم وأنه لا يحل حتى يصوم العشرة ثم يحل، ودليلهم في ذلك القياس على التمتع؛ لأن كلًّا منهما ترفه بالتحلل من الإحرام.
لكن هذا القياس قياس مع الفارق ومخالف لظاهر النص.
ووجه ذلك أن الحكمين في آية واحدة، حكم الإحصار وحكم التمتع، ومنزل الآية واحد، وعالم بالأحكام ـ جل وعلا ـ، قال في التمتع: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} [البقرة: 196] ، وقال في الإحصار: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ} [البقرة: 196] فانتقل إلى حكم آخر ولم يذكر الصوم.
ولو كان الحكم واحداً، فهل يذكر الله ـ عزّ وجل ـ البدل في التمتع ولا يذكره في الإحصار؟!
الجواب: لا يمكن؛ لأنه لما سكت الله ـ عزّ وجل ـ عن الصيام في الإحصار، وأوجبه في التمتع لمن عدم الهدي، دل على أن من لم يجد الهدي من المحصرين، فليس عليه شيء فيحل بدون شيء.
ثم إن الظاهر من حال كثير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم فقراء، ولم ينقل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة، وفي كفارة القتل أوجب الله عتق الرقبة، وقال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] ذكر خصلتين فقط، وفي كفارة الظهار أوجب الله ـ عزّ وجل ـ عتق الرقبة فقال: {فَمَنْ
لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] ، فذكر ثلاث خصال ولم يقيسوا كفارة القتل على كفارة الظهار، في وجوب الإطعام على من لم يستطع الصوم، مع أنهما في آيتين متباينتين متباعدتين، وقالوا: لو كان الإطعام واجباً إذا لم يستطع الصوم، لذكره الله كما ذكره في آية الظهار.
فنقول هنا: لو كان الصيام واجباً على من عدم الهدي في الإحصار لذكره الله، وهذا وجه كونه مخالفاً للنص.
أما كونه مخالفاً للقياس، فنقول: بينهما فرق عظيم، فالمتمتع ترفه بالتحلل من العمرة، لكن حصل له مقصوده بالحج، والمحصر لم يحصل له مقصوده، فكيف يقاس من حصل له مقصوده على وجه التمام، بمن لم يحصل له مقصوده، فالمتمتع وجب عليه الهدي، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لكمال النعمة، بخلاف المحصر فإن منزلته منزلة العفو.
فظهر بذلك الفرق بينهما، وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر.
وعلى هذا نقول: المحصر يلزمه الهدي إن قدر، وإلا فلا شيء عليه.
قوله: «ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة، وفي العمرة شاة» ، مراده قبل التحلل الأول في الحج.
وقوله: «بوطء» الباء للسببية، والوطء: الجماع في الفرج، لا بين الفخذين، فيجب في الحج بدنة إذا كان قبل التحلل
الأول، فإن لم يجد بدنة، ووجد سبع شياه أجزأ، فإذا لم يجد شيئاً لا سبع شياه ولا بدنة، فإنهم قالوا: يصوم عشرة أيام، وهذا قول لا دليل عليه، فنقول: إذا لم يجد سقط عنه كسائر الواجبات.
وفي العمرة شاة حكمها كفدية الأذى؛ لأنها حج أصغر؛ ولأن كل ما أوجب شاة من المحظورات، ففيه فدية أذى سوى الصيد، وأكثر المحظورات فيها فدية أذى، والجماع بعد التحلل الأول يوجب شاة، ففديته فدية أذى، والمباشرة بدون إنزال فيها فدية، والإنزال على القول الصحيح فيه فدية أذى في الحج والعمرة.
والذي صحت فيه الفدية ثلاثة أشياء:
الأول: حلق شعر الرأس.
الثاني: جزاء الصيد.
الثالث: الجماع، صح عن الصحابة.
والباقي ذكر بالقياس وذكرنا أن بعض الأقيسة لا تصح وحينئذٍ نذكر قاعدة مهمة جداً، أولاً: أنه لا واجب إلا ما أوجب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم. ثانياً: أنه لا يجوز استحلال أموال المعصومين إلا بدليل، فلا نقول لهم: يجب أن تخرجوا شيئاً من أموالكم إلا بدليل، هذا هو الأصل، ولكن ذكرت أنه من باب التربية والتوجيه ينبغي ألا تخرج عما كان عليه جمهور العلماء بالنسبة للإفتاء العام، أما بالنسبة للعلم كعلمٍ نظري، فلا بد أن يبين الحق، وكذلك لو فرض أن شخصاً معيناً استفتاك في مسألة
ترى فيها خلاف ما يراه جمهور الفقهاء، فلا بأس أن تفتيه ما دمت تثق أن الرجل عنده احترام لشرع الله، فهنا يفرق بين الفتوى العامة والفتوى الخاصة وبين العلم النظري والعلم التربوي، وقد كان بعض أهل العلم يفتي في بعض المسائل سراً كمسألة الطلاق الثلاث كجد شيخ الإسلام أبي البركات، وهذه طريقة العلماء الربانيين الذين يربون الناس حتى يلتزموا بشريعة الله.
قوله: «وإن طاوعته زوجته لزمها» ، وفي نسخة: «لزماها» ، أي وافقته على الجماع في الحج، أو في العمرة لزماها، أي: البدنة في الحج والشاة في العمرة، أو لزمها، أي: لزمها الحكم.
وإن أكرهها، فظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكرهها لا يلزمها ذلك، وهل يلزم الزوج أن يكفر عن زوجته؛ لأنه أكرهها أو لا؟
الجواب: في المسألة قولان.
المذهب: لا فدية على مكرهة، ولا على من أكرهها؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] ، وقوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النحل: 106] .
والقول الثاني: أن على مكرهها الفدية، والظاهر القول الأول.
وهل يفسد حجها؟
الجواب: لا؛ لأنها مكرهة.
مسألة: قال في الروض: «والدم الواجب لفوات، أو ترك واجب كمتعة» ، أي: كدم المتعة.
والفوات أن يطلع فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة، فيفوته الحج، ويلزمه دم لفواته إذا لم يكن اشترط، وكذا الدم الواجب لترك واجب إذا عدمه يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.
مثاله: لو ترك رمي الجمرات فيلزمه دم، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ والعلة القياس على دم المتعة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن هناك فرقاً بين دم المتعة، وبين ترك الواجب.
فالدم الواجب لترك الواجب دم جبران للنقص، والدم الواجب للمتعة والقران دم شكران للتمام، فكيف نقيس هذا على هذا؟
لعلنا لا نعارض في وجوب الدم على من ترك الواجب، بمعنى عسى أن نلزمه بالدم؛ لأنه لا دليل على إيجاب الدم على من ترك الواجب إلا أثر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «من نسي شيئاً من نسكه، أو تركه فليهرق دماً» (1) ، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يرد عنه أن من ترك واجباً فعليه دم.
لكن هذا الأثر تلقاه العلماء بالقبول، وقالوا: من ترك شيئاً من نسكه فعليه دم، مع أنهم لا يقولون بإطلاقه، ولو قلنا بإطلاقه، لقلنا من ترك الاضطباع فعليه دم، ومن ترك صلاة ركعتين خلف المقام فعليه دم، ومن ترك الوقوف عند المشعر الحرام حتى يسفر فعليه دم، فيحملونه على من ترك شيئاً من نسكه الواجب أو نسيه.
قالوا: وله، ـ أي: لأثر ابن عباس ـ حكم الرفع، ولكن قد يقال: هذا ليس له حكم الرفع؛ لأن ما يثبت له حكم الرفع ما قاله الصحابي وليس للرأي فيه مجال، وهنا ربما يكون للرأي فيه مجال، فربما يرى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، أنه إذا كان انتهاك النسك بفعل المحظور موجباً للدم، فانتهاك النسك بترك المأمور مثله، فيكون للرأي فيه مجال.
فلا يستقيم الاستدلال به على وجوب الدم بترك الواجب، أو صيام عشرة أيام على من عدمه.
__________
(1) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/419)، والدارقطني (2/244)، والبيهقي (5/30)، موقوفاً، وقال في التعليق المغني: «رواته كلهم ثقات»، وقال ابن حجر في «التلخيص» (972): «وأما المرفوع فقد رواه ابن حزم... وأعله بعلي بن أحمد المقدسي، وشيخه أحمد بن علي بن سهل المروزي... وقال: هما مجهولان».
والذي يظهر لي أن من ترك واجباً فعليه دم احتياطاً واستصلاحاً للناس؛ لأن كثيراً منهم قد يتساهل إذا لم يكن عليه شيء، فإن لم يجد فليس عليه شيء؛ لأن الإيجاب على العباد ليس هيناً، فإيجاب ما لم يجب كتحريم ما لم يحرم، بل قد يكون أشد؛ لأنك تشغل ذمة العبد بما أوجبت بلا دليل.
فهذه قاعدة ينبغي أن تكون على بال طالب العلم: «أن الإيجاب بلا دليل كالتحريم بلا دليل».
فَصْلٌ
وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوراً مَنْ جِنْسٍ، وَلَمْ يَفْدِ فَدَى مَرَّةً بِخِلاَفِ صَيْدٍ، وَمَنْ فَعَلَ مَحْظُوراً مِن أجْنَاسٍ فَدَى لِكُلٍّ مَرَّةً رَفَضَ إِحْرَامَه أَوْ لاَ.
قوله: «ومن كرر محظوراً من جنس، ولم يفد فدى مرة» ، أي: إذا كرر الإنسان المحظور من جنس واحد، ففعله أكثر من مرة ولم يفد، فإنه يفدي مرة واحدة، لكن بشرط ألا يؤخر الفدية؛ لئلا تتكرر عليه، بحيث يفعل المحظور مرة أخرى، فيعاقب بنقيض قصده، لئلا يتحيل على إسقاط الواجب.
مثاله: أن يقلم مرتين، أو يلبس مخيطاً مرتين، أو يحلق مرتين، أو يباشر مرتين أو أكثر وهو من جنس واحد، فإن عليه فدية واحدة إذا لم يفد، قياساً على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد فيكفيه وضوءٌ واحد.
وعليه لو لبس وغطى رأسه ففديتان؛ لأن تغطية الرأس من جنس، واللبس من جنس آخر، ولو لبس عمامة بقصد اللبس فهنا يمكن أن نجعلها مع لبس القميص شيئاً واحداً.
وإذا قلم ظفر يد وظفر رجل فشيء واحد، وإن تعدد المحل كما لو لبس خفين وسراويل وقميصاً، فإنها شيء واحد، وكما لو طيب يده ورأسه وصدره فإنه شيء واحد، أي: إن تعدد المحل لا يؤثر شيئاً ما دام الجنس واحداً.
وقوله: «ولم يفد» علم من كلامه أنه لو فدى عن الأول فدى عن الثاني؛ لأن الأول انتهى، وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني محظوراً جديداً.
قوله: «بخلاف صيد» ، أي: فإن جزاءه يتعدد بعدده، ولو
برمية واحدة، فإذا رمى رمية واحدة وأصاب خمس حمامات، فإن عليه خمس شياه، فلا يقال إن الفعل واحد والمحظور واحد؛ لأن الله اشترط في جزاء الصيد أن يكون مثله، والمماثلة تشمل الكمية والكيفية، فلو قدرنا أنه فدى بشاة واحدة عن خمس لم يكن فدى بمثلها، وهذا وجه استثناء الصيد.
قوله: «ومن فعل محظوراً من أجناس فدى لكل مرة» ، مثاله: أن يلبس القميص، ويطيب رأسه، ويحلق، ويقلم، هذه أربعة أجناس، فعليه أربع فدى، مع أن موجَبها واحد، وهو: ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، ومع ذلك نقول: عليه لكل واحد فدية، وهذه المسألة:
أولاً: معلوم أن في إيجاب الفدية في غير ما ورد به النص نظراً.
ثانياً: أن القاعدة الشرعية في هذا أنه إذا كان الموجَبُ واحداً فلا يضر اختلاف الأجناس، ولذلك لو أحدث رجل ببول وغائط وريح وأكل لحم إبل ومس ذكر لشهوة، فهذه خمسة موجِبات فهل نقول: توضأ خمس مرات؟ لا؛ لأن الموجَبَ واحد، فالقاعدة: أنه إذا كان الموجَبُ واحداً، فلا تتكرر الكفارة أو الفدية، لكن لعل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قالوا: احتراماً للإحرام والنسك وتعظيماً لشعائر الله نلزمه عن كل جنس بكفارة.
قوله: «رفض إحرامه أو لا» ، أي: سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام، ونوى الخروج أم لا، فلا تسقط الفدية.
وأشار إليه المؤلف؛ لأن بعض العلماء قال: إذا رفض إحرامه ارتفض وحل.
والصحيح ما قاله المؤلف، وأن الإنسان يبقى على إحرامه ولو رفضه، اللهم إلا أن يكون غير مكلف، كالصغير فإن الصغير إذا رفض إحرامه حل منه، لأنه ليس أهلاً للإيجاب.
وقوله: «رفض إحرامه أو لا» ، ظاهره أنه لا شيء عليه برفضه، وأن وجود هذا الرفض وعدمه على حد سواء، وهذا هو الصحيح.
وقال بعض العلماء: يلزمه لرفضه دم؛ لأنه يحرم عليه أن يخرج من النسك بعد أن تلبس به، فإذا رفضه وحاول الخروج، فهذا وقوع في محظور فيلزمه الدم.
مسألة: رجل أحرم بالعمرة، ثم رفض الإحرام، وفعل المحظور، هل يفدي أو لا؟
الجواب: يفدي؛ لأن رفضه للإحرام وقطعه النية لا أثر له فيبقى حكم الإحرام في حقه، إذ إنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور وهي:
الأول: إتمام النسك.
الثاني: التحلل إن شرط، ووجد الشرط.
الثالث: الحصر.
مسألة: رجل صائم فرفض صومه، وشرب، نقول: بطل صومه في رمضان وغير رمضان، لكن في رمضان يلزمه الإمساك فلا يحل له أن يأكل ويشرب؛ لأنه أفطر بغير عذر.
وهذا مما اختص به الحج من بين سائر العبادات، فسائر العبادات إذا رفضها خرج منها، أما الحج فلا.
وَيَسْقُطُ بِنِسْيَانٍ فِدْيَةُ لُبْسٍ وطِيبٍ وتَغْطِيْةِ رَأْسٍ،..........
قوله: «ويسقط بنسيان فدية لبس وطيب وتغطية رأس» المحظورات تنقسم باعتبار سقوطها بالعذر إلى قسمين:
الأول: تسقط فديته بالعذر.
الثاني: لا تسقط فديته بالعذر.
يقول المؤلف: «ويسقط بنسيان» ومثله الجهل والإكراه، أي: لو أن الإنسان نسي فلبس ثوباً وهو محرم، فليس عليه شيء، ولكن عليه متى ذكر أن يخلعه ويلبس الإزار والرداء، وكذلك الطيب فلو تطيب وهو محرم ناسياً فلا شيء عليه، لكن عليه إذا ذكر أن يبادر بغسله، وفي حال غسله إياه لا شيء عليه، مع أنه سيباشره؛ لأن هذه المباشرة للتخلص منه لا لإقراره، والتحرك في الشيء للتخلص منه لا يعتبر حراماً، أرأيت لو أن شخصاً غصب أرضاً وسكن فيها، ثم جاءه رجل ووعظه فخرج، فمدة مشيه في هذه الأرض للخروج لا يؤاخذ به؛ لأنه إنما تحرك للتخلص.
لكن لو قام يتمشى في الأرض مطمئناً، فإنه يأثم بذلك؛ لأنه لم يحاول التخلص.
ومثل ذلك استنجاء الرجل، ومباشرته النجاسة بيده فإنه لا يذم عليه؛ لأنه إنما فعل ذلك للتخلص منها.
ومثله تغطية الرأس إذا نسي ولبس قميصاً، فإنه يخلعه من أعلى وإن غطى رأسه؛ لأن هذه التغطية عابرة للتخلص من هذا اللباس.
وقال بعض العلماء: يوسع الجيب وينزله من أسفل، لكن الصحيح ما ذكرنا.
ولو غطى رأسه ناسياً وهو محرم فلا شيء عليه، لكن متى ذكر وجب عليه كشفه، ولو أن إنساناً وهو نائم غطى رأسه فلا فدية عليه؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لكن متى استيقظ وجب عليه كشفه.
والدليل على سقوط هذه الأشياء، بالنسيان، والجهل، والإكراه ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، فقال الله: «قد فعلت» (1) .
ثانياً: قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] .
ثالثاً: قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [النحل: 106] ، فالكفر إذا كان يسقط موجبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى.
رابعاً: من السنة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (2) .
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق (126) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه ابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق المكره والناسي (2043) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ، وعن ابن عباس (2045) بلفظ: وضع، وصححه ابن حبان (7219).
خامساً: التعليل أن هذا لم يتعمد المخالفة، فلا يعد عاصياً، وإذا لم يكن عاصياً لم يترتب عليه الإثم ولا الفدية.
دُونَ وَطْءٍ وَصَيْدٍ وَتَقْلِيمٍ ................
قوله: «دون وطء» ، أي: أنه لا تسقط الفدية إذا وطئ ناسياً، وكذلك إن وطئ جاهلاً، أو وطئ مكرهاً (1) ، وهذا وما بعده هو القسم الذي لا يسقط بالعذر.
وتعليل ذلك أنه يبعد أن ينسى فيطأ، ولا سيما، وأن عليه لباس الإحرام، وإذا قدر أنه نسي ذكرته زوجته.
فيقال في الجواب على هذا: إن النسيان وصف مسقط لحكم المحظور، وإذا كان كذلك فسواء، بَعُد أم لم يَبْعُد.
وكذلك الجهل إذا جامع جاهلاً لزمه ما يلزم العالم؛ لأن الجماع يتضمن إتلافاً حيث تزول به البكارة، والإتلاف يستوي فيه الجاهل والعالم، فيقال: الجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أنه لا يلزم أن يكون الجماع جماع بكر، فإنه لا فرق بين البكر وغيرها في تحريم الوطء في الإحرام.
الثاني: أن ضمان البكارة حق للآدمي، قالوا وإن كانت الموطوءة ثيباً وجب المهر، والجواب أن المهر حق للموطوءة فهو حق آدمي، وأما الجماع في الإحرام فهو حق لله تعالى وقد أسقطه عن عباده بالجهل، فكيف نلزم عباد الله بما أسقطه الله عنهم؟!
وكذا الإكراه: فلو أكره الرجل على أن يجامع زوجته لم تسقط الفدية، فإذا كان قبل التحلل الأول يلزمه خمسة أحكام:
__________
(1) وهذا هو المذهب إلا إذا كانت المرأة مكرهة.
البدنة، والقضاء، وفساد النسك، والمضي فيه، والإثم.
وعللوا أن الإكراه على الجماع لا يمكن؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار؛ ولا انتشار مع إكراه، ولكن هذا التعليل عليل، لأن من قال لا انتشار مع الإكراه، فجوابه بالمنع فلو أجبرته زوجته، وهي شابة، محبوبة إليه وقالت: إما إن تفعل، وإلا قتلتك، فهو بين أمرين، إما أن يدعها ويمكن أن تنفذ تهديدها، وإما أن يجامع في هذه الحال، وإذا دنا منها مهما كان الأمر سوف ينتشر، فالقول بأنه لا جماع مع إكراه غير صحيح.
فالوطء بلا شك يمكن أن يكون مع الإكراه، ومع ذلك يقولون: لا تسقط الفدية فيه.
قوله: «وصيد» يعني أن قتل الصيد لا يعذر فيه بالنسيان، وكذلك لا يعذر فيه بالجهل، ولا بالإكراه (1) قالوا: لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد وغيره.
فنقول: ـ سبحان الله ـ الحاكم في عباده وبين عباده يقول: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، ونحن نقول من قتله متعمداً وغير متعمدٍ، فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم، هذا لا يمكن!
و«متعمداً» وصف مناسب للحكم، فوجب أن يكون معتبراً؛ لأن الأوصاف التي علقت بها الأحكام إذا تبين مناسبتها لها صارت علة موجبة، يوجد الحكم بوجودها وينتفي بانتفائها، وإلا لم يكن للوصف فائدة.
__________
(1) وهذا هو المذهب.
فالآية نص في الموضوع مؤيدة بقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .
والجواب: عن تعليلهم أن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي، أما ما كان في حق الله ـ عزّ وجل ـ الذي أسقطه تفضلاً منه وكرماً، فإذا كان الله قد أسقطه فكيف نلزم العباد به؟
مثال النسيان: محرم رأى الصيد، وكان مشغوفاً بالصيد، فنسي فأخذ البندقية ورمى الصيد، فعلى المذهب عليه الفدية.
مثال الجهل: محرم وقف بعرفة فسمع أن الحج عرفة، فلما كان في صباح العيد قبل أن يرمي وجد صيداً من الطيور أو الظباء أو غيرها فصاده، فهذا جاهل وعليه الجزاء، على المذهب.
مثال المكره: محرم عند سيده، فقال له سيده: انظر الصيد، فقال: أنا محرم، قال: إما أن تفعل، وإما أن أفعل بك كذا، فأكرهه فصاد، فعليه الجزاء على المذهب.
والصحيح في هذه المسائل كلها أنه لا جزاء عليه.
قوله: «وتقليم» ، أي أن تقليم الأظفار لا يسقط بنسيان، وكذلك لا بجهل، ولا بإكراه (1) ؛ والعلة أن فيه إتلافاً.
فيقال: ألستم تقولون: إن تقليم الأظفار حرام على المحرم؛ لأنه من باب الترفه، والطيب واللباس ترفه، ومع ذلك لا تعذرونه بالجهل والنسيان والإكراه في التقليم، وتعذرونه بذلك في اللباس
__________
(1) وهذا هو المذهب.
والطيب، مع أن الترفه بالطيب أقوى ترفهاً وقد سقطت فديته بالنسيان، فهذا من باب أولى.
قالوا: هناك فرق، والفرق أن تقليم الأظفار فيه إتلاف.
فيقال لهم: وهل هذا إتلاف مطلوب؛ أو محظور في غير الإحرام؟
الجواب: هو مطلوب، إذن لا قيمة له شرعاً، ولا عرفاً، ولا أحد يجمع أظفاره ليبيعها، بل تقليمها إتلاف مشروع لولا الإحرام.
وَحِلاقٍ................
قوله: «وحلاق» ، يعني أن فدية الحلق لا تسقط بالنسيان وكذلك الجهل والإكراه؛ والعلة في ذلك هو أنه إتلاف، ولكن نقول: إنه إتلاف ما لا قيمة له شرعاً ولا عرفاً.
فتبين بهذا ضعف هذا القول، أعني القول بأن فدية الحلق وتقليم الأظفار وقتل الصيد لا تسقط بالنسيان والجهل والإكراه، لأن أعظم الإتلافات إتلاف الصيد، ومع ذلك قيد الله ـ سبحانه وتعالى ـ وجوب الجزاء فيه بالتعمد.
والراجح أن فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاثة أقسام، والمراد هنا المحظورات التي فيها فدية، وأما التي ليس فيها فدية كعقد النكاح، فهذا لا يدخل في هذا التقسيم:
الأول: أن يفعلها بلا عذر شرعي ولا حاجة، فهذا آثم، ويلزمه ما يترتب على المحظور الذي فعله على حسب ما سبق بيانه.
الثاني: أن يفعله لحاجة متعمداً، فعليه ما يترتب على فعل
ذلك المحظور، ولكن لا إثم عليه للحاجة، ومنه حلق شعر الرأس لدفع الأذى كما نص الله عليه في القرآن، فقال ـ تعالى ـ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
ومثله أيضاً لو احتاج المحرم إلى لبس المخيط، لبرد شديد فيلبس الفانيلة أو القميص، وعليه الفدية، وهذا نادر لكن ربما يوجد.
ومن الحاجة، حاجة الجنود إلى اللباس الرسمي فهي حاجة تتعلق بها مصالح الحجيج جميعاً؛ إذ لو عمل الجندي بدون اللباس الرسمي لما أطاعه الناس، وصار في الأمر فوضى، ولكن إذا كان عليه لباسه الرسمي صار له هيبة.
ولكن هل عليه الفدية أو لا؟ أي: أن جواز اللباس، ليس عندنا فيه ـ إن شاء الله ـ إشكال لدعاء الحاجة أو الضرورة إلى ذلك ولكن هل عليه فدية؟
الجواب: قد نقول: لا فدية عليه؛ لأنه يشتغل بمصالح الحجيج، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أسقط المبيت عن الرعاة (1) والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم، لمصلحة الحجاج، ورخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج (2) ، وسقاية الحجاج أدنى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس، فيحتمل أن لا تجب عليه الفدية، ولا سيما أن
__________
(1) سيأتي تخريجه ص(357).
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى (1634)؛ ومسلم في الحج/ باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق (1315) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
لبس المخيط، ليس فيه نص على وجوب الفدية فيه، فينبني عدم إلزامه بالفدية على أمرين:
الأول: عدم القطع في وجوب الفدية في لبس المخيط.
الثاني: القياس على سقوط الواجب عمن يشتغل بمصلحة الحجاج.
لكن لو قلنا: يفدي احتياطاً لكان أحسن، والفدية سهلة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة.
القسم الثالث: أن يكون معذوراً بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فعلى المذهب التفريق بين المحظورات، فبعضها لا تسقط فديته بالنسيان والجهل والإكراه وهو ما كان إتلافاً، أو بمعنى الإتلاف، وبعضها تسقط وهو ما ليس كذلك وسبق تفصيل ذلك.
والصحيح أن جميعها تسقط، وأن المعذور بجهل أو نسيان أو إكراه لا يترتب على فعله شيء إطلاقاً، لا في الجماع، ولا في الصيد، ولا في التقليم، ولا في لبس المخيط، ولا في أي شيء، وذكرنا فيما سبق الدليل من القرآن، والسنة، والنظر.
وهكذا في جميع المحظورات في العبادات، لا يترتب عليها الحكم، إذا كانت مع الجهل أو النسيان، أو الإكراه؛ لعموم النصوص، ولأن الجزاء، أو الفدية، أو الكفارة إنما شرعت لفداء النفس من المخالفة أو للتكفير عن الذنب، والجاهل أو الناسي أو المكره لم يتعمد المخالفة، ولهذا لو كان ذاكراً أو عالماً أو مختاراً لم يفعل.
فالشرب في رمضان نسياناً ليس فيه قضاء، والدليل حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (1) ، فمن لم يتعمد المخالفة، فليس عاصياً، ولا فدية عليه.
وكذلك عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ : «لما أراد الصيام جعل عقالين أبيض وأسود؛ لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، وكانوا يأخذون الأحكام من القرآن مباشرة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن وسادك لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك» (2) ، فلم يأمره بالإعادة للجهل بالحكم.
وكذلك أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ: «أخبرت أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يأمرهم بالقضاء» (3) ، لجهلهم بالحال.
وكذلك في الصلاة، والدليل أن معاوية بن الحكم ـ رضي الله عنه ـ دخل مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة فعطس رجل، فقال: الحمد لله، قال: يرحمك الله، وهو يصلي، فرماه الناس بأبصارهم، أي ـ نظروا إليه منكرين ـ فقال: واثكل أمياه ـ رضي الله عنه ـ، فزاد الكلام كلاماً آخر، فجعلوا يضربون على
__________
(1) أخرجه البخاري في الصوم/ باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً (1933) ومسلم في الصيام/ باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر (1155).
(2) أخرجه البخاري في التفسير/ باب وكلوا واشربوا... (4509)؛ ومسلم في الصيام/ باب أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر... (1090).
(3) أخرجه البخاري في الصوم/ باب إذا أفطر في رمضان... (1959).
أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما سلم دعاه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، قال معاوية: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن» (1) ، ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه جاهل.
والنصوص الدالة على هذا الأصل، أعني عدم المؤاخذة مع النسيان والجهل والإكراه كثيرة، وهذا من مقتضى قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] ، وقوله في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي» (2) .
وأما ترك الواجبات فلا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه متى أمكن تداركه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (3) ، فلم تسقط عنه بالنسيان، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يسقط الصلاة الحاضرة بالجهل كما في حديث المسيء في صلاته (4) أمره بالإعادة مع أنه جاهل، لأنه ترك مأموراً،
__________
(1) أخرجه مسلم في الصلاة/ باب تحريم الكلام في الصلاة (537).
(2) أخرجه البخاري في التوحيد/ باب ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (7453)؛ ومسلم في التوبة/ باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه (2751) (15) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(3) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة/ باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر (597)؛ ومسلم في الصلاة/ باب قضاء الصلاة الفائتة (684) (315) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ واللفظ لمسلم.
(4) أخرجه البخاري في الأذان/ باب وجوب القراءة للإمام والمأموم والصلوات كلها... (757)؛ ومسلم في الصلاة/ باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
والمأمورات أمور إيجابية لا بد أن تكون، والمنهيات أمور عدمية لا بد أن لا تكون.
ثم إن المأمورات يمكن تداركها بفعلها، لكن المنهيات مضت، لكن إذا كان في أثناء المنهي فيجب التدارك بقطعه، فإن قال قائل: إن قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} عام في ترك المأمور وفعل المحظور، فالجواب أن الأمر كذلك، فتارك المأمور جاهلاً أو ناسياً غير مؤاخذ بالترك، لكن عدم فعله إياه يقتضي إلزامه به متى زال العذر إبراء لذمته.
وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ فَلِمَسَاكِينِ الحَرَمِ ............
.قوله: «وكل هدي» . ذكر المؤلف مكان الهدي، فكل هدي يهديه الإنسان إلى البيت سواء كان هدي تطوع ـ وهدي التطوع أن يهدي هدياً ليس بواجب ـ أو كان واجباً كهدي التمتع والقران، أو كان فدية لترك واجب، وأما فعل المحظور فسيأتي.
قوله: «أو إطعام» ، أي: كل إطعام كإطعام ستة مساكين في فدية الأذى، أو إطعام المساكين في جزاء الصيد، وما أشبه ذلك.
قوله: «فلمساكين الحرم» ، أي: فيصرف إلى مساكين الحرم، وهذا ليس على إطلاقه في كل هدي؛ لأن هدي المتعة والقران هدي شكران، فلا يجب أن يصرف لمساكين الحرم، بل حكمه حكم الأضحية، أي: أنه يأكل منه ويهدي، ويتصدق على مساكين الحرم.
فلو ذبح الإنسان هدي التمتع والقران في مكة، ثم خرج بلحمه إلى الشرائع، أو إلى جدة أو غيرها فلا بأس، لكن يجب أن يتصدق منه على مساكين الحرم.
والهدي الذي لترك واجب يجب أن يتصدق بجميعه على مساكين الحرم.
والهدي الواجب لفعل محظور غير الصيد يجوز أن يوزع في الحرم، وأن يوزع في محل فعل المحظور.
ودليل جوازه في محل المحظور أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ أن يفدي بشاة في محل فعل المحظور (1) ، ولأن هذا الدم وجب لانتهاك النسك في مكان معين، فجاز أن يكون فداؤه في ذلك المكان، وما جاز أن يذبح ويفرق خارج الحرم حيث وجد السبب، فإنه يجوز أن يذبح ويفرق في الحرم، ولا عكس.
ودم الإحصار حيث وجد الإحصار، ولكن لو أراد أن ينقله إلى الحرم فلا بأس.
مسألة: مساكين الحرم، من كان داخل الحرم من الفقراء سواء كان داخل مكة، أو خارج مكة لكنه داخل حدود الحرم، ولا فرق بين أن يكون المساكين من أهل مكة، أو من الآفاقيين، فلو أننا وجدنا حجاجاً فقراء، وذبحنا ما يجب علينا من الهدي وأعطيناه إياهم فلا بأس.
والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر علياً أن يتصدق بلحم الإبل التي أهداها النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يستثن أحداً (2) ، فدل هذا على أن الآفاقي مثل أهل مكة؛ ولأنهم أهل أن يصرف لهم.
__________
(1) سبق تخريجه ص (135).
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب لا يعطي الجزار من الهدي شيئاً (1716)؛ ومسلم في الحج/ باب في الصدقة بلحوم الهدي (1317) عن علي ـ رضي الله عنه ـ.
وهل المراد بالمساكين، الفقراء والمساكين، أو المساكين فقط؟
الجواب: المراد الفقراء والمساكين؛ لأنه إذا جاء لفظ المساكين وحده، أو لفظ الفقراء وحده، فكل واحد منهما يشمل الآخر، وأما إذا جاء لفظ المساكين ولفظ الفقراء، فالفقراء أشد حاجة من المساكين، كما بينا ذلك في كتاب الزكاة.
وَفِدْيَةُ الأَذَى، وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهِمَا، وَدَمُ الإحْصَارِ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ
قوله: «وفدية الأذى» أي: أن فدية الأذى تكون حيث وجد سببها، ولا يجب أن تكون في الحرم.
وفدية الأذى هي: ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، وهي المذكورة في قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}، وسميت فدية أذى؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] .
قوله: «واللبس» ، أي: أن فدية اللبس تكون حيث وجد سببها، وقد سبق أن محظورات الإحرام تنقسم من حيث الفدية إلى أربعة أقسام (1) .
قوله: «ونحوهما» أي: نحو فدية الأذى واللبس، كفدية الطيب وتغطية الرأس، وما أشبه ذلك فتكون حيث وجد سببها.
قوله: «ودم الإحصار حيث وجد سببه» ، الإحصار بمعنى المنع، أي: الدم الذي وجب بالإحصار، وهو المذكور في قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] .
__________
(1) انظر، ص(166).

محب الدعوة
11-01-2011, 01:13 PM
وقوله: «ودم الإحصار». «أل» هنا للعهد الذهني، أي: ما يكون إحصاراً يحل للإنسان أن يتحلل به من نسكه، والإحصار هو حصر العدو فقط على المشهور من المذهب.
وقيل: إن المراد بالحصر كل ما يمنع الإنسان من إتمام نسكه من عدو أو غيره، كضياع النفقة، والمرض، والانكسار أي: انكسار الحاج ـ مثلاً ـ وما أشبه ذلك، وهذا القول هو الأصح وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في الفوات والإحصار.
فدم الإحصار يكون حيث وجد سببه، ومن المعلوم أن الإحصار في الغالب لا يمكن أن يصل إلى الحرم، ولكن ربما يحصر عن دخول مكة، أي: بين حدود الحرم ومكة، فنقول: يذبح حيث وجد سببه، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما حصره المشركون في عمرة الحديبية، أمر بذبح الهدي في المكان (1) ، فذبحوه في المكان، ولا يلزم أن ينقله إلى مكة؛ لأنه محصور عنها.
وقوله: «حيث وجد سببه» «حيث» ظرف مكان، أي: يكون حيث وجد السبب من حل أو حرم، فلو فرض أن الإنسان أحرم من قرن المنازل، وفعل المحظور في الشرائع، والشرائع قبل حدود الحرم، جاز أن يؤدي الفدية في نفس المكان، وكذلك لو أحرم من الحديبية وفعل المحظور في طريقه إلى مكة قبل أن يصل إلى حدود الحرم، فإنه يجوز أن يؤدي الفدية في مكان فعل المحظور، ويجوز أن ينقلها إلى الحرم؛ لأن ما جاز في الحل
__________
(1) سبق تخريجه ص(181).
جاز في الحرم، ويستثنى من فعل المحظور جزاء الصيد، فإن جزاء الصيد لا بد أن يبلغ إلى الحرم؛ لقول الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إلى أن قال: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] .
وهل المراد في الحرم ذبحاً وتفريقاً أو ذبحاً فقط، أو تفريقاً فقط؟
الجواب: المراد ذبحاً وتفريقاً، فما وجب في الحرم، وجب أن يذبح في الحرم، وأن يفرق ما يجب تفريقه منه في الحرم، وعلى هذا فمن ذبح في عرفة لترك واجب ووزعه في منى، أو في مكة فإنه لا يجزئه؛ لأنه خالف في مكان الذبح، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ، وعلى هذا فيلزمه ذبح مثله في الحرم وتفريقه فيه.
ولو ذبحه في منى وفرقه في عرفة، والطائف، والشرائع، أو غيرها من الحل، لم يجزئ؛ لأنه لا بد أن يكون لمساكين الحرم وعلى هذا فيضمن اللحم بمثله لمساكين الحرم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لو ذبحه خارج الحرم، وفرقه في الحرم أجزأه؛ لأن المقصود نفع فقراء الحرم وقد حصل، وهذا وجه للشافعية.
ولا ينبغي الإفتاء به إلا عند الضرورة، كما لو فعل ذلك أناس يجهلون الحكم، ثم جاءوا يسألون بعد فوات وقت الذبح، أو كانوا فقراء فحينئذ ربما يسع الإنسان أن يفتي بهذا القول.
__________
(1) سبق تخريجه ص(158).
وَيُجزِئُ الصَّوْمُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَالدَّمُ شاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ وتُجْزِيء عَنْهَا بَقَرةٌ.
قوله: «ويجزئ الصوم بكل مكان» ، وذلك لأن الصوم لا يتعلق بنفع أحد فيجزئ في كل مكان، ولكن يجب أن يلاحظ مسألة قد تمنع من أن نصوم في كل مكان، وهو أن الكفارات تجب على الفور، إلا ما نص الشرع فيها على التراخي، فإذا كان يجب على الفور وتأخر سفره مثلاً إلى بلده، لزمه أن يصوم في مكة.
مثاله: رجل لزمته فدية الأذى وهي صيام، أو صدقة، أو نسك، فاختار الصيام، فهل نقول: لك أن تؤخره حتى ترجع إلى بلدك؟
الجواب نقول: لو أخرته فأنت آثم، ويجزئ، لكن بادر؛ لأن إخراج الكفارة واجب على الفور، كإخراج الزكاة.
قوله: «والدم شاة» أي: إذا أطلق الدم في كلام الفقهاء فالمراد من ذلك واحد من ثلاثة أمور:
الأول: شاة، والشاة إذا أطلقت في لسان الفقهاء، فهي للذكر والأنثى من الضأن والمعز، فالتيس شاة، والخروف شاة، والشاة الأنثى شاة، والعنز شاة.
قوله: «أو سبع بدنة» وهذا هو الثاني مما مراد بالدم، أي: واحد من سبعة من البدنة، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة: «انسك شاة» (1) ، وجعل البعير يشترك فيها سبعة أشخاص، كما قال جابر ـ رضي الله عنه ـ: «نحرنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (2) ، بشرط أن ينويه
__________
(1) سبق تخريجه ص(135).
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز الاشتراك في الهدي (1318).
قبل ذبحها، فإن جاء إلى بدنة مذبوحة، واشترى سبعها ونواه عن الشاة، فإنه لا يجزئ؛ لأنه صار لحماً، ولا بد في الفدية أن تذبح بنية الفدية.
وقوله: «سبع بدنة» ظاهره أنه يجزئ ولو كان شريكه يريد اللحم وهو كذلك، فلو اتفق إنسان مع جزار على أن يشتري سبع البعير التي يريد أن ينحرها، ونواه المشتري عن شاة واجبة في فدية أذى أجزأ.
قوله: «وتجزئ عنها بقرة» أي: تجزئ عن البدنة بقرة، وهذا هو الثالث مما يراد بالدم، والبدنة هي البعير، قال تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}، وهذا لا يكون إلا في الإبل، والبقرة تجزئ عن البدنة، فسبع البدنة والبقرة سواء، مع أنك لو نظرت إلى كبر الجسم، وكثرة اللحم لرأيت أن البدنة أكبر وأكثر نفعاً، لكن هذه مسائل تعبدية لا يرجع فيها إلى القيمة التي بين الناس؛ لقول الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}.
وقوله: «وتجزئ عنها بقرة» ظاهره ولو في جزاء الصيد، فمن قتل حمامة فالواجب عليه شاة، ويجوز أن يجعل بدل الشاة سبع بدنة أو بقرة (1) ، والصواب عدم الإجزاء في جزاء الصيد.
ووجه ذلك أن جزاء الصيد يشترط فيه المماثلة، قال تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وسبع البدنة والبقرة لا يماثل الحمامة، فلا يجزئ عنها.
__________
(1) وهذا هو المذهب.
وليعلم أن سبع البدنة والبقرة يجزئ عما تجزئ عنه الشاة، وعلى هذا فلو ضحى به الإنسان عن نفسه وأهل بيته لأجزأ خلافاً لما فهمه بعض طلبة العلم، من أن سبع البدنة لا يشرّك فيه، وإنما يجزئ عن واحد فقط، فإن هذا وهم وليس فهماً صحيحاً، لا لما جاء في السنة، ولا لما جاء في كلام العلماء؛ لأن التشريك في الثواب لا حصر له، وتشريك الملك هو الذي يحصر، وتشريك الملك في البدنة والبقرة سبعة بلا زيادة.
ففي الملك والإجزاء الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، ولا يجزئ سبع البدنة إلا عن واحد، ولا تجزئ البقرة والبدنة إلا عن سبعة، أما الثواب فشرك من شئت، ولهذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم «يضحي بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته» (1) وأهل بيته تسع نسوة وهو العاشر، هذا إن لم يرد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أهل بيته حتى الأقارب فيكون لا حصر له، ففرق بين الملك والإجزاء وبين الثواب.
فإذا شارك الإنسان في سبع بعير، وقال: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، فإن ذلك يجزئ عنه وعن أهل بيته، ولو كانوا مائة.
__________
(1) سيأتي تخريجه ص(422).
بَابُ جَزَاء الصيَّدِ
فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ........
قوله: «باب جزاء الصيد» ، أي: باب المثل في جزاء الصيد؛ لأنه لا يريد أن يبين ما يجب في الصيد، بل يريد أن يبين المثل، ولم يقل فدية؛ لأن الله عبر به في القرآن فقال: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، والصيد هو الذي يحرم على المحرم صيده، أو في الحرم، وليعلم أن الصيد نوعان:
الأول: نوع لا مثل له.
الثاني: ونوع له مثل.
والنوع الذي له مثل نوعان أيضاً: ـ
نوع قضت الصحابة به، فيرجع إلى ما قضوا به، وليس لنا أن نعدل عما قضوا به.
ونوع لم تقض به الصحابة، فيحكم فيه ذوا عدل من أهل الخبرة ويحكمان بما يكون مماثلاً.
قوله: «في النعامة بدنة» ، أي: لو قتل الإنسان نعامة وهو محرم، أو قتل نعامة في الحرم، ولو كان محلًّا فعليه بدنة (1) ، أي
__________
(1) نقل ابن قدامة في «المغني» (5/204، 404)، وشيخ الإسلام في «شرح العمدة» (2/283): إجماع الصحابة: «عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير: أنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الأيل ببقرة، وبقر الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة، وفي الأرنب بعناق».
وروى الشافعي في «الأم» (2/190)؛ والبيهقي (5/182): «عن عمر، وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية في النعامة يقتلها المحرم بدنة»، قال الشافعي: هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث. ووجه ضعفه كما قال البيهقي أنه من رواية عطاء عنهم ولم يدركهم.
وأخرجه عبد الرزاق (8203) من طريق عطاء عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت قالوا: «في النعامة قتلها المحرم بدنة»، وأخرجه البيهقي عن ابن عباس (5/182) بإسناد حسن كما قال الحافظ في «التلخيص» (2/284) وكذا قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أخرجه البيهقي (5/182).
بعير صغير في الصغيرة وكبير في الكبيرة؛ لأن هذا هو تحقيق المماثلة.
وَحِمارِ الوَحْشِ، وَبَقرتِهِ، والأيِّلِ، والثَّيْتَلِ والوَعْلِ بَقَرةٌ، والضَّبْعِ كَبْشٌ، وَالغَزَالِ عَنْزٌ، والوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، وَاليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، ...........
قوله: «وحمار الوحش، وبقرته، والأَيِّل، والثيتل، والوعل، بقرة» ؛ حمار الوحش صيد معروف، وسمي حماراً لشبهه بالحمار، والذي يشبهه من النعم البقرة، وبقرة الوحش، وفيها بقرة، وفي الأيل ـ أيضاً ـ بقرة، والأيل نوع من الظباء، وفي الثيتل، وهو نوع من الظباء بقرة، وفي الوعل بقرة، قال في القاموس: الوعل بفتح الواو مع فتح العين، وكسرها، وسكونها، هو تيس الجبل (1) ففي هذه الأشياء بقرة؛ لأنها تشابهها.
قوله: «والضبع كبش» الضبع معروفة، وجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها شاة (2) ، ولولا أنها حلال لم يكن لها قيمة.
__________
(1) القاموس (4/65).
(2) أخرجه أبو داود في الأطعمة/ باب في أكل الضبع (3801)؛ وابن ماجه في الحج/ باب جزاء الصيد يصبه المحرم (3085)؛ وابن حبان (3964) إحسان؛ والدارقطني (2/246)؛ والحاكم (1/452)؛ والبيهقي (5/183) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين».
قوله: «والغزال عنز» ، الغزال أصغر من الوعل والثيتل والأيل، ففيها عنز؛ لأنها أقرب شبهاً بها (1) .
قوله: «والوبر، والضب، جدي» ، قال في الروض: الوبر دويبة كحلاء اللون دون السنور، لا ذنب لها، وهي معروفة، فيها جدي (2) ، والجدي هو الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر، وكذلك أيضاً الضب فيه جدي، والضب معروف.
قوله: «واليربوع جفرة» ، اليربوع أيضاً معروف، حيوان يشبه الفأرة لكنه أطول منها رجلاً، وله ذنب طويل، وفي طرفه شعر كثير، وهو من أذكى الحيوانات التي تشبهه؛ لأنه يحفر له جحراً في الأرض، ويجعل له باباً، ثم يحفر في طرف الجحر حتى لا يبقي إلا قشرة رقيقة، فإذا حشره أحد من عند باب الجحر خرج من القشرة الرقيقة، وتسمى النافقاء، أي: نافقاء اليربوع، ولهذا اشتق منها النفاق؛ لأن هذا اليربوع منافق في جحره، لكنه نفاق
__________
(1) لما روى مالك في «الموطأ» (1/414)؛ والشافعي في «المسند» ترتيب (857)؛ والبيهقي (5/183) أن عمر ـ رضي الله عنه ـ «قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة»، وقال ابن حجر في «التلخيص» (2/284): «بسند صحيح».
(2) لما أخرجه الشافعي (860) المسند؛ والبيهقي (5/185)، أن عمر ـ رضي الله عنه ـ «حكم في الضب بجدي».
وقال ابن حجر في «التلخيص» (2/285): «بسند صحيح إلى طارق».
مباح يريد أن يحمي بذلك نفسه، وهو حلال، وفيه جفرة لها أربعة أشهر (1) .
وَالأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَالحَمَامَةِ شَاةٌ.
قوله: «والأرنب عناق» ، وهي أصغر من الجفرة، أي: لها ثلاثة أشهر ونصف تقريباً، والأرنب معروفة (2) .
اليربوع زنته كرأس الأرنب، ومع ذلك الواجب فيه أكبر من الواجب في الأرنب؛ لأن المعول فيه على المماثلة.
قوله: «والحمامةِ شاة» ، وجه المشابهة في الحمامة للشاة في الشرب فقط، لا في الهيكل، أو الهيئة (3) .
فهذا كله قضى به الصحابة، منه ما روي عن واحد من الصحابة ومنه ما روي عن أكثر من واحد.
فإذا وجدنا شيئاً من الصيود لم تحكم به الصحابة، أقمنا حكمين عدلين خبيرين، وقلنا ما الذي يشبه هذا من بهيمة الأنعام؟ فإذا قالوا: كذا وكذا، حكمنا به وإذا لم نجد شيئاً محكوماً به من قبل الصحابة، ولا وجدنا شبهاً له من النعم، فيكون من الذي لا مثل له، وفيه قيمة الصيد قلَّت أم كثرت.
مسألة: هل تدخل المرأة في الحَكَمَيْنِ؟
الجواب: لا تدخل؛ لأن الله قال: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}.
__________
(1) - (2) سبق ذلك عن عمر ـ رضي الله عنه ـ، ص(212).
(3) لما روى الشافعي في «المسند» (861)؛ والبيهقي (5/205)، أن عمر ـ رضي الله عنه ـ «حكم في الحمامة شاة»، قال ابن حجر في «التلخيص» (2/285): «إسناده حسن».
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ «أنه جعل في حمامة الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة». أخرجه البيهقي (5/205)؛ وفي «إرواء الغليل» (4/247): «إسناده صحيح».
بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ
يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى المُحْرِمِ والحَلاَلِ،...........
قوله: «الحرم» ، أل هنا للعهد الذهني، يعني بذلك حرم مكة والمدينة، وعلى هذا فـ «أل» هنا للجنس، أي: باب صيد ما يسمى حرماً، وليس في الدنيا شيء حرم إلا هذان الحرمان، حرم مكة، وحرم المدينة، وأما ما نسمع في كلام الناس حرم المسجد الأقصى، والحرم الإبراهيمي، فكله لا صحة له ولا أصل له، ولهذا يوهم كلام بعض الناس يقول عن المسجد الأقصى: ثالث الحرمين؛ لأن الذي يسمع العبارة يقول: إنه حرم، ولكن الصواب أن تقول: ثالث المسجدين يعني المساجد التي تشد إليها الرحال.
واختلف العلماء في وادي وج في الطائف.
والصحيح أنه ليس بحرم.
قوله: «يحرم صيده على المحرم والحلال» ، أي: يحرم صيد الحرم على المحرم والحلال، أي: من لم يحرم؛ لأن تحريمه للمكان، فيحرم على المحرم من وجهين هما: الحرم والإحرام، ويحرم على الحلال من وجه واحد هو الحرم، وهل يلزم المحرم إذا قتل صيداً في الحرم جزاءان لوجود السببين؟ الصحيح أنه لا يلزمه جزاءان؛ لأنه النفس واحدة، وقد قال تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعلن هذا التحريم عام فتح مكة، فقال: «إن الله حرمه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» ، وقال فيه: «لا ينفر صيدها» (1) ، فإذا كان تنفير صيدها حراماً، فقتله حرام من باب أولى، وفي هذا الخبر المؤكد دليل على أنه لا يمكن نسخ تحريم مكة؛ لأنه جعل الغاية يوم القيامة.
وقوله: «يحرم صيده على المحرم والحلال» ، أضاف الصيد إلى الحرم، وعلى هذا فصيد الحل إذا دخل في الحرم لا يحرم، لكن يجب إزالة اليد المشاهدة عنه وإطلاقه، ولا يجوز ذبحه في الحرم، بل ولا إبقاءُ اليد المشاهدة عليه، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن الصيد إذا دخل به الإنسان وهو حلال من الحل، فهو حلال؛ لأنه ليس صيداً للحرم، بل هو صيد لمالكه، وقد كان الناس يبيعون ويشترون الظباء والأرانب في قلب مكة في خلافة عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ (2) ، من غير نكير، وهذا يدل على أن الصيود التي يدخل بها من الحل، وتباع في مكة حلال بيعها وشراؤها وذبحها وأكلها، وليس فيه إثم.
مسألة: ظاهر كلام المؤلف أن الصيد البحري لا يحرم صيده إذا كان في الحرم، وعلى المذهب إذا كان في الحرم فهو حرام، ولكن لا جزاء فيه.
__________
(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب لا يحل القتال بمكة (1834)؛ ومسلم في الحج/ باب تحريم مكة (1353) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه عبد الرزاق (8318).
واستدلوا بعموم الأحاديث الدالة على تحريم صيد الحرم، والصحيح أن البحري يجوز صيده في الحرم (1) ؛ لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وهذا عام.
فلو فرض أن هناك بركة ماء، أو نحوها، وفيها سمك غير مجلوب إليها بل توالد فيها، فإن الصحيح أنه لا يحرم، وأنه حلال على المحرم والحلال.
وَحُكْمُ صَيْدِهِ كَصَيْدِ المُحْرِم. وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ وحَشِيشِهِ الأَخْضَرينِ إِلاَّ الإِذْخِر .
قوله: «وحكم صيده كصيد المحرم» ، أي: على ما سبق من التفصيل، ففيه الجزاء، مثل ما قتل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً.
قوله: «ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين» الشجر ما له ساق، والحشيش ما لا ساق له.
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها ولا يختلى خلاها» (2) ، وكل هذا تأكيد لحرمة هذا المكان، وأنه حتى الأشجار محترمة والصيود محترمة، ولولا رحمة الله ـ عزّ وجل ـ لكانت كل الحيوانات محترمة، لكن فيه مشقة على الناس، فحرم الصيد في الحرم فقط.
وقوله: «شجره» الشجر مضاف إلى الحرم، فيفيد أن المحرم
__________
(1) وهو الرواية الثانية في المذهب.
(2) سبق تخريجه ص(215).
ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي أو بذره من الحبوب، فإنه ليس بحرام، لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، بل يضاف إلى مالكه.
وقوله: «وحشيشه» نقول فيها ما قلنا في شجره: إن الحشيش مضاف إلى الحرم، فالحشيش الذي ينبت بفعل الآدمي ليس بحرام.
وقوله: «الأخضرين» صفة للشجرة، والحشيش، والمراد ما فيهما الحياة والنمو، سواء كانا أخضرين أو غير أخضرين؛ لأن من الأشجار ما ليس بأخضر، وكذلك من الزروع والحشيش ما ليس بأخضر، وبعضه قد يموت وهو أخضر كالإذخر، فالأولى أن يقال: «شجره وحشيشه الحيين» سواء كانا بلون الخضرة أو غيره.
فخرج بذلك ما كان ميتاً، فإنه حلال، فلو رأيت شجرة قد ماتت فهي حلال ولو رأيت غصناً منكسراً تحت الشجرة فهو حلال؛ لأنه انفصل وهلك، والغصن اليابس في الشجرة الخضراء يجوز قطعه إذا كان يبسه يبس موت؛ لأن بعض الأشجار تيبس أغصانها لكن إذا جاء المطر نمت، ولكن قال العلماء: ما قطعه الإنسان من أشجار الحرم، فإنه حرام؛ لأنه قطع بغير حق.
مسألة: ثمر شجر الحرم هل نقول إنه كالشجر؟
الجواب: لا، فلو أن شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي، ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها فإن ذلك لا بأس به.
قوله: «إلا الإذخر» ، الإذخر نبت معروف يستعمله أهل مكة في البيوت، والقبور، والحدادة.
أما الحدادة فلأنه سريع الاشتعال، فيشعلون به النار، من أجل أن تشعل الفحم والخشب.
وأما في القبور فإنهم يجعلونه ما بين اللبنات؛ ليمنع تسرب التراب إلى الميت.
وأما في البيوت فيجعلونه فوق الجريد؛ لئلا يتسرب الطين من الجريد فيختل السقف.
فالناس في حاجة إليه، وسبب الاستثناء العباس بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما حرم حشيشها قال: «يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لبيوتهم وقبورهم» (1) ، وفي لفظ: «لبيوتهم وقينهم» (2) ، أي: حداديهم، فقال: «إلا الإذخر» ، وعلى هذا فيستثنى من الشجر والحشيش الأخضرين الإذخر.
مسائل: ـ
الأولى: الكمْأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وما أشبهها كالذي يسميه الناس الفطيطر، هل هو حرام، أو لا؟
الجواب: ليس بحرام؛ لأنه ليس من الأشجار، والكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، أنواع داخلة تحت جنس واحد وهو الفقع، فهذه حلال؛ لأنه ليس بأشجار ولا حشيش، فلا يدخل في التحريم.
الثانية: سكت المؤلف ـ رحمه الله ـ عن جزاء هذه
__________
(1) أخرجه البخاري في العلم/ باب كتابة العلم (112)؛ ومسلم في الحج/ باب تحريم مكة (1355) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق (1353) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
الأشجار أو الحشيش، فهل أسقطها اختصاراً أو اقتصاراً؟
الجواب: بما أن المؤلف من أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ من الحنابلة، فالظاهر أنه أسقطها اختصاراً، لا اقتصاراً.
لكن يحتمل أنه أسقطها اقتصاراً، أي: أن التحريم مقصور على القطع والحش، وليس فيه جزاء.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
فقال بعض العلماء: إن هذه الأشجار أو الحشائش ليس فيها جزاء، وهذا مذهب مالك، وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم.
وهو الحق؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح يدل على وجوب الجزاء فيها، وما ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم (1) ـ، فيحتمل أنه من باب التعزير، فرأوا أنه يعزر من قطع هذه الأشجار، بناءً على جواز التعزير بالمال، ولو كان الجزاء واجباً لبينه النبي صلّى الله عليه وسلّم، إذ لا يمكن أن يدع أمته بلا بيان ما يجب عليهم، وبوفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم انقطع التشريع، وليس هذا من باب القياس حتى يقال لعله يقاس على الصيد؛ لأن هنا فرقاً بين الصيد والأشجار، فالأشجار نامية، لكن ليس فيها الحياة التي في الصيود، فإذا قطع الإنسان شجرة أو غصناً منها، أو حش حشيشاً فإنه يأثم، ولكن لا جزاء عليه لا قليلاً ولا كثيراً.
__________
(1) انظر: «التلخيص الحبير» (2/287).
الثالثة: إذا كانت الأشجار في الطريق، فهل يجوز إزالتها من أجل الطريق؟
الجواب: إن كان هناك ضرورة بحيث لا يمكن العدول بالطريق إلى محل آخر فلا بأس بقطعها، وإن لم يكن ضرورة، فالواجب العدول بالطريق عنها؛ لأنه يحرم قطعها بلا ضرورة.
الرابعة: إذا كانت الشجرة خارج الطريق، لكن أغصانها ممتدة إلى الطريق وتؤذي المارة بشوكها وأغصانها، فهل تقطع؟
الجواب: لا تقطع؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يعضد شوكها» (1) ، والشوك يؤذي، ومع ذلك نهى عن عضده، أي: قطعه، وبإمكان الإنسان أن يطأطئ رأسه حتى لا تصيبه الأغصان.
فإن قال قائل: إذا وطئ الإنسان على الحشيش بلا قصد، فهل عليه شيء؟
فالجواب: لا كما لو انفرش الجراد في طريقه ومرَّ عليه، فإنه ليس عليه شيء، ومن ذلك ما لو احتاج الإنسان إلى وضع فراش في منى أو مزدلفة وكان فيها نبات، فإنه لا يحرم عليه وضع الفراش على الأرض، وإن أدى ذلك إلى تلف ما تحته من الحشيش أو أصول الشجر؛ لأن ذلك غير مقصود، ومن المعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانت إبلهم تمشي على الأرض، ولم يقل توقوا المشي على الأرض، وفرق بين ما قصد وما لم يقصد.
وَيَحْرُمُ صَيْدُ المَدِيْنَةِ، وَلاَ جزاءَ فِيهِ، وَيُبَاحُ الحشِيْشُ لِلْعَلفِ، وآلَةُ الحَرْثِ وَنَحْوِهِ وَحَرَمُهَا مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ.
قوله: «ويحرم صيد المدينة» ، صيد حرم المدينة حرام، لكن
__________
(1) سبق تخريجه ص(214).
حرمته دون حرمة حرم مكة؛ لأن تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، وأما حرم المدينة فمختلف فيه، ولكن القول الصحيح أن المدينة لها حرم وأنه لا يجوز الصيد فيه، إلا أنه يفارق مكة بأن من أدخل حرمها صيداً فهو له، ومكة سبق أن المذهب يجب عليه إطلاقه إذا أدخله الحرم، لكن على القول الراجح لا فرق بينهما، وهو أن من أدخل صيداً إلى الحرمين مكة أو المدينة، فهو ملكه يتصرف فيه كما يشاء، ودليل ذلك حديث أبي عمير، وهو غلام كان معه طائر صغير يسمى النُّغير وكان فرحاً به يأتي به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه فرح به، فمات النغير فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول له: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير» (1) يمازحه صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «ولا جزاء فيه» ، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجعل فيه جزاء، فالأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب.
وقال بعض أهل العلم ـ وهو رواية عن أحمد ـ: إن فيه الجزاء، وهو سلب القاتل، أي: أخذ سلبه من ثوبه وغترته، وما أشبه ذلك، لحديث ورد في ذلك أخرجه مسلم (2) .
__________
(1) أخرجه البخاري في الأدب/ باب الانبساط إلى الناس (6129)؛ ومسلم في الآداب/ باب استحباب تحنيك المولود (2150) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
(2) في الحج/ باب فضل المدينة (1364) عن عامر بن سعد: «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً، أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبى أن يرد عليهم».
والقائلون بعدم وجوب الجزاء يجيبون عن هذا الحديث بأنه من باب التعزير لا من باب الضمان، ولهذا لا يختلف هذا التعزير بين الصغير والكبير، ولا يختلف فيما إذا كان السلب جديداً أو مستعملاً.
والصواب أنه ليس فيه جزاء، لكن إن رأى الحاكم أن يعزر من تعدى على صيد في المدينة بأخذ سلبه، أو تضمينه مالاً، فلا بأس.
قوله: «ويباح الحشيش للعلف، وآلة الحرث ونحوه» ، لأن أهل المدينة أهل زروع فرخص لهم في ذلك، كما رخص لأهل مكة في الإذخر.
والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رخص في ذلك (1) ، فيباح أن تحش الحشيش لتعلف بهائمك.
وكذلك قطع الأغصان لآلة الحرث، أي السواني، بأن يقطع الإنسان شجرة، لينتفع بخشبها في المساند والعوارض، وما أشبه ذلك مما يحتاجه أهل الحرث، وبهذا نعلم أن تحريم حرم المدينة أخف من تحريم حرم مكة.
ويجوز الرعي في حرم المدينة، وحرم مكة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان معه الإبل، ولم يرد عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يكمم أفواهها.
__________
(1) لحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراماً، وإني حرمت المدينة حراماً ما بين مَأزِمَيْهَا، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف».
أخرجه مسلم في الحج/ باب الترغيب في سكنى المدينة (1374).
قوله: «وحرمها ما بين عير إلى ثور» ، أي: حرم المدينة مسافة بريد في بريد والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. فهو مربع ما بين عير إلى ثور، وثور جبل صغير خلف أحد من الناحية الشمالية.
وعير جبل كبير من الناحية الجنوبية الغربية عن المدينة جنوب ذي الحليفة.
وأما من الشرق إلى الغرب فما بين لابتيها فهو حرام، وحرم المدينة معروف عند أهل المدينة.
الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة:
الأول: أن حرم مكة ثابت بالنص والإجماع، وحرم المدينة مختلف فيه.
الثاني: أن صيد حرم مكة فيه الإثم والجزاء، وصيد حرم المدينة فيه الإثم، ولا جزاء فيه.
الثالث: أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد المدينة.
الرابع: أن حرم مكة أفضل من حرم المدينة؛ لأن مضاعفة الحسنات في مكة أكثر من المدينة، وعظم السيئات في مكة أعظم من المدينة.
الخامس: أن من أدخلها، أي: المدينة صيداً من خارج الحرم فله إمساكه، ولا يلزمه إزالة يده المشاهدة، وعلى هذا تحمل قصة أبي عمير الذي كان معه طائر صغير يلعب به، يقال له: النغير، فمات هذا الطير، فحزن الصبي لموته فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم
يقول لهذا الصبي من باب الممازحة: «يا أبا عمير ما فعل النغير» (1) . وسبق حكم الصيد إذا دخل به مكة.
وهذا الحديث استدل به من يرى أنه لا يحرم صيد حرم المدينة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقر هذا الصبي.
والذين حرموه ـ وهم الجمهور ـ قالوا: إن هذا يحمل على أن هذا النغير جلب إلى الحرم، وليس من صيد الحرم.
السادس: أن حرم مكة يحرم فيه قطع الأشجار بأي حال من الأحوال إلا عند الضرورة، وأما حرم المدينة فيجوز ما دعت الحاجة إليه، كالعلف، وآلة الحرث، وما أشبه ذلك.
السابع: أن حشيش وشجر حرم مكة فيه الجزاء على المشهور من المذهب، والصحيح أنه لا جزاء فيه وعلى هذا فلا فرق، وأما حرم المدينة فلا جزاء فيه.
قال رحمه الله تعالى في الروض: «وتستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة» ، أي: مكة أفضل من المدينة بلا شك، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أخرج منها: «إنك لأحب البقاع إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت» (2) .
وذهب بعض العلماء إلى أن المجاورة في المدينة أفضل من
__________
(1) سبق تخريجه ص(222).
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/305)؛ والترمذي في المناقب/ باب في فضل مكة (3925)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب فضل مكة (3108)؛ وابن حبان (3708)؛ والحاكم (3/7) عن عبد الله بن عدي ـ رضي الله عنه ـ، وصححه الترمذي وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
المجاورة في مكة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حث على سكنى المدينة أكثر من حثه على سكنى مكة، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: المجاورة في أي بلاد يقوى فيها إيمانه وتقواه أفضل من غيرها؛ لأن ما يتعلق بالعبادات والعلوم والإيمان أحق بالمراعاة مما يتعلق بالمكان.
وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ هو الصواب، ولهذا نزح كثير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى الشام والعراق واليمن ومصر؛ لأن إفادتهم فيها أكثر من بقائهم في المدينة.
قال صاحب الروض: «قال في الفنون» الفنون كتاب لابن عقيل ـ رحمه الله ـ، وسمي فنوناً لأنه جمع فيه الفنون كلها، وهو كتاب رأينا شيئاً منه، ولا بأس به لكن ليس بذاك الكتاب الذي فيه التحقيق الكامل في مناقشة المسائل، إنما ينفع طالب العلم بأن يفتح له الأبواب في المناقشة.
يقول: «الكعبة أفضل من مجرد الحجرة» ، أي: حجرة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا لا شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقاً؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الآن بناء محدث على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن مراده بقوله: الحجرة أي حجرة عائشة، وهو البيت الأول الذي دفن فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فالكعبة أفضل من البيت الذي كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم ساكنه، ودفن فيه.
__________
(1) أخرجه البخاري في فضائل المدينة/ باب من رغب عن المدينة (1875) عن سفيان بن أبي زهير ـ رضي الله عنه ـ وأخرجه مسلم في الحج/ باب المدينة تنفي شرارها (1381) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
قال في الفنون: «فأما والنبي صلّى الله عليه وسلّم فيها ـ أي في الحجرة ـ فلا والله، ولا العرش وحملته ولا الجنة».
أي: أن الحجرة التي فيها قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة.
قال: «لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح» ، وهذا التعليل عليل، فلو قال: إن الجسد أفضل لكان فيه نوع من الحق.
أما أن يقول الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه ـ رحمه الله ـ.
والصواب أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شَرُفت بمقام النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها في حياته وبعد موته.
وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم ـ رحمه الله ـ أنه لا تعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة فهذا وهم وخطأ، لا شك فيه.
قال: في الروض: «تضاعف الحسنة والسيئة بمكان، وزمان فاضل» ، فالحسنة تضاعف بالكم وبالكيف، وأما السيئة فبالكيف لا بالكم؛ لأن الله تعالى قال في سورة الأنعام وهي مكية: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *} [الأنعام] ، وقال: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ، ولم يقل نضاعف له ذلك، بل قال: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} فتكون مضاعفة السيئة في مكة، أو في المدينة مضاعفة كيفية.
بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ
يُسَنُّ مِنْ أعْلاَهَا، والمَسْجِدِ مِنْ بابِ بَنِي شَيْبَةَ. فَإِذَا رَأى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ مَا وَرَدَ،.......
قوله: «باب دخول مكة» ، أي: للحاج، كيف يدخل مكة؟ ومن أين يدخلها؟ ومتى يدخلها؟
الأفضل أن يدخلها في أول النهار؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخلها ضحى (1) ، ولكن إذا لم يتيسر له ذلك فليدخلها على الوجه الذي يتيسر له.
قوله: «يُسَنُّ من أعلاها» ، أي: من أعلى مكة من الحجون، وهل هذا سنة مقصودة، أو وقع اتفاقاً؟ بمعنى هل يتعمد الإنسان أن يذهب ليدخل من أعلاها، أو نقول إذا كان طريقه من أعلاها، فالأفضل ألا يعدل عنه إلى مكان آخر؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يسن قصد الدخول من أعلاها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخلها من أعلاها (2) .
ولكن الذي يظهر أنه يسن إذا كان ذلك أرفق لدخوله، ودليل هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر أن يدخل الناس من أعلاها.
قوله: «والمسجد من باب بني شيبة» ، يعني يسن أن
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب دخول مكة نهاراً (1574)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب المبيت بذي طوى (1259) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى».
أخرجه البخاري في الحج/ باب من أين يدخل مكة (1575)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا... (1257).
يدخل المسجد من باب بني شيبة (1) .
وباب بني شيبة الآن عفا عليه الدهر، ولا يوجد له أثر.
لكننا أدركنا طوق باب مقوساً في مكان قريب من مقام إبراهيم، يقال: إن هذا هو باب بني شيبة.
وكان الذي يدخل من باب السلام، ويتجه إلى الكعبة يدخل من هذا الباب، وهل الدخول من باب بني شيبة، لو قدر وجوده أو إعادته، من السنن المقصودة أو التي وقعت اتفاقاً؟
الجواب: يقال فيه ما يقال في دخول مكة.
قوله: «فإذا رأى البيت رفع يديه، وقال ما ورد» ، أي: إذا رأى الكعبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] ، فإذا رأى الكعبة رفع يديه يدعو، وعلى هذا فيقف، ويرفع يديه، ويدعو بالدعاء الوارد، والأحاديث الواردة في رفع اليدين وفي الدعاء أحاديث فيها نظر، وأكثرها ضعيف (2)
__________
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط (491) والبيهقي (5/72) عن ابن عمر رضي الله عنهما وضعفه البيهقي، والحافظ في التلخيص (1009)، وصححه ابن خزيمة (2700) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الألباني: إسناده صحيح.
(2) من ذلك ما رواه ابن جريج أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: «اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمر تشريفاً، وتعظيماً، وتكريماً، وبراً».
أخرجه الشافعي في «المسند» (874)؛ والبيهقي (5/73)، وقال: هذا منقطع. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (3054) و«الأوسط» (6132) عن حذيفة بن أسيد ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/251): فيه عاصم بن سليمان الكوزي وهو متروك.
ولهذا لم يذكر ذلك جابر ـ رضي الله عنه ـ في سياق حج النبي صلّى الله عليه وسلّم.
قال في الروض: «ومنه اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً ... إلخ».
فإن صحت هذه الأحاديث عمل بها، وإن لم تصح فإنه لا يجوز العمل بالخبر الضعيف؛ لأن العمل بالخبر الضعيف إثبات سنة بغير دليل صحيح.
وإذا قلنا بعدم صحة هذه الأحاديث، وأنه لا عمل عليها، فإنه يدخل باب المسجد كما يدخل أي باب من أبواب المساجد، يقدم رجله اليمنى، ويقول: «بسم الله، اللهم صلِّ على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك» ، ويتجه إلى الحجر الأسود فيطوف.
قوله: «ثم يطوف مضطبعاً» الاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.
والحكمة من ذلك الاقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلّم (1) وإظهار القوة والنشاط، إذ هو أنشط للإنسان مما لو التحف والتف بردائه.
ثُمَّ يَطُوفُ مُضْطَبعاً يَبْتَدِئُ المُعْتَمِرُ بِطَوافِ الْعمْرةِ، وَالقَارِنُ والمُفْرِدُ لِلْقُدُومِ.
وقوله: «ثم يطوف مضطبعاً» يستفاد منه أنه لا يفعل
__________
(1) أخرجه أحمد (4/223)؛ وأبو داود في المناسك/ باب الاضطباع في الطواف (1883)؛ والترمذي في الحج/ باب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف مضطبعاً (859)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب الاضطباع (2954) عن يعلى بن أمية ـ رضي الله عنه ـ.
وقال الترمذي: «حسن صحيح».
الاضطباع إلا إذا شرع في الطواف، ويتركه حين ينتهي منه وهو كذلك، والعجب من جهل كثير من الناس اليوم أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا ويستمروا إلى أن يحلوا، وهذا من الجهل، وعدم تنبيه العامة، وإلا فلو نبه العامة على ذلك لعملوا به لأنهم يريدون الخير.
قوله: «يبتدئ المعتمر بطواف العمرة» ، وهذا يشمل المعتمر عمرة تمتع، والمعتمر عمرة مفردة، فالمعتمر عمرة مفردة هو الذي يعتمر في أي شهر من شهور السنة، والمعتمر عمرة تمتع هو الذي يعتمر في أشهر الحج ناوياً الحج من عامه، فإن اعتمر في أشهر الحج وهو لا يريد الحج، ثم طرأ له بعد فحج فليس بمتمتع، بل هو معتمر بعمرة مفردة.
وقوله: «يبتدئ المعتمر بطواف العمرة» ظاهره أنه لا يصلي تحية المسجد وهو كذلك، فإن من دخل المسجد للطواف أغناه الطواف عن تحية المسجد، ومن دخله للصلاة، أو الذكر أو القراءة أو ما أشبه ذلك فإنه يصلي ركعتين، كما لو دخل أي مسجد آخر.
قوله: «والقارن والمفرد للقدوم» ، أي: يطوف القارن والمفرد للقدوم، وليس هذا بواجب أعني طواف القدوم.
ودليل ذلك حديث عروة بن مضرس ـ رضي الله عنه ـ: أنه أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يصلي الفجر في مزدلفة، فأخبره أنه ما ترك جبلاً إلا وقف عنده، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد
تم حجه وقضى تفثه» (1) ، ولم يذكر طواف القدوم، فدل هذا على أنه ليس بواجب.
وسمي طواف القدوم؛ لأنه أول ما يفعل عند قدوم الإنسان إلى مكة؛ ولهذا ينبغي أن يبدأ به قبل كل شيء، قبل أن يحط رحله؛ فالنبي صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل مكة عمد إلى البيت وأناخ راحلته، وطاف.
ولكن إذا شق على الإنسان هذا العمل، وأراد أن يذهب إلى مكان سكناه، ويحط رحله فلا حرج، فالمسألة من باب السنن فقط.
فَيُحَاذِي الحَجَرَ الأسْوَدَ بِكُلِّهِ، وَيَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ فَإِنْ شَقَّ قَبَّلَ يَدَهُ، فَإِنْ شَقَّ اللّمْسُ أَشارَ إِليْهِ،...
قوله: «فيحاذي الحجر الأسود» ، يحاذي: أي: يوازي.
والحجر الأسود هو الذي في الركن الشرقي الجنوبي من الكعبة، ويوصف بالأسود لسواده، ويخطئ من يقول الحجر الأسعد، فإن هذه تسمية بدعية، فإن اسمه الحجر الأسود، لكن من العوام من يقول: الحجر الأسعد، فيجعل هذا الحجر من السعداء، بل أسعد السعداء، لأن الأسعد اسم تفضيل محلى بـ«أل» يدل على أنه لا أحد يساميه في السعادة، وهذا من الغلو
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/15، 261)؛ وأبو داود في المناسك/ باب من لم يدرك عرفة (1950)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (891)؛ والنسائي في مناسك الحج/ باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة (5/263)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (1950)؛ وابن خزيمة (2820)؛ والحاكم (1/463).
وقال الترمذي: «حسن صحيح».
وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث». ووافقه الذهبي.
بلا شك، بل نقول الحجر الأسود كما هو أسود، وإذا لقبناه بوصفه لم يكن في ذلك إهانة له ولا إذلالٌ له. ويذكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه نزل من الجنة أشد بياضاً من اللبن، ولكن سودته خطايا بني آدم» (1) ، فإن كان صحيحاً، فلا غرابة أن يكون نازلاً من الجنة، وإن لم يكن الحديث صحيحاً وهو الأقرب فلا إشكال فيه.
قوله: «بكله» ، أي: بكل بدنة، بمعنى يستقبله تماماً، فلو وقف أمام الحجر، وبعض الحجر خارج بدنه من الجانب الأيسر فإن هذا الشوط ناقص، فلا بد أن يحاذي الحجر الأسود بكله.
والتحديد بهذا الحد في النفس منه شيء؛ لأن ظاهر فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم إذا حاذوه سواء كان بكل البدن أو بالجانب الأيمن من البدن أو الأيسر أن الأمر سهل، ولكن على كلام الفقهاء لا بد من هذا، وعليه فيشكل كثيراً فيما سبق كيف تكون هذه المحاذاة الدقيقة؟ وكنا نتعبُ في هذه المحاذاة الدقيقة ونحتاط فنخطوا خطوات مما يلي الركن اليماني، وكان العامة يبدؤون من حيث يظنون أنهم حاذوا الحجر، ومعلوم أن الإنسان كلما بعد عن الكعبة شقت المحاذاة ولكن من تيسير الله ـ عزّ وجل ـ بعد تبليط المطاف جعلت هذه العلامة وكانت بالأول خطين بنيين والحجر بينهما، فكان في هذا خلل وضرر، لأن
__________
(1) أخرجه أحمد (4/223)، ولفظه: «حتى سودته خطايا أهل الشرك»؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في فضل الحجر الأسود (877) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ. وقال الترمذي: «حسن صحيح».
المبتدئ سوف يبتدئ من الخط الأيمن، ويكون من بعد الحجر والمنتهي ينتهي بالخط الأيسر فينتهي الطواف قبل أن يصل إلى الحجر، وبقي الناس على هذا برهة من الزمن ثم غيِّر الخطان، وجعل هذا الخط في قلب الحجر، فكان علامة مريحة ومفيدة للطائفين لا سيما العوام، وأما طالب العلم فيمكن أن يتخلص ويحتاط بأن يتقدم إلى الركن اليماني ويؤدي طوافه بيقين، على أن هذا الخط فيه منازعات، فبعض الناس يقول يجب أن يرفع؛ لأن بعض العامة إذا وجد الخط وقف، وبعض العامة إذا كان الخط خالياً صلى على الخط فيظنون أن هذا الخط شيء مقصود شرعاً، وليس كذلك، قالوا: فمن أجل هذا يجب رفعه، فنقول: الحقيقة إن هذا أمر ـ كما يقولون ـ سلبي، ولكن الأمر الإيجابي أهم من هذا، وهو انضباط الناس في ابتداء الطواف وانتهائه، وأما مسألة الوقوف، ـ فنحن شاهدنا في الزحام وفي الفضاء ـ ليس وقوفاً كثيراً، ثم إن هذا الوقوف مقابل بالوقوف إذا لم يكن هناك خط، لأن كل إنسان يظن أنه حاذى الحجر سوف يقف فتتعدد المواقف، ويكون هذا أشد تضييقاً وزحاماً فهذا يقف يظن أنه حاذى الحجر، والثاني يقف يظن أنه حاذى الحجر، والثالث يقف بعده يظن أنه حاذى الحجر، فيكون أشد زحاماً، وأما الصلاة فإن كان زحام فلا أحد يقدر أن يصلي، وإن كان في غير زحام فالذين يصلون قليلون يمكن أن ينصحوا، المهم أن منفعته أكثر من مضرته فيما نرى، ونسأل الله أن يبقيه، وإلا فهناك معارضة قوية في أن يزال، ولكن نرجو من الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يمكنه حتى ينتفع الناس به.
وعلى كلام المؤلف يجب أن يحاذي الحجر بكل بدنه، والصواب أنه ليس بواجب وأنه لو حاذاه ولو ببعض البدن فهو كافٍ واختاره شيخ الإسلام، ولا حاجة إلى أن يحاذي بكل البدن، نعم إن تيسر فهو أفضل لا شك.
وقوله: «فيحاذي الحجر الأسود بكله» : يدل على أنه لا ينبغي أن يتقدم نحو الركن اليماني، فيبتدئ من قبل الحجر فإن هذا بدعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ابتدأ طوافه من الحجر الأسود، فكونك تبتدئ من قَبْلِ الحجر بدعة وتنطع في دين الله، فلا ينبغي أن يخطو الإنسان خطوة واحدة قبل الحجر الأسود، بل يبتدئ من الحجر.
قوله: «ويستلمه» ، أي: يمسحه بيده، لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) واستلام كل شيء بحسبه، فاستلام النقود من المشتري قبضها باليد، وقد ورد في حديث عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض وأن من صافحه فكأنما صافح الله ـ عزّ وجل ـ» (2) ، وهذا الحديث لا
__________
(1) لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «لم أر رسول الله’>;(ص) يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين».
أخرجه البخاري في الحج/ باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين (1609)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف (1267).
(2) أخرج نحوه ابن ماجه في المناسك/ باب فضل الطواف (2957) عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من فاوضه ـ أي الركن الأسود ـ فإنما يفاوض يد الرحمن».
وعن ابن عباس قال: «إن هذا الركن الأسود يمين الله ـ عزّ وجل ـ» أخرجه عبد الرزاق (8919).
يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن ذكر عن ابن عباس من قوله، وقد قيل أن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ممن عرف بالأخذ عن الإسرائيليات، فلا يعول على قوله في مثل هذا؛ لأن العلماء ذكروا أن من شرط كون الخبر مرفوعاً حكماً إذا أخبر به صحابي أن لا يكون الصحابي معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل.
تنبيه:
القول بأن ابن عباس ممن عرف بالأخذ عن الإسرائيليات، هذا ما ذكره علماء المصطلح كالعراقي في شرح ألفيته في ملحقات المرفوع والموقوف حيث ذكر أن العبادلة ممن سمعوا عن كعب الأحبار وابن عباس من العبادلة كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله ـ، لكن في كون ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ممن أخذ عن الإسرائيليات فيه نظر ظاهر، ففي صحيح البخاري عنه أنه أنكر على من يسألون أهل الكتاب، فقال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدث، وفي لفظ: (أحدث الأخبار بالله) تقرؤونه محضاً لم يُشَبْ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً لا ينهاكم وفي لفظ (أفلا ينهاكم) ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم (1) ، وعلى هذا فيكون عن ابن عباس من قوله ولا يمكن أن يكون أخذه عن بني
__________
(1) أخرجه البخاري في الشهادات/ باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها (2685).
إسرائيل لكن يبقى النظر هل يثبت له حكم الرفع؟ يحتمل أن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قاله مستنبطاً الحكمة من استلامه.
قوله: «ويقبله» لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يقبله (1) ، لكن هل يقبله محبة له لكونه حجراً، أو تعظيماً لله ـ عزّ وجل ـ؟
الجواب: الثاني بلا شك، لا محبة له من حيث كونه حجراً، ولا للتبرك به ـ أيضاً ـ، كما يصنعه بعض الجهال فيمسح يده بالحجر الأسود، ثم يمسح بها بدنه، أو يمسح الحجر الأسود، ثم يمسح على صبيانه الصغار تبركاً به، فإن هذا من البدع، وهو نوع من الشرك.
ولهذا قبَّل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الحجر الأسود وقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبلك ما قبلتك» (2) ، فأفاد ـ رضي الله عنه ـ عنه بهذا أن تقبيله تعبُّد لله واتباع للرسول صلّى الله عليه وسلّم.
فالإنسان إذا أحب شيئاً أحب القرب منه، فكذلك كان تقبيلنا للحجر الأسود محبة لله ـ عزّ وجل ـ وتعظيماً له ومحبة للقرب منه ـ سبحانه وتعالى ـ.
قوله: «فإن شق قبَّل يده فإن شق اللمس أشار إليه» ، أي: شق التقبيل فإنه يستلمه بيده ويقبل يده (3) ، وهذا بعد استلامه
__________
(1) - (2) أخرجه البخاري في الحج/ باب الرمل في الحج (1605)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب تقبيل الحجر الأسود (1270). عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ.
(3) لما روى نافع قال: «رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفعله».
أخرجه مسلم في الحج/ باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف (1268) (246).
وقال أبو الطفيل: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن».
أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز الطواف على بعير واستلام الركن بمحجن (1275).
ومسحه، لا أنه يقبل يده بدون مسح وبدون استلام، فإن شق اللمس أشار إليه (1) ، وإذا أشار إليه فإنه لا يقبل يده.
كل هذه الصفات وردت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهي مرتبة حسب الأسهل، فأعلاها استلام باليد وتقبيل الحجر، ثم استلام باليد مع تقبيلها، ثم استلام بعصًا ونحوه مع تقبيله إن لم يكن فيه أذية، والسنة إنما وردت في هذا للراكب فيما نعلم ثم إشارة، فالمراتب صارت أربعاً تفعل أولاً فأولاً بلا أذية ولا مشقة.
وَيَقُولُ مَا وَرَدَ وَيَجْعَلُ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ..........
قوله: «ويقول ما ورد» ، أي: ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (2) وأصحابه، ومنه عند ابتداء الطواف «بسم الله والله أكبر (3) ، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلّى الله عليه وسلّم» (4) ، كما كان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يقول ذلك.
__________
(1) لحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «طاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر».
أخرجه البخاري في الحج/ باب التكبير عن الركن (1613).
(2) والوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم التكبير كما في حديث ابن عباس السابق.
(3) روى عبد الرزاق (8894)؛ والبيهقي (5/79): «أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال: بسم الله والله وأكبر».
قال الحافظ في «التلخيص» (2/247): «وسنده صحيح».
(4) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (5486)، (5843) وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح»، وأخرجه ابن أبي شيبة (4/105)؛ والطبراني في «الأوسط» (492)؛ والبيهقي (5/79) عن علي ـ رضي الله عنه ـ، وأخرجه عبد الرزاق (8898) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما.
أما في الأشواط الأخرى، فإنه يكبر كلما حاذى الحجر اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1) .
مسألة: كيفية الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة، أي: ترفع اليدين قائلاً الله أكبر؟
الجواب: لا، بل الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح يكون باليد اليمنى، ولكن هل تشير وأنت ماش، والحجر على يسارك؟ أم تستقبله؟
الجواب: روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: «إنك رجل قوي، فلا تزاحم فتؤذي الضعيف إن وجدت فرجة فاستلم وإلا فاستقبله وهلِّل وكبِّر» (2) ، قال: «وإلا فاستقبله» .
فالظاهر أنه عند الإشارة يستقبله، ولأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة.
لكن إن شق أيضاً مع كثرة الزحام، فلا حرج أن يشير وهو ماش.
قوله: «ويجعل البيت عن يساره» ، أي: إذا طاف، يجعل
__________
(1) سبق تخريجه ص(238).
(2) أخرجه الإمام أحمد (1/28)؛ وعبد الرزاق (8910)؛ والبيهقي (5/80). قال الهيثمي: «وفيه راوٍ لم يسم».
وأخرجه البيهقي (5/80) عن سعيد بن المسيب عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.
البيت عن يساره (1) ، والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف هكذا أي جعل البيت عن يساره، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (2) .
ثانياً: أن الإنسان إذا وقف أمام الحجر فسوف ينصرف، وقد حث النبي صلّى الله عليه وسلّم على تقديم الأيمن وهو إذا انصرف فسينصرف إلى اليمين، وإذا انصرف إلى اليمين لزم أن تكون الكعبة عن يساره.
ثالثاً: أيضاً باب الكعبة من المشرق، والباب هو وجه الكعبة وخلفه دبر الكعبة، فإذا انصرف عن يمينه، جعل الكعبة عن يساره، فقد قدم وجه الكعبة على دبرها.
رابعاً: أن الحركة إذا جعل البيت عن يساره، يعتمد فيها الأيمن على الأيسر في الدوران فيكون هذا أولى؛ لأنه يعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
خامساً: أن القلب من جهة اليسار وهو بيت تعظيم الله ـ عزّ وجل ـ، ومحل تعظيم الله ـ عزّ وجل ـ ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه، من البيت المعظم، فيكون القلب موالياً للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره، وهذه حكمة ذكرها بعض العلماء، وأهمها اتباع السنة.
__________
(1) قال ابن عبد البر في التمهيد (2/68): بلا خلاف.
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب استحباب رمي جمرة العقبة... (1297) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
وَيَطُوفُ سَبْعاً يَرْمُلُ الأفُقِي فِي هَذا الطَّوَافِ ثَلاَثاً ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعاً يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ كُلَّ مَرَّةٍ ..........
قوله: «ويطوف سبعاً» ، أي: يدور حول الكعبة، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتكون كاملة لا تقل، فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئاً من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، أو الثنائية، فإنها لا تصح.
قوله: «يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً» الأفقي قال العلماء: هو الذي أحرم من بعيد عن مكة، فليس بشرط أن يكون بينه وبينها مسافة القصر، فالذي ليس من أهل مكة يرمل من الأشواط الثلاثة الأولى.
مثاله: من أحرم من قرن المنازل، أو يلملم، أو ذات عرق، أو الجحفة، أو من ذي الحليفة فإنه يرمل.
وكذلك من أحرم دون ذلك ولكنه بعيد عن مكة فإنه يرمل، حتى لو كان من أهل مكة، ودخل مكة وأحرم من مكان بعيد فإنه يرمل في طواف القدوم ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعة.
وذلك لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، وسبب هذا الفعل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قدم مكة عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة، قالت قريش: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، أي: أضعفتهم، ويثرب هي المدينة، والحمى مرض معروف، وكانت الحمى في المدينة شديدة حتى دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم ربه ـ عزّ وجل ـ أن ينقل حماها إلى الجحفة ففعل ـ سبحانه وتعالى.
لكن قريشاً أعداء، والعدو يحب الشماتة بعدوه، قالوا: اجلسوا ننظر هؤلاء الذين قدموا عليكم وقد أضعفتهم الحمى
وجلسوا نحو الحِجْر، أي في الناحية الشمالية من الكعبة؛ لأجل أن يطلعوا على ما زعموه من ضعف النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة.
والرمَل ليس هو هز الكتفين كما يفعله الجهال، بل الرمَل هو المشي بقوة ونشاط، بحيث يسرع، لكن لا يمد خطوه، والغالب أن الإنسان إذا أسرع يمد خطاه لأجل أن يتقدم بعيداً، لكن في الطواف نقول: أسرع بدون أن تمد الخطا بل قارب الخطا.
فلما رأت قريش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يرملون هذا الرمل قالوا: إنهم أشد جرياً ومشياً من الغزلان الظباء، فغاظهم ذلك وحزنوا، حيث كانوا يتوقعون في الأول أنهم ضعفاء فتبين أنهم أقوياء (1) .
ولكن كان الرمل في عمرة القضاء من الحجر الأسود إلى الركن اليماني (2) ، ثم يمشون ما بين الركنين، لأنهم إذا انحرفوا عن الركن اليماني غابوا عن أنظار قريش، فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبقي على قوتهم، وأن يمشوا ما بين الركنين، فلطف بهم النبي صلّى الله عليه وسلّم من وجهين:
الأول: أنه خص الرمل بالأشواط الثلاثة الأولى فقط.
الثاني: أنه أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين، الركن اليماني والحجر الأسود.
__________
(1) - (2) أخرجه البخاري في الحج/ باب كيف كان بدء الرمل (1602)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب الرمل (1266) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
فهذا أصل مشروعية الرمل، ولكن هل يقال: إنه بعد فتح مكة وعز الإسلام يرتفع هذا الحكم، لارتفاع سببه، أو نقول إن هذا الحكم باق؟.
الجواب: الثاني، فإن عمر ـ رضي الله عنه ـ أورد على نفسه هذا الإيراد وقال: فيم الرمل الآن وقد أعزنا الله؟.
ثم أجاب نفسه: أنه شيء فعله النبي صلّى الله عليه وسلّم لا بد أن نفعله (1) .
وذلك لأنه في حجة الوداع قد زال السبب، وهو إغاظة المشركين إذ ليس هناك مشرك حتى يغاظ، ومع هذا أبقاه النبي صلّى الله عليه وسلّم مع زيادة على الرمل في عمرة القضاء، حيث كان الرمل في حجة الوداع من الركن إلى الركن أي في كل الأشواط الثلاثة (2) ، حتى ما بين الركنين رمل النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي عمرة القضاء من الركن إلى الركن اليماني فقط، فدل ذلك على بقاء المشروعية.
فإن قال قائل: كيف تبقى المشروعية وقد زال السبب؟ والحكمة تقتضي أنه بزوال السبب يزول المسبب، وبزوال العلة يزول المعلول؟
فالجواب: أن العلة وإن كانت إغاظة المشركين ولا مشركين الآن، لكن ليتذكر الإنسان أن المسلم يُطْلَبُ منه أن يغيظ المشركين، فينبغي لك أن تشعر عند الرمل في الطواف، كأن أمامك المشركين؛ لأجل أن تغيظهم؛ لأن غيظ المشركين مما يقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب الرمل في الحج والعمرة (1605).
(2) كما في حديث جابر في صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم ص(76).
ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120] .
فإن لم يتيسر له الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، لازدحام المكان وتيسر له في الأشواط الثلاثة الأخيرة لخفة الزحام فلا يقضى؛ لأن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة الأولى، وقد فات محلها، ولأنه إذا رمل في الأشواط الأخيرة خالف السنة، إذ السنة في الأشواط الأخيرة المشي دون الرمل.
والرمل في الأشواط كلها بدعة ينهى عنها مع ما فيه من الإشقاق على النفس.
فإن قال قائل: لماذا لم يكن الرمل في أشواط أربعة.
فالجواب: قلنا: الحكمة على ذلك ما يلي:
أولاً: التخفيف على الطائفين.
ثانياً: من أجل أن يقطع على وتر؛ لأن الطواف كله مبني على وتر، فلو قلنا يرمل في الأربعة الأولى لقطع على شفع، ولو قلنا يرمل في خمسة لكان فيه مشقة، فلهذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم.
فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة وبين أن أمشي مع القرب، فأيهما أقدم؟
فالجواب: قدم الأول فارمل، ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها، أو مكانها».
وهذه القاعدة لها أمثلة:
منها: لو أن رجلاً حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن، أو بحضرة طعام فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه، ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها؟ أو العكس؟
فالجواب : الأول، فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبلاً على صلاته كانت الصلاة أكمل.
ومنها: لو أن شخصاً أراد أن يصلي في الصف الأول، وحوله ضوضاء وتشويش أو حوله رجل له رائحة كريهة تشغله، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء، والرائحة الكريهة، ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول، أو أن يصف في الصف الأول مع وجود التشويش أو الرائحة الكريهة؟
فالجواب: لا شك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول؛ لأن هذا يتعلق بذات العبادة.
قوله: «يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة» ، أي: يمسحهما بيمينه في كل مرة، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يستلمهما في كل مرة من طوافه (1) .
مسألة: في آخر شوط هل يستلمهما؟
فالجواب: يستلم الركن اليماني، ولا يستلم الحجر الأسود.
__________
(1) سبق تخريجه ص(235).
لأنه إذا مر بالركن اليماني مر وهو في طوافه، وإذا انتهى إلى الحجر الأسود انتهى طوافه قبل أن يحاذيه تمام المحاذاة وعليه فلا يستلم الحجر الأسود ولا يكبر أيضاً؛ لأن التكبير تابع للاستلام، ولا استلام حينئذ ولأن التكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط.
وقوله: «يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة» ، وهما معروفان، والركن اليماني إنما سمي يمانياً؛ لأنه من جهة اليمن، ويطلق عليه هو والحجر الركنان اليمانيان، فالكعبة ذات أركان أربعة، الحجر والركن اليماني، والشمالي، والغربي، فيستلم الركن اليماني، والحجر، ولا يستلم الركن الشمالي والغربي.
وقد طاف أمير المؤمنين معاوية ـ رضي الله عنه ـ ذات يوم فجعل يستلم الأركان الأربعة فأنكر عليه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فقال له معاوية: إنه ليس شيء من البيت مهجوراً، فعلل بعلة عقلية، والعلة العقلية قد تكون ساقطة.
قال له ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «لقد كان لكم في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة، ولم يستلم النبي صلّى الله عليه وسلّم من البيت إلا الركنين اليمانيين، فقال: صدقت» (1) ، وكف عن استلام الركن الشمالي والغربي؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يريدون الحق
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/217)؛ والطحاوي في «شرح المعاني» (2/184)، وأصل الحديث في البخاري (1608) عن أبي الشعثاء معلقاً، ووصله أحمد (1/246، 332، 372)؛ والترمذي (858)؛ وعبد الرزاق (8944)؛ والطبراني (10631)؛ والبيهقي (5/77).
أينما كان، وصار يستلم الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يستلم إلا هذين الركنين.
فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه لم يستلم الأركان الأربعة؟
فالجواب: أن الركن الشمالي والغربي ليسا على قواعد إبراهيم ـ عليه السلام ـ فلذلك لم يستلمهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذ إن البيت كان ممتداً نحو الشمال من قبل، لكن لما عمرته قريش قصرت بهم النفقة فرأوا أن يحطموا الجزء الشمالي من الكعبة، لأنه لا سبيل لهم إلى أن يحطموا الجزء الجنوبي؛ لأن فيه الحجر الأسود.
مسائل : ـ
الأولى: إذا لم يستطع استلام الركن اليماني فإنه لا يشير إليه؛ لأنه لم يرد.
الثانية: لم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر التكبير عند الحجر ماذا يقول عند استلامه الركن اليماني؟
والجواب: أنه لا يقول شيئاً، فيستلم بلا قول، ولا تكبير ولا غيره؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية أن كل ما وجد سببه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يفعله، فالسنة تركه، وهذا قد وجد سببه، فالركن اليماني كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يستلمه، ولم يكن يكبر (1) ، وعلى هذا فلا يسن التكبير عند استلامه.
__________
(1) كما في حديث جابر في صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم ص(76).
الثالثة: في بقية الطواف ماذا يقول؟
الجواب: يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» (1) .
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: «والمناسبة في ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يختم دعاءه غالباً بهذا الدعاء».
وأما الزيادة: «وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار»، فهذه لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذها تعبداً لله، لكن لو دعا بها لم ينكر عليه؛ لأن هذا محل دعاء، ولكن كونه يجعله مربوطاً بهذه الجملة:الأشواط
«ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، غير صحيح.
وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يقول أيضاً: «اللهم إني أسألك العفو والعافية»، ولكنه حديث ضعيف (2) .
قوله: «ومن ترك شيئاً من الطواف» ، شرع المؤلف ـ رحمه الله ـ في بيان شروط الطواف فمنها أن يكون مستوعباً لجميع الأشواط
__________
(1) لحديث عبد الله بن السائب قال: سمعت النبي وهو يقول بين الركن والحجر: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
أخرجه أحمد (3/411)؛ وأبو داود في المناسك/ باب الدعاء في الطواف (1892)؛ وعبد الرزاق (8963)؛ وابن خزيمة (2721)؛ وابن حبان (3826) إحسان، والحاكم (1/455)؛ وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(2) أخرجه ابن ماجه في المناسك/ باب فضل الطواف (2957) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه’>;ـ وقال البوصيري: «إسناده ضعيف».
من الحجر إلى الحجر؛ ولهذا قال: «ومن ترك شيئاً من الطواف» ، و«شيئاً» : نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، فتشمل ما لو ترك خطوة واحدة، أو شبراً واحداً من الطواف، فإنه لا يصح.
لكن إذا تركه من شوط، وذكر المتروك في أثناء الطواف فإنه يلغي الشوط الذي ترك منه ذلك، ويقع ما بعده بدلاً عنه.
وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنْ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ أَوْ نُسُكَهُ أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ أَوْ عُرْيَان أَوْ نَجِسٌ لَمْ يَصِحَّ ..........
وقوله: «ومن ترك شيئاً من الطواف» ، أي: من تيقن الترك، أما من شك فإنه يُنظر، إما أن يشك بعد الفراغ من كل الطواف، وإما أن يشك في أثناء الطواف.
فإن شك في أثناء الطواف فهل يبني على اليقين، أو على غلبة الظن؟
الجواب: في ذلك خلاف، كالخلاف في من شك في عدد ركعات الصلاة، فمن العلماء من قال: يبني على غلبة الظن؛ ومنهم من قال: يبني على اليقين.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط، أو ستة أشواط، فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة؛ لأنه المتيقن، وإن ترجح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجح أنها ستة، فمن العلماء من يقول: يعمل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من قال: يبني على اليقين ويجعلها خمسة.
والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن كالصلاة، وعلى هذا فيجعلها ستة، ويأتي بالسابع.
أما بعد الفراغ من الطواف، والانصراف عن مكان
الطواف، فإن الشك لا يؤثر، ولا يلتفت إليه، ما لم يتيقن الأمر.
مثال ذلك: رجل انصرف من الطواف على أنه تم طوافه، ثم شك هل طاف سبعاً أو ستاً، فنقول له: لا تلتفت لهذا الشك؛ لأن الشيطان ربما يأتي الإنسان بعد فراغه من العبادة ليلبس عليه دينه، فيشككه، ولو أن الإنسان التفت إلى مثل هذا الشك لفسدت عليه عباداته، وصار دائماً في قلق وانفتح عليه باب الوسواس، والشيطان يحرص على أن يكون الإنسان دائماً في قلق وفي حزن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، أي: ليدخل عليهم الحزن، قال تعالى: {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادلة: 10] .
فإن تيقن أنه ترك شوطاً، فحينئذٍ يعمل باليقين، ويرجع ويأتي بالشوط، لكن في الغالب أن هذا لا يقع، والغالب أن الإنسان بعد أن يتم الطواف وينصرف ويصلي ركعتين أنه لا يتيقن أنه نقص، لكن إذا فرضنا ذلك وجب عليه أن يرجع ويأتي بالشوط السابع ما لم يطل الفصل عرفاً، فإن طال الفصل عرفاً امتنع البناء على ما سبق ولزمه استئناف الطواف من أوله.
قوله: «أو لم ينوه» ، هذا من شروط الطواف، فيشترط لصحته أن ينويه، فلو جعل يدور حول الكعبة، ليتابع مديناً له يطالبه بدين، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) ، وهذا لم ينو الطواف، بل نوى متابعة غريم، أو متابعة
__________
(1) سبق تخريجه ص(70).
إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يصح طوافه، ولكن لو نوى الطواف مطلقاً، دون أن ينويه للعمرة مثلاً فهل يجزئ؟
الجواب: في ذلك خلاف بين العلماء.
فمنهم من قال: لا يجزئ، بل يجب أن ينوي الطواف للعمرة، أو الطواف للحج، أو الطواف للوداع، أو الطواف تطوعاً كطواف القدوم، وأما مجرد الطواف فلا يجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب أنه لا بد أن يعين الطواف بنيته.
وقال بعض العلماء: إنه لا يشترط التعيين، بل تشترط نية الطواف؛ لأن الطواف جزء من العبادة، فكانت النية الأولى محيطة بالعبادة بجميع أجزائها، وقاس ذلك على الصلاة، وقال: الصلاة فيها ركوع، وسجود، وقيام، وقعود فلا يجب أن ينوي لكل ركن من أركانها نية مستقلة، بل تكفي النية الأولى.
وعلى هذا فإذا نوى العمرة كانت هذه النية شاملة للعمرة من حين أن يحرم إلى أن يحل منها، والطواف جزء من العمرة.
فإذا جاء إلى البيت الحرام وطاف، وغاب عن قلبه أنه للعمرة، أو لغير العمرة، فعلى هذا القول يكون الطواف صحيحاً، وهذا القول هو الراجح أنه لا يشترط تعيين الطواف ما دام متلبساً بالنسك.
وهذا مع كونه الراجح نظراً، هو الأيسر بالناس؛ لأن الإنسان مع الزحام ربما يغيب عن ذهنه أنه نوى أن يطوف للعمرة أو للحج، فلو قلنا: لا بد من تعيين الطواف للنسك المعين لكان
في هذا مشقة على الناس، أما إذا قلنا: بالقول الراجح أن نية العبادة تنسحب على جميع العبادة بجميع أجزائها فلا شك أن هذا أيسر للناس.
ونظير هذه مسألة في الصلاة، وهي: لو أنه دخل في صلاة الظهر بنية أنها فرض الوقت، وغاب عن ذهنه تعيين الظهر، فإن القول الراجح أنها تجزئ وتصح؛ لأنك لو سألت هذا الرجل ماذا أردت بهذه الصلاة؟ لكان الجواب: الظهر، والإنسان قد يذهل عن التعيين، وقد يأتي والإمام راكع مثلاً، فيدخل في الصلاة بسرعة، ولا يعين النية.
قوله: «أو نسكه» أي: أو لم ينو نسكه لم يصح، وهذا من شروط صحة طواف النسك، فالحج ينفرد عن العبادات الأخرى بأشياء كثيرة، منها: جواز تغيير النية، ومنها لزوم إتمامه ولو كان نفلاً، وغيرها.
فيجوز للإنسان أن يحرم إحراماً مطلقاً، فيقول: «لبيك اللهم لبيك» ولا يعين لا عمرة ولا حجاً، لكن لا يجوز أن يطوف حتى يعين؛ لأن الإحرام المطلق صالح للعمرة وحدها، وللحج وحده، ولهما جميعاً فلا بد أن يعين واحداً من ذلك ليتعين له الطواف.
ومن الإحرام المطلق، وإن كان فيه شيء من التقييد أن يقول: أحرمت بما أحرم به فلان، أو لبيك بما أحرم به فلان، ويتصور هذا في الرجل عنده شيء من الجهل، ويعرف أن فلاناً من أهل العلم والمعرفة قد حج، فيقول: لبيك بما أحرم به فلان، وفلان هذا قد يكون أحرم بعمرة، أو بحج، أو بحج وعمرة،
فنقول: إحرامك هذا صحيح، لكن لا بد أن تعلم بماذا أحرم فلان قبل أن تطوف، ليقع طوافك بعد تعيين النسك الذي أردت.
ويدل لهذه المسألة الأخيرة أعني أن ينوي الإحرام بما أحرم به فلان: «أن علي بن أبي طالب وأبا موسى بعثهما النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن، فقدما مكة والرسول صلّى الله عليه وسلّم قد قدم قبلهما للحج، وكلاهما قال: أحرمت بما أحرم به رسولك، فلبوا بما أحرم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أما علي فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «بم أهللت؟ قال: بما أهل به رسول الله، فقال: فإن معي الهدي فلا تحل» (1) ، فأشركه في هديه؛ لأن معه الهدي؛ ومن ساق الهدي فلا يمكن أن يحل.
وأما أبو موسى فقال له: اجعلها عمرة، مع أن إحرامه حين أهل بما أهل به رسول الله ينعقد قراناً، لكن أبا موسى لم يكن معه هدي (2) .
فنأخذ من هذا أن الإنسان يجوز له أن يحرم بما أحرم به غيره، ولكن لا بد أن يعين قبل الطواف؛ ليقع طوافه في نسك معلوم، ولهذا قال المؤلف هنا: «أو نسكه» .
قال في الروض: «بأن أحرم مطلقاً»، فلو أحرم مطلقاً، ودخل وطاف على أنه طواف مطلق، كما أنه إحرام مطلق فلا
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب من أهل زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم كإهلال النبي (1558)؛ ومسلم في الحج/ باب جواز التمتع في الحج والقران (1216).
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب الذبح قبل الحلق (1559)؛ ومسلم في الحج/ باب في فسخ التحلل من الإحرام (1221) عن أبي موسى ـ رضي الله عنه’>;ـ.
يصح؛ لأنه لم ينو هذا النسك بعينه؛ فعلى أي شيء يبني؟!
قوله: «أو طاف على الشاذروان» ، الشاذروان هو السوار المحيط بالكعبة من رخام في أسفلها كالعتبة، وكان من قبل مسطحاً يمكن أن يطوف عليه الناس، فإذا طاف عليه إنسان فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الشاذروان من الكعبة، وقد قال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] ولم يقل في البيت، ولو قال: في البيت صح الطواف من دون الحجر وعلى الشاذروان، لكن قال: بالبيت والباء للاستيعاب، فالطواف بجميع الكعبة واجب.
لكن بعض الخلفاء ـ جزاه الله خيراً ـ جعله مُسَنَّماً كما يشاهد الآن، فلا يمكن الطواف عليه فمن صعد عليه ليطوف زلق؛ لأنه مزلة.
لكن لو فرض أن رجلاً أحمق، قال لصاحبه سأعتمد على كتفك، وأطوف على الشاذروان، فلا يصح؛ لأنه من البيت، وهذا ربما يقع في أيام الزحام، فيطوف الإنسان على الشاذروان ويتكئ على أكتاف الناس، لكن ـ الحمد لله ـ لم يحصل ذلك فيما نعلم.
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: يصح الطواف على الشاذروان؛ لأن الشاذروان ليس من الكعبة، بل هو كالعتبة تكون تحت سور البيت، وقد جعل عماداً للبيت، فيجوز الطواف عليه.
قوله: «أو جدار الحجر» بكسر الحاء وسكون الجيم، الحجر معروف وهو البناء المقوس من شمالي الكعبة، ويسمى عند العامة
حجر إسماعيل، ـ وسبحان الله ـ كيف يكون حجر إسماعيل وإسماعيل لم يعلم به؟! وقد بُنِيَ بعده بأزمان كثيرة؛ لأن سبب بنائه كما ثبت في الصحيح أن قريشاً لما بنت الكعبة قصرت بهم النفقة، وقد أجمعوا على أن يكون البناء من كسب طيب، فقالوا: لا بد أن نبني البعض، وندع البعض، وأنسب شيء يدعونه أن يكون الناحية الشمالية، وجعلوا هذا الجدار وسمي الحجر؛ لأنه محجر.
وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين باباً يخرج منه الناس وباباً يدخلون منه» (1) ، لكن ترك ذلك خوفاً من الفتنة، إلا أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ حقق ما أراده الرسول صلّى الله عليه وسلّم بدون مضرة، فلو أنها بنيت على قواعد إبراهيم، وجعل لها باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، لهلك الناس، ولا سيما في الأزمنة الأخيرة، حيث يتقاتلون على ما هو دون الكعبة بكثير؛ فما ظنكم لو دخل الناس من هذا الباب، والكعبة مسقوفة وضيقة؟ لأهلك الناس بعضهم بعضاً، لكن حصل مراد الرسول صلّى الله عليه وسلّم بهذا الحجر، فجعل للحجر ـ وهو من الكعبة ـ بابان، باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، مع كونه مكشوف الفضاء فانتفى الضرر مع حصول المقصود، وهذا من حكمة الله ـ عزّ وجل ـ ورحمته.
__________
(1) أخرجه البخاري في العلم/ باب من ترك بعض الاختيار... (126)؛ ومسلم في الحج/ باب نقض الكعبة (1333) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
ولما تولى خلافة الحجاز عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ هدم الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم؛ لأن السبب الذي منع الرسول صلّى الله عليه وسلّم من بنائها على قواعد إبراهيم قد زال، وتوطد الإيمان في القلوب فهدمها وجعل يأتي بالناس، ويشهدهم على الأساسات الأولى التي هي قواعد إبراهيم، وبناها على قواعد إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وجعل لها بابين باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه.
ثم إنها هدمت في عهد عبد الملك بن مروان وأعيدت على ما كانت عليه في الجاهلية، بعد أن استشهد عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ (1) ولما تولى الرشيد أراد أن يعيدها على قواعد إبراهيم فاستشار بذلك العلماء، فقالوا: لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، كلما مَلَكَ مَلِكٌ قال أغير إلى كذا، فتركه وبقي على ما هو عليه إلى الآن، والحمد لله.
فإذا طاف على جدار الحجر لم يصح الطواف لعدم استيعاب الكعبة، وإن طاف من دون جدار الحجر من الداخل، لم يصح من باب أولى.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه لو طاف على جدار الحجر الذي ليس من الكعبة لم يصح؛ لأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، ولأن التمييز بين الجانب الداخل في الكعبة والخارج منها فيه شيء من الصعوبة؛ لأن الحجر ليس كله من الكعبة،
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب نقض الكعبة وبنائها (1333) (402) عن عطاء ـ رحمه الله ـ.
فليس من الكعبة إلا مقدار ستة أذرع وشيء، وقربه بعضهم فقال: إذا ابتدأ الانحناء من الحجر يكون خارج الكعبة، ومن المستوي يكون داخل الكعبة.
وعليه فنقول: إنه لا يصح الطواف على جدار الحجر ولو على الجانب الخارج من الكعبة؛ فيكون هذا الزائد تابعاً للأصل.
قوله: «أو عريان» ، إشارة إلى شرط من شروط الطواف وهو ستر العورة، فلو طاف وهو عريان، فإنه لا يصح طوافه؛ لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن ينادي في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ـ يعني العام التاسع ـ ولا يطوف بالبيت عريان» (1) ، اللهم إلا أن يكون لضرورة، فإن طاف وهو عريان لم يصح؛ لأنه طواف منهي عنه، وإذا كان منهياً عنه، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) .
وكان الناس في الجاهلية إن حصلوا على ثياب من قريش أخذوها عاريَّة، أو شراء، أو هدية، فطافوا بها، وإلا فلا، على أن بعض العرب، وإن كانوا من قريش يقولون لا نطوف بثيابنا؛ لأنها ثياب عصينا الله فيها فلا نطوف بها، نقول: إذا طفتم عراة فهي ثياب عصيتم الله بها، أي: بخلعها.
وكانت المرأة تأتي فتطوف عارية، وتضع يدها على فرجها، وترتجز في الطواف وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا أحله
__________
(1) سبق تخريجه ص(15).
(2) سبق تخريجه ص(158).
أي: ما بدا منه فلا أحل لأحد أن ينظر إليه، وهذا من الجهل.
أما في الإسلام ـ ولله الحمد ـ فلا يطوف بالبيت عريان، ومن المعلوم أنه لا أحد يطوف خالعاً ثيابه.
لكن قد يطوف وهو لم يستر الستر الواجب بأن تكون عليه ثياب رقيقة، وعليه سراويل لا تصل إلى الركبة، فيطوف فلا يصح طوافه؛ لأنه لم يستر عورته؛ إذ لا بد من ستر ما بين السرة والركبة بالنسبة للرجال، أما النساء فحكم سترها في الطواف كحكم سترها في الصلاة.

محب الدعوة
11-01-2011, 01:18 PM
قوله: «أو نجس لم يصح» يعني متنجساً، وإلا فالإنسان لا يمكن أن يكون نجساً بل متنجساً، والمتنجس أي: الذي أصابته نجاسة، وهذا إشارة إلى شرط من شروط صحة الطواف وهو أن يكون طاهر الثوب والبدن، فلو طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة فإن الطواف لا يصح، والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: أن الطواف بالبيت صلاة عند الجمهور، فكما لا تصح الصلاة مع النجاسة فكذلك الطواف.
ثانياً: ولأن الله تعالى أمر بتطهير بيته للطائفين، والقائمين، أو العاكفين، والركع السجود، فإذا أمر بتطهير مكان الطائف الذي هو منفصل عنه، فتطهير ملابسه المتعلقة به من باب أولى، وعلى هذا فلا يحل أن يطوف بثوب نجس، أو يطوف وهو متنجس البدن، بل لا بد أن يغسل النجاسة، من ثوبه وبدنه.
مسألة: لم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ ما إذا طاف محدثاً
اكتفاءً بما سبق في نواقض الوضوء، حيث قال: «ويحرم على المحدث مس المصحف، والصلاة، والطواف» ، وعلى هذا فيشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهذا مذهب الجمهور، واستدلوا بالآتي:
أولاً: قوله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .
ثانياً: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» (1) .
ثالثاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (2) .
رابعاً: قوله صلّى الله عليه وسلّم ـ حين أراد أن ينفر فقيل له: إن صفية قد حاضت ـ: «أحابستنا هي؟»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فانفروا» (3) .
وذهب شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ إلى أنه لا يشترط الوضوء للطواف، وأجاب عن هذه الأدلة بأن قوله: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» لا يصح مرفوعاً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن عمومه لا يستقيم، لأن لفظه: «الطواف
__________
(1) أخرجه الترمذي في الحج/ باب ما جاء في الكلام في الطواف (960)؛ والنسائي في المناسك/ باب إباحة الكلام في الطواف (5/222)؛ وابن خزيمة (2739) وابن حبان (3836)؛ والحاكم (1/459)؛ والبيهقي (5/85) واختلف في رفعه ووقفه، انظر: نصب الراية (3/57) والتلخيص (174) والإرواء (121).
(2) سبق تخريجه ص(83).
(3) سيأتي تخريجه ص(363).
بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» والاستثناء عند الأصوليين معيار العموم، أي: أنه إذا جاء شيء واستثني منه شيء دل ذلك على أن بقية الصور غير المستثناة داخلة في المستثنى منه، فيكون عاماً إلا في الصورة المستثناة، وهنا لا يصح أن يقال: إن الطواف بالبيت صلاة في كل شيء إلا الكلام؛ وذلك لأنه يخالف الصلاة في أشياء كثيرة سوى الكلام.
فمن ذلك: أنه لا يشترط فيه القيام، والصلاة يشترط فيها القيام، أي: لو طاف يزحف فإن طوافه صحيح.
ومن ذلك: أنه لا يشترط له تكبير، والصلاة يشترط لها تكبيرة الإحرام.
ومن ذلك: أنه لا يشترط له استقبال القبلة، بل لا بد أن يكون البيت عن يساره.
ومنها: أنه لا تشترط فيه القراءة لا الفاتحة، ولا غيرها، بل لا يسن فيه أن يقرأ الفاتحة بعينها وسورة معها.
ومنها: أنه ليس فيه ركوع ولا سجود، ولا يجب فيه تسبيح.
ومنها: أنه يجوز فيه الأكل والشرب، والصلاة لا يجوز فيها الأكل والشرب.
ومنها: أنه لا يبطله الضحك، والصلاة يبطلها الضحك.
ومنها: أنه لا تشترط فيه الموالاة على رأي كثير من العلماء، والصلاة تشترط فيها.
ولو أنك تأملته لوجدت أنه يخالف الصلاة في أكثر
الأحكام، وكلام الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا بد أن يكون منضبطاً، ولا ينتقض بصورة من الصور، فلا يصح مرفوعاً؛ بل هو موقوف على ابن عباس من قوله.
فالصواب أن الطواف بالبيت ليس صلاة، بل هو عبادة مستقلة كالاعتكاف تماماً.
فإن قال قائل: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف طاهراً بدليل أنه صلى ركعتين بعد الطواف مباشرة ولم ينقل أنه توضأ؟ قلنا: نعم، نحن لا ننكر أن يكون الإنسان في الطواف على طهارة خيراً من أن يكون على غير طهارة، لأنه ذكر وعبادة فينبغي أن يتطهر لها؛ ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للرجل الذي سلم عليه ولم يرد عليه حتى تيمم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر (1) ، فلا شك أن الوضوء في الطواف أفضل وأحوط.
فإن قيل: وقول ابن عباس ألا يكون حجة؟
فالجواب: أن قول الصحابي يكون له حكم الرفع إذا لم يكن للرأي فيه مجال، فإن كان للرأي فيه مجال فهو موقوف وللعلماء خلاف مشهور في قول الصحابي هل يكون حجة أو لا.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] ، فهذا أمر بتطهير البيت من الشرك
__________
(1) أخرجه أبو داود في الطهارة/ باب في الرجل يرد السلام وهو يبول (17) وابن ماجه في الطهارة/ باب الرجل يُسلم عليه وهو يبول (350) وصححه ابن خزيمة (206) وابن حبان (803) والحاكم (1/167) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي عن المهاجر بن قنفذ ـ رضي الله عنه ـ.
وأهله، ومن النجاسة أيضاً، كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بصب الماء على مكان نجاسة الأعرابي في مسجد المدينة، فلا يلزم من وجوب تطهيره من الخبث، أن يجب على الطائف بالبيت أن يكون طاهراً من الحدث؛ لأنه لو لزم من ذلك لقلنا يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام، وإن لم يرد الطواف، ولو كان كذلك أيضاً لكان مناقضاً لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «المؤمن لا ينجس» (1) ، ولو كان كذلك لوجب على المعتكف أن يكون طاهراً من الحدث.
وأما حديث عائشة، وحديث صفية ـ رضي الله عنهما ـ فليست العلة عدم الطهارة، وإنما العلة عدم جواز مكث الحائض في المسجد، وهذا لا يستلزم وجوب الطهارة في الطواف، ولهذا كان القول الراجح أن المرأة إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضها كان ذلك جائزاً، لكن تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر، أي: تجعل ما يحفظ فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد.
وهذا الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها بلا شك أفضل وأكمل وأتبع للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحياناً يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ
__________
(1) أخرجه البخاري في الغسل/ باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس (283) ومسلم في الطهارة/ باب الدليل على أن المسلم لا ينجس (371) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
الإسلام، مثل لو أحدث أثناء طوافه في زحام شديد، فالقول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ ثم يأتي في هذا الزحام الشديد لا سيما إذا لم يبق عليه إلا بعض شوط ففيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة ولم يظهر فيها النص ظهوراً بيناً، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
مسألة: الدعاء الجماعي في الطواف فيه إشكال لأنه لم ينقل عن السلف فيما نعلم؛ لأنه يؤذي الناس ويشغل عن الدعاء الخاص لا سيما إذا كان الطائف بهم جهوري الصوت، أما إن كان بصوت خافت لتعليم من معه، فأرجو ألا يكون به بأس، وأما أخذ الأجرة عليه فيجوز؛ لأنه من جنس أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولكن بعضهم يتخذ هذا مهنة ووسيلة لأخذ أموال الناس.
مسألة: الذين يطوفون على السطح فإذا بلغوا المسعى ضاق المطاف فبعضهم ينزل إلى المسعى، فهل نقول: إن هؤلاء طافوا جزءاً من الشوط خارج المسجد لأن المسعى ليس من المسجد؟
الجواب: نعم نقول إنهم طافوا خارج المسجد، ولكن إن كان الذي أوجب لهم ذلك هو الضيق والضنك، والناس متلاصقون فنرجو أن يكون ذلك مجزئاً على ما في ذلك من الثقل، ولكن للضرورة.
ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ خَلْفَ المَقَامِ.
قوله: «ثم يصلي ركعتين خلف المقام» ، أي: بعد الفراغ من
الطواف يصلي ركعتين خلف المقام، لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، وينبغي إذا تقدم إلى المقام أن يقرأ قول الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: 125] كما قرأها النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) ، لأجل أن يشعر بفائدة عظيمة وهي أن فعله لهذه العبادة كان امتثالاً لأمر الله ـ عزّ وجل ـ حتى تتحقق بذلك الإنابة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ، والذل لأوامره.
وقوله: «خلف المقام» ، أي: مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو معروف، وسمي مقاماً؛ لأنه قام عليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين ارتفع بناء الكعبة ليبني مِن فوقه.
وقد قيل: إن موضع قدميه كان بيِّناً في هذا الحجر، لكن لطول السنين، وكثرة ما يتمسح به الناس قبل الإسلام زال موضع القدمين وقال بعضهم: إن أثر القدم لم يزُل؛ لأن أبا طالب يقول في لاميته المشهورة:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
على قدميه حافياً غير ناعل
واختلف المؤرخون أين مكان هذا المقام في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، هل هو لاصق بالكعبة، أو هو في مكانه الآن؟
فمنهم من قال: إنه لاصق بالكعبة، وأن الذي قدمه إلى هذا المكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ من أجل التوسعة على الطائفين.
ومنهم من قال: بل هذا مكانه، وليس عندي شيء يفصل بين القولين.
__________
(1) كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
فإن قول جابر في حديثه الطويل: «ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} يحتمل أنه تقدم من منتهى الطواف وهو الحجر إلى مكان المقام، وهو خلف باب الكعبة، ويحتمل أنه تقدم إليه في مكانه الآن.
فإذا قلنا: إن مكانه الحاضر هو مكانه في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهل لنا فيما لو احتجنا إلى تأخيره ليتسع المطاف أن نؤخره؟
الجواب: لا؛ لأنه توقيفي، وإذا قلنا: إنه كان لاصقاً بالكعبة، ثم أخره عمر فللاجتهاد في ذلك مجال، فقد نقول بجواز تأخيره إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وقد نقول بالمنع لأن أمير المؤمنين عمر له سنة متبعة، لكن القول بالجواز أولى ولا ينافي ما سنه أمير المؤمنين من حيث المعنى؛ لأنه زحزحه عن مكانه من أجل توسعة المطاف، فإذا زحزحناه عن مكانه لذلك فقد وافقنا أمير المؤمنين من حيث المعنى.
وقوله: «خلف المقام» ظاهر كلامه أنه لا يشترط فيهما الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما وإن كان مكانهما بعيداً عن المقام، وهو كذلك.
ولكن كلما قرب من المقام كان أفضل، إلا أنه إذا دار الأمر بين أن يصلي قريباً من المقام مع كثرة حركته لرد المارين بين يديه أو مع التشويش فيمن يأتي ويذهب، وبين أن يصلي بعيداً عن المقام ولكن بطمأنينة، فأيهما أفضل؟
الجواب: الثاني أفضل؛ لأن ما يتعلق بذات العبادة أولى
بالمراعاة مما يتعلق بمكانها كما سبق، وعلى هذا فلو تأخر الإنسان إلى ما حول المسعى، وصلاهما فقد أتى بالسنة، ولكن الأفضل أن يراعي أن يكون المقام بينه وبين البيت.
مسألة: لم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ ماذا يقرأ في هاتين الركعتين؛ لأن الكتاب مختصر، لكن جاءت السنة بأنه يقرأ في الأولى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *}، والثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} (1) ، لأنهما سورتا الإخلاص، فـ«قل يا أيها الكافرون» فيها إخلاص القصد، و«قل هو الله أحد» فيها إخلاص العقيدة، فالتوحيد في «قل هو الله أحد» توحيد علمي عقدي، وفي «قل يا أيها الكافرون» عملي إرادي.
ولم يذكر حكم الإطالة والتخفيف فيهما مراعاة للاختصار لكن السنة جاءت بتخفيفهما؛ وذلك من أجل تخلية المكان لمن أراد أن يصليهما.
__________
(1) كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
فَصْلٌ
ثُمَّ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وَيَخْرُجُ إِلى الصَّفَا مِن بَابِهِ فَيَرْقَاهُ حَتَّى يَرَى البَيْتَ
قوله: «ثم يستلم الحجر» ، أي: بعد الصلاة يعود خلف المقام ويستلم الحجر، كما ثبت ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) .
والظاهر أن استلام الحجر لمن أراد أن يسعى، وأما من طاف طوافاً مجرداً ولم يُرد أن يسعى فإنه لا يسن له استلامه، وهذا الاستلام للحجر كالتوديع لمن قام من مجلس، فإنه إذا أتى إلى المجلس سلَّم، وإذا غادر المجلس سلم.
ولم يذكر المؤلف سوى الاستلام، وعليه فلا يسن تقبيله في هذه المرة، ولا الإشارة إليه، بل إن تيسر أن يستلمه فعل، وإلا انصرف من مكانه إلى المسعى.
قوله: «ويخرج إلى الصفا من بابه» ، أي: من باب الصفا لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام فيما سبق له أبواب دون المسعى، أي: أن حدوده دون المسعى، وله أبواب يخرج الناس منها.
قوله: «فيرقاه» أي: الصفا «حتى يرى البيت» أي الكعبة، ولم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ ماذا يسن إذا قرب من الصفا؛ لأن الكتاب مختصر، ولكن يسن إذا دنا من الصفا أن يقرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به (2) ، وتلاوة هذه الآية كتلاوة {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}.
أي: أن الإنسان يشعر بأنه يفعل ذلك طاعة لله، وامتثالاً لأمره ـ سبحانه وتعالى ـ.
__________
(1) - (2) كما في حديث جابر، ص(76).
وقوله: «فيرقاه» : أي: يرقى الصفا، حتى يرى الكعبة (1) فيستقبلها، ظاهره لا يصعد أكثر من ذلك لكن لو خاف من الزحام فصعد أكثر فحسن.
ويُكَبِّرُ ثَلاَثاً، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَاشِياً إِلَى العَلَمِ الأوَّلِ، ثُمَّ يَسْعَى شدِيداً إِلَى الآخر ........
قوله: «ويكبر ثلاثاً، ويقول ما ورد» ، أي: يقول الله أكبر وهو رافع يديه كرفعهما في الدعاء ثلاث مرات، ويقول ما ورد ومنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما أحب ثم يعيد الذكر مرة ثالثة (2) ، وينزل متجهاً إلى المروة.
قوله: «ثم ينزل ماشياً إلى العَلَم الأول» ، العَلَم يعني ما جُعل علامة، وهو الشيء الشاخص البيِّن ومنه سمي الجبل علماً، قال الله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *} [الرحمن] ، وكان في هذا المكان عمود أخضر، ولا يزال موجوداً إلى الآن، وقد ازداد وضوحاً بالأنوار التي تحيط بهذا المكان.
وقوله: «إلى العلم الأول» يعني الذي يلي الصفا، لأن هناك علمين: علماً جنوبياً، وعلماً شمالياً، فالذي يلي الصفا جنوبي، والذي يلي المروة شمالي.
قوله: «ثم يسعى شديداً إلى الآخر» ، «شديداً» صفة لموصوف
__________
(1) - (2) كما في حديث جابر في صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم ص(76).
محذوف، والتقدير سعياً شديداً، والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعياً شديداً بقدر ما يستطيع، لكن بشرط ألا يتأذى أو يؤذي، فإن خاف من الأذية عليه، أو على غيره فليمش، وليسع بقدر ما تيسر له، وكذلك لو كان معه نساء يخاف عليهن سقط عنه السعي الشديد.
والدليل على ذلك فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنه كان يسعى حتى تدور به إزاره من شدة السعي (1) .
فإن قال قائل: ما الحكمة في كونه يسعى سعياً شديداً بين العلمين.
فالجواب: أنه كان في هذا المكان واد، أي مسيل مطر، والوادي في الغالب يكون نازلاً ويكون رخواً رملياً فيشق فيه المشي العادي، فيركض ركضاً.
وأصل السعي أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل، فإنها ـ رضي الله عنها ـ لما خلَّفها إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ هي وابنها في هذا المكان، وجعل عندها، سقاءً من ماء، وجراباً من تمر، فجعلت الأم تأكل من التمر وتشرب من الماء، وتسقي اللبن لولدها، فنفدَ الماء ونفد التمر، فجاعت وعطشت، ويبس ثديها،
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/421)؛ وابن خزيمة (2764)؛ والدارقطني (2/255)؛ والحاكم (4/70) عن حبيبة بنت أبي تجراة ـ رضي الله عنها ـ، وضعفه ابن عدي (4/1456)؛ وأبو حاتم كما في «العلل» (1/269)؛ والذهبي في «تلخيص المستدرك» وله طرق أخرى أخرجها الدارقطني (2/255)؛ والبيهقي (5/97)؛ وصححها ابن عبد الهادي في «التنقيح» كما في «نصب الراية» (3/56)؛ والذهبي في «تنقيح التحقيق» (1512) وانظر: «الإرواء» (1072).
فجاع الصبي، وجعل يتلوى من الجوع، فأدركتها الشفقة، فرأت أقرب جبل إليها الصفا فذهبت إلى الصفا، وجعلت تتحسس لعلها تسمع أحداً، ولكنها لم تسمع، فنزلت إلى الاتجاه الثاني إلى جبل المروة، ولما هبطت في بطن الوادي نزلت عن مشاهدة ابنها، فجعلت تسعى سعياً شديداً، حتى تصعد لتتمكن من مشاهدة ابنها، ورقيت لتسمع وتتحسس على المروة، ولم تسمع شيئاً، حتى أتمت هذا سبع مرات، ثم أحست بصوت، ولكن لا تدري ما هو، فإذا جبريل نزل بأمر الله ـ عزّ وجل ـ، فضرب بجناحه أو برجله الأرض مكان زمزم الآن، فنبع الماء في الحال، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وجعلت تحجر الماء، وخافت أن يتسرب وينفد، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكان عيناً معيناً» ، ولكن من رحمة الله ـ عزّ وجل ـ أنها حجرته، ولو كان عيناً معيناً لصار فيه ضيق على الناس؛ لأن هذا المكان صار مسجداً، وشربت من هذا الماء، وصار هذا الماء شراباً وطعاماً، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ماء زمزم لما شرب له» (1) ، إن شربته لعطش رويت، ولجوع شبعت، ودرَّت على الولد، وهيأ الله لها قوماً من جرهم مروا بمكة، فتعجبوا أن تكون الطيور تأوي إلى هذا المكان، وقالوا: لا يمكن أن تأوي إلى هذا المكان إلا وفيه ماء، ولم يكونوا على عهدٍ بماء في هذا المكان، فجاءوا
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (3/357، 372)؛ وابن ماجه في «المناسك»/ باب الشرب من زمزم (3062) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ وقد حسنه المنذري في «الترغيب» (2/334)؛ وابن القيم في «الزاد» (4/393).
نحو هذه الجهة فوجدوا إسماعيل وأمه، فنزلوا عندهم، والقصة مطولة في صحيح البخاري (1) ، وفيها قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فلذلك سعى الناس» .
فهذا هو السبب في كون الناس يسعون سعياً شديداً إذا وصلوا هذا المكان، والآن ليس فيه واد، لكن فيه علامة على هذا الوادي وهو هذا العلم الأخضر.
فالإنسان إذا سعى يستحضر أولاً: سنة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وثانياً: حال هذه المرأة وأنها وقعت في شدة عظيمة حتى أنجاها الله، فأنت الآن في شدة عظيمة من الذنوب فتستشعر أنك تحتاج إلى مغفرة الله ـ عزّ وجل ـ كما احتاجت هذه المرأة إلى الغذاء، واحتاج ولدها إلى اللبن، وقد قرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصفا: «إن الصفا والمروة من شعائر الله» أبدأ بما بدأ الله به (2) ، ليشعر نفسه أنه إنما طاف بالصفا والمروة؛ لأنهما من شعائر الله ـ عزّ وجل ـ ولذلك لا تقرأ هذه الآية إلا إذا أقبل على الصفا حين ينتهي من الطواف وأما بعد ذلك فلا تقرأ.
مسألة: إذا سعى هو وزوجته ووصلا إلى العلم الأخضر فهل يسعى سعياً شديداً وزوجته معه؟
الجواب: لا يسعى سعياً شديداً، لا سيما في أيام المواسم والزحام فإنه لو سعى ضيعها.
لكن هنا إشكال وهو أنه إذا كان أصل سعينا بين العلمين
__________
(1) في كتاب الأنبياء (3364) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) كما في حديث جابر ص(76).
سعي أم إسماعيل وهي امرأة، فلماذا لا نقول: إن النساء أيضاً يسعين؟
الجواب: من وجهين :
الأول: أن أم إسماعيل سعت وحدها ليس معها رجال.
الثاني: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف ولا تسعى بين العلمين، وعليه فلا يصح القياس؛ لأنه قياس مع الفارق ولمخالفة الإجماع إن صح.
ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى المَرْوَةَ وَيَقُولُ مَا قَاله عَلَى الصَّفَا، ثُم يَنْزلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضعِ مَشيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيه إلى الصَّفَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَاً، ذَهَابُهُ سَعْيةٌ، وَرَجُوُعُهُ سَعْيَةٌ، فَإِنْ بَدَأ بالمَرْوَةِ سَقَطَ الشَّوْطُ الأَوَّلُ.
قوله: «ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سبعاً، ذهابه سعية، ورجوعه سعية» ، أي: فليس السعي دورة كاملة، بل نصف دورة من الصفا إلى المروة سعية، ومن المروة إلى الصفا سعية أخرى.
وقوله: «ويرقى المروة» ليس بشرط، وإنما الشرط أن تستوعب ما بين الجبلين، ما بين الصفا والمروة، فما هو الذي يجب استيعابه؟
الجواب: الذي يجب استيعابه حده حد الممر الذي جعل ممراً للعربات، وأما ما بعد مكان الممر فإنه من المستحب، وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اختصر في سعيه من حد
ممر
العربات لأجزأه؛ لأن الذين وضعوا ممر هذه العربات وضعوها على أن منتهاه من الجنوب والشمال هو منتهى المسعى.
قوله: «فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول» ، لأنه يشترط أن يبدأ بالصفا، فإذا بدأ بالمروة فإنه يسقط الشوط الأول ويلغيه، كما لو بدأ بالسجود في الصلاة، قبل الركوع فإنه يسقط ولا يعتبر.
وظاهر كلامه ولو كان ابتداؤه بالمروة عمداً، وفيه نظر والأولى أن يبطل جميع سعيه لأنه متلاعب وعلى غير أمر الله ورسوله، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) .
مسألة: لم يذكر المؤلف اشتراط النية، فالنية في السعي كالنية في الطواف، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يشترط له نية؛ لأن النسك الذي هو فيه يعين أنه للعمرة أو الحج، وكذلك نقول في السعي.
والمؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ أتى بالسعي بعد الطواف، فهل يشترط أن يتقدمه طواف؟
الجواب: نعم يشترط، فلو بدأ بالسعي قبل الطواف وجب عليه إعادته بعد الطواف؛ لأنه وقع في غير محله.
فإن قال قائل: ما تقولون فيما صح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه سئل، فقال له رجل: سعيت قبل أن أطوف قال: «لا حرج» (2) ؟
__________
(1) سبق تخريجه ص(158).
(2) أخرجه أبو داود في «المناسك»/ باب من قدم شيئاً على شيء (2015) وصححه ابن خزيمة من حديث أسامة بن شريك ـ رضي الله عنه ـ (2774).
فالجواب: أن هذا في الحج، وليس في العمرة.
فإن قيل: ما ثبت في الحج ثبت في العمرة إلا بدليل؛ لأن الطواف والسعي في الحج وفي العمرة كليهما ركن؟
فالجواب: أن يقال: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإخلال بالترتيب في العمرة يخل بها تماماً؛ لأن العمرة ليس فيها إلا طواف، وسعي، وحلق أو تقصير، والإخلال بالترتيب في الحج لا يؤثر فيه شيئاً؛ لأن الحج تفعل فيه خمسة أنساك في يوم واحد، فلا يصح قياس العمرة على الحج في هذا الباب.
ويذكر عن عطاء بن أبي رباح عالم مكة ـ رحمه الله’>;ـ أنه أجاز تقديم السعي على الطواف في العمرة، وقال به بعض العلماء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز مع النسيان أو الجهل، لا مع العلم والذكر.
وَتُسَنُّ فِيْهِ الطَّهَارَةُ والسِّتَارَة والمُوَالاَةُ ثُمَّ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعاً لاَ هَدْيَ مَعَهُ قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ وتَحَلَّلَ، وإلاَّ حَلَّ إِذَا حَجَّ، والمُتَمَتِّعُ إِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ.
قوله: «وتسن فيه الطهارة» ، أي: من الحدث والنجس أيضاً (1) ، فلو سعى محدثاً، أو سعى وهو جنب، أو سعت المرأة وهي حائض، فإن ذلك مجزئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن هذا سنة؟ قلنا: لأنه من الذكر، والأصل في الذكر أن يكون على طهر، ولأن هذا هو الظاهر من حاله صلّى الله عليه وسلّم، لأنه لما انتهى من الركعتين شرع في السعي مباشرة.
__________
(1) وهذا هو المذهب.
قوله: «والستارة» ، أي: يُسن فيه ستر العورة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يسعى عرياناً عُرياً كاملاً، لكن ربما يكون إزاره أو قميصه في سعيه للحج بعد التحلل الأول خفيفاً ترى من ورائه البشرة، أو يكون فيه خرق ترى من ورائه العورة، ففي هذه الحال سعيه صحيح؛ لأن الستر فيه سنة.
قوله: «والموالاة» ، أي: يُسن أن تكون الأشواط متوالية، وليس ذلك بشرط، فلو سعى الشوط الأول في أول النهار، وأتم في آخر النهار فسعيه صحيح، لكنه خلاف السنة، ولو سعى الشوط الأول في الساعة الواحدة، والثاني في الساعة الثانية، والثالث في الساعة الثالثة، والرابع في الساعة الرابعة، والخامس في الساعة الخامسة، والسادس في الساعة السادسة، والسابع في الساعة السابعة، لكان سعيه صحيحاً، لأن الموالاة سنة.
لكن المذهب أن الموالاة فيه شرط كالطواف، ومن ثم صرف الشارح في الروض عبارة الماتن إلى هذا المعنى فقال: «تسن الموالاة بينه وبين الطواف» ، وهذا صرف للعبارة عن ظاهرها، وإنما صرفها الشارح عن ظاهرها من أجل أن تطابق المذهب، لأن صاحب المتن اشترط في خطبة الكتاب: أنه على قول واحد وهو الراجح في مذهب أحمد، والراجح في مذهب أحمد أن الموالاة في السعي شرط، كما أن الموالاة في الطواف شرط، وهذا القول أصح، ويدل لهذا القول:
أولاً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سعى سعياً متوالياً (1) ، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني مناسككم» (2) .
ثانياً: أن السعي عبادة واحدة فاشترط فيه الموالاة كالصلاة والطواف.
ثالثاً: أن الإنسان لو فرق السعي كما سبق لم يقل أحد: إنه سعى سبعة أشواط لتفريق السعي.
لكن لو فرض أن الإنسان اشتد عليه الزحام فخرج ليتنفس، أو احتاج إلى بول أو غائط فخرج يقضي حاجته ثم رجع، فهنا نقول: لا حرج؛ لعموم قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ولأنه رويت آثار عن السلف في هذا؛ ولأن الموالاة هنا فاتت للضرورة، وهو حين ذهابه قلبه معلق بالسعي، ففي هذه الحال لو قيل بسقوط الموالاة لكان له وجه.
مسألة: لو أقيمت صلاة الفريضة في أثناء الطواف؟ نقول: اختلف العلماء في هذا:
فمنهم من قال: إن كان الطواف نفلاً قطعه وصلى لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة» (3) ، وأعلى أحوال الطواف أن يلحق بالنافلة، فإذا أقيمت الفريضة قطعه وصلى الفريضة ثم بنى، وأما إن كان فرضاً فإنه يستمر في الطواف ولو فاتته صلاة الفريضة.
__________
(1) كما في حديث جابر ص(76).
(2) سبق تخريجه ص240.
(3) أخرجه مسلم في الصلاة/ باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة (710) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وقال آخرون: إن الموالاة ليست بشرط وأنه يجوز أن يقطعه، ويقطع الموالاة بين أشواطه ولا حرج، لكن الذي ينبغي أن نعلم أن العبادة الواحدة تجب الموالاة بين أجزائها لتكون عبادة واحدة إلا ما دل الدليل على جواز التفريق، والقول الراجح في مثل أنه إذا أقيمت صلاة الفريضة فإنه يقطعه بنية الرجوع إليه بعد الصلاة.
فإذا قطعه ـ ولنفرض أنه قطعه حين حاذى الحجر ـ فإذا قضيت الصلاة هل يبدأ الطواف من المكان الذي قطعه فيه أو يبدأ الطواف من جديد؟
اختلف العلماء في هذا، فالمشهور من المذهب أنه لا بد أن يبدأ الشوط من جديد، والقول الراجح أنه لا يشترط وأنه يبدأ من حيث وقف، لأن ما قبل الوقوف وقع مجزئاً وما وقع مجزئاً لا يجب علينا رده؛ لأننا لو أوجبنا رده لأوجبنا على الإنسان العبادة مرتين وهذا لا نظير له.
مسألة: صلاة الجنازة هل يقطع الطواف من أجلها؟
الظاهر نعم؛ لأن صلاة الجنازة قصيرة فلا يكون الفاصل كثيراً فيعفى عنه.
قوله: «ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره» ، أي: ثم إن كان الساعي متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره، والتقصير هنا أفضل من الحلق لحديث ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا
والمروة، وليقصر وليحل» (1) ، ومن أجل أن يتوفر الحلق للحج.
وظاهر هذا التعليل أنه لو قدم مكة مبكراً في شوال مثلاً، فإن الحلق في حقه أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
وقوله: «لا هدي معه» فإن كان معه هدي، فإنه لا يحل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن معي الهدي لأحللت معكم» (2) .
وظاهر كلام المؤلف أنه يمكن أن يتمتع مع سوق الهدي؛ لأنه قال «متمتعاً لا هدي معه» ، ولكن كيف يمكن أن يتمتع، وقد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}؟ يقولون في هذه الصورة: إذا طاف وسعى أدخل الحج أي: أحرم بالحج بدون تقصير، وهل يكون قارناً في هذه الحال؟
الجواب: يقولون: ليس بقارن، ولهذا يلزمونه بطواف وسعي في الحج، كما طاف وسعى في العمرة، ولو كان قارناً لكفاه السعي الذي كان عند قدومه، وعليه فيلغز بهذه المسألة فيقال: متمتع حرم عليه التحلل بين العمرة والحج فما الجواب؟
الجواب: أنه متمتع ساق الهدي.
والصواب أنه إذا ساق الهدي امتنع التمتع لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم» (3) ، وعلى هذا فليس أمام سائق الهدي إلا القران أو
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب من ساق البدن معه (1691) ومسلم في الحج/ باب وجوب الدم على المتمتع (1227).
(2) - (3) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
الإفراد. وإذا قلنا: إنه إذا كان معه الهدي لا يحل وهو متمتع صار هذا نسكاً رابعاً لم تأت به السنة: أن يكون متمتعاً لا يحل بين العمرة والحج فهذا لا نظير له، وعلى هذا فقوله ـ رحمه الله ـ «لا هدي معه» مبني على قول ضعيف.
قوله: «وتحلل» ، أي: من عمرته فحل له كل شيء حتى النساء.
قوله: «وإلا حل إذا حج» كلمة «إلا» يدخل فيها ثلاث صور، أي: بأن كان مفرداً، أو قارناً، أو متمتعاً ساق الهدي على القول بصحة هذه الصورة فيحل إذا حج يعني إذا جاء وقت الحل في الحج؛ لتعذر الحل منه قبل أن يبلغ الهدي محله.
قوله: «والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية» ؛ لأنه شرع في الركن المقصود، والتلبية إنما تكون قبل الوصول إلى المقصود، فإذا وصل إلى المقصود فلا حاجة إلى التلبية، فإذا شرع في الطواف فإنه يقطع التلبية ويشتغل بذكر الطواف، وعموم قوله: «والمتمتع» يشمل المتمتع الذي ساق معه الهدي.
وقيل: إن المتمتع يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم؛ لأن الحرم مقصوده وقد وصل إليه.
وقيل: إذا رأى البيت (1) .
__________
(1) ويؤيده أن عطاء سئل متى يقطع المعتمر؟ فقال: «قال ابن عمر: إذا دخل الحرم، وقال ابن عباس: حتى يمسح الحجر، قلت: يا أبا محمد أيهما أحب إليك؟ قال: قول ابن عباس».
أخرجه البيهقي (5/104)؛ وفي «الإرواء» (4/297): سنده صحيح.
وقد روي مرفوعاً عن ابن عباس: «أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر».
أخرجه أبو داود في المناسك/ باب متى يقطع المعتمر التلبية (1817)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء متى يقطع التلبية في العمرة (919)؛ والبيهقي (5/105). وصححه الترمذي، وقال البيهقي: «رفعه خطأ، وكان ابن أبي ليلى كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيراً ضعفه أهل النقل»، ورواه البيهقي أيضاً عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً وضعفه (5/105).
ولكن المذهب في هذا أصح.
وعلم من قوله: «والمتمتع» أن المفرد والقارن لا يقطعان التلبية، فمتى يقطعانها؟
الجواب: عند رمي جمرة العقبة يوم العيد؛ لأنه صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (1) ، ولأنه برميه جمرة العقبة شرع فيما يحصل به التحلل، وهو الرمي.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب الركوب والارتداف في الحج (1543)، (1544)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة (1281).
بَابُ صِفَةِ الحَجِّ والعُمْرَةِ
يُسَنُّ لِلْمُحلِّينَ بِمَكَّةَ الإِحْرَامُ بالحَجِّ يَومَ التَّرْويَةِ قَبْلَ الزَّوالِ مِنْهَا،....
قوله: «باب صفة الحج والعمرة» ، هذا هو المقصود في المناسك.
وقوله: «صفة الحج والعمرة» ، أي: الكيفية التي ينبغي أن يؤدى عليها الحج، والعمرة، واعلم أن لصحة العبادة شرطين:
الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا يمكن تحقق المتابعة إلا بمعرفة صفتها الثابتة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية» .
المحل هو المتمتع؛ لأنه حل من إحرامه، أو من كان من أهل مكة فإنه محل؛ لأنه باق في مكة حلالاً، فيسن لهم الإحرام بالحج يوم التروية، لا قبله ولا بعده، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة.
واستثنى بعض العلماء المتمتع إذا لم يجد الهدي، فقالوا: ينبغي أن يحرم في اليوم السابع؛ بناء على أنه يصوم الأيام الثلاثة من اليوم السابع؛ ليكون صوم الثلاثة كلها في الحج، ومقتضى هذا التعليل أن يحرم قبل طلوع الفجر من اليوم السابع، ولكن هذا قول ضعيف.
والصحيح أنه لا يتقدم بالإحرام عن اليوم الثامن، وما ذكروه من التعليل مقابل بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «دخلت العمرة في
الحج إلى يوم القيامة» (1) ، فمن صام اليوم السابع قبل إحرامه بالحج فقد صام الثلاثة في الحج، ولهذا فإنهم يجوزون أن يصوم من حين أن يحرم بالعمرة، وعليه فلا وجه لتقديم الإحرام بالحج على اليوم الثامن، لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عن أصحابه مع أن الذين حلوا هم الذين لم يسوقوا الهدي، وأكثرهم فقراء، ولم يحرم أحد منهم قبل يوم التروية.
وقوله: «يوم التروية» ، هو اليوم الثامن، وسمي بذلك؛ لأن الناس كانوا فيما سبق يتروون الماء فيه؛ لأن منى في ذلك الوقت لم يكن فيها ماء، وكذلك مزدلفة وعرفة، فهم يتأهبون بسقي الماء للحج في المشاعر في هذا اليوم الثامن.
ومن اليوم الثامن إلى الثالث عشر كلها لها أسماء، فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.
قوله: «قبل الزوال منها» ، أي: يسن أن يحرم قبل الزوال من مكة، وعُلم من كلامه أنه لا يسن قبل طلوع الشمس، إلا من مر بالميقات وكان قارناً أو مفرداً، فمتى مر به أحرم من الميقات، لكن كلام المؤلف هنا في المحِلِّين أنهم لا يتقدمون على يوم التروية، بل في ضحى يوم التروية، وعُلم منه أيضاً أنه لا ينبغي أن يؤخر الإحرام عن الزوال، بل يحرم قبل الزوال؛ ليشغل الوقت في طاعة الله؛ لأنه إذا أخر الإحرام إلى وقت العصر فاته
__________
(1) سبق تخريجه، ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
ما بين الضحى إلى العصر، ولو أخره إلى الغد كما يفعله بعض الناس يقول: أحرم يوم عرفة وأمشي إلى عرفة، فهذا أشد حِرْماناً.
والصواب أنه لا يحرم من مكة بل يحرم من مكانه الذي هو نازل فيه، فإن كانوا في البيوت فمن البيوت، وإن كانوا في الخيام فمن الخيام.
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما فرغ من الطواف والسعي: خرج إلى ظاهر مكة (الأبطح) ونزل هناك، وأحرم الناس من هذا المكان (1) ، وعلى هذا فنقول: يسن أن يحرم من المكان الذي هو فيه، سواء في مكة أو في غيرها.
والعجيب أن بعض العلماء قال: يسن أن يحرم من تحت ميزاب الكعبة أي في الحِجْر لأنه مصب الميزاب وهذا مخالف لظاهر السنة، لأن الصحابة أحرموا من الأبطح من مكانهم وفي هذا القول من الحرج ما لا يخفى، والقائل بهذا القول مجتهد.
وَيُجْزِئُ مِنْ بَقيَّةِ الحَرَمِ وَيبيتُ بِمِنَى،...........
قوله: «ويجزئ من بقية الحرم» ، أي: ويجزئ الإحرام بالحج من بقية الحرم، وهل هنا فرق بين مكة والحرم؟
الجواب: نعم هناك فرق بينهما، فمكة القرية أي: البيوت، والحرم كل ما دخل في حدود الحرم فهو حرم، لكن في وقتنا الآن صار بعض مكة خارج الحرم حيث امتدت البيوت من جهة التنعيم؛ إلى الحل.
__________
(1) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن أبي الزبير عن جابر ـ رضي الله عنه ـ في الحج/ باب الإهلال من البطحاء، ووصله الإمام أحمد (3/378) وصححه ابن خزيمة (2794)؛ وابن حبان (3796).
وفُهِمَ من كلامه أنه لا يجزئ الإحرام بالحج من الحل، فالحرم ميقات مَنْ في مكة في الحج، والحل ميقات من في مكة في العمرة.
فكما أنه لا يجوز أن يحرم بالعمرة من الحرم، فكذلك لا يجوز أن يحرم بالحج من الحل، وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وقيل: يجوز أن يحرم من في مكة بالحج من الحل، وعلى هذا فإذا كان نازلاً في مكة وأحرم من عرفة، فإنه يجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب، والماتن مشى في هذا على خلاف المذهب.
والراجح أنه لا ينبغي أن يخرج من الحرم، وأن يحرم من الحرم، ولكن لو أحرم من الحل فلا بأس؛ لأنه سوف يدخل إلى الحرم.
قوله: «ويبيت بمنى» ، أي: يبيت بمنى ليلة التاسع، وعلى هذا فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر كلها في منى قصراً بلا جمع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يجمع في منى وإنما جمع في عرفة، وفي مزدلفة.
مسألة: هل هذا الحكم ـ القصر والجمع ـ خاص بأهل الآفاق أو لهم ولأهل مكة؟
المذهب ليس لأهل مكة قصر ولا جمع، لأنهم ليسوا مسافرين، إذ أن السفر ما بلغ ستة عشر فرسخاً، ومقداره بالكيلو نحو ثلاثة وثمانين كيلو، ومعلوم أن عرفة لا تبلغ ثلاثة وثمانين كيلو، ولذلك يقولون: لا يجوز لأهل مكة أن يجمعوا في مزدلفة وفي عرفة، ولا أن يقصروا في منى.
والصحيح أن أهل مكة كغيرهم من الحجاج، ولكن بشرط أن يكونوا مسافرين، أي خارجين عن مكة، وفي يومنا هذا إذا تأمل المتأمل يجد أن منى حي من أحياء مكة، وحينئذٍ يقوى القول بأنهم لا يقصرون في منى، وفي مزدلفة وفي عرفة لهم الترخص برخص السفر؛ لأنهم مسافرون، فهم يتأهبون لسفر الحج بالطعام والرحل والماء، ولذلك كان أهل مكة مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة، ويجمعون في مزدلفة وعرفة، ولم يأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يتموا، لكن اختلف الوضع الآن.
وقال بعض أهل العلم: إن القصر والجمع في الحج ليس سببه السفر وإنما سببه النسك، وعلى هذا القول الحجاج من أهل مكة يقصرون، ويجمعون في موضع الجمع، لكن هذا القول ضعيف؛ إذ لو كان سببه النسك لكانوا إذا حلوا التحلل الثاني، ـ وهذا يمكن أن يكون يوم العيد ـ لم يحل لهم أن يقصروا في منى، ولو كان سببه النسك، لكانوا إذا أحرموا في مكة بحج أو عمرة جاز لهم الجمع والقصر، فالقول بأنه هو النسك ضعيف جداً، ولا ينطبق على القواعد الشرعية.
فَإِذَا طَلَعَت الشَّمْسُ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَة
قوله: «فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة» ، أي: من اليوم التاسع فيسير إلى عرفة، وينزل أولاً بنمرة.
ونمرة قرية قرب عرفة، وليست من عرفة لا شك لأنه إذا كان بطن عرفة ليس من عرفة فهي أبعد من بطن عرنة.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: ثم سار النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ يعني من منى ـ حتى أتى عرفة، فوجد
القبة قد ضربت له بنمرة (1) ، فإن ظاهره أن نمرة جزء من عرفة؟
فالجواب: أن مراد جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه لم ينزل بمزدلفة كما كانت قريش تنزل في مزدلفة، فيقفون في مزدلفة، فقول جابر: حتى أتى عرفة، يعني أنه لم يقف في مزدلفة، ولذلك قال في نفس الحديث: «ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية فأجاز حتى أتى عرفة» ، فيكون هذا بياناً لمنتهى سيره، وأن منتهى سيره إلى عرفة.
وهل هذا النزول نزول نسك أو نزول راحة؟
الجواب: المعروف عند العلماء أنه نزول نسك ويحتمل أنه نزول راحة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ضربت له القبة في نمرة»، «ولما طلب منه أن يضرب له قبة في منى» (2) قال: «منى مناخ من سبق» (3) ، لأن منى مشعر، فإقراره ضرب القبة له بنمرة ومنعه ذلك في منى يشعر بأن نمرة ليست بمشعر وأن نزوله بها للراحة فقط.
لكن المعروف أن النزول بها سنة وليس من أجل الراحة، فينزل بها إن تيسر، وهي معروفة الآن، وبعض الحجاج ينزلون فيها، ويحدثوننا أنهم يجدون راحة بالغة، ولا سيما فيما سبق، لما كان الناس يحجون على الإبل، فإنهم يحتاجون إلى الراحة.
__________
(1) - (2) سبق تخريجه ص(76).
(3) أخرجه أحمد (6/187، 207)؛ وأبو داود في المناسك/ باب تحريم مكة (2019)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء أن منى مناخ من سبق (881)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب النزول بمنى (3006)؛ وابن خزيمة (2891)؛ والحاكم (1/467) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ وصححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: «على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.
وينزل إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس ركب من نمرة إلى عرفة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ركب من نمرة حتى أتى بطن الوادي، بطن عرنة، فنزل في بطن الوادي» ، والظاهر عندي والله أعلم أن نزوله في بطن الوادي؛ لأن بطن الوادي في الغالب يكون رملياً، فيكون فيه لين وسهولة على الناس للجلوس وللصلاة ثم خطب الناس خطبة بليغة قرر فيها قواعد الإسلام، وشيئاً كثيراً من أحكامه، وأعلن في تلك الخطبة، أن ربا الجاهلية موضوع، وأن أول رباً يضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه، وفي هذا دليل على أن الربا الثابت في ذمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه حتى وإن عقد قبل إسلام العاقد، أما ما قبض من قبل من ربا، وأتى الإنسان موعظة من الله فإنه له، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه، وتأمل قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم في هذا الموقف العظيم: «أول رباً أضع ربا العباس» (1) ؛ لأنه قريبه، والحاكم لا يحابي أقاربه في حكم الله، بل يبدأ بهم قبل الناس، حتى يعلم أنه ليس عنده محاباة في دين الله.
وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إذا منع الناس من شيء جمع أهل بيته وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، والناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس إلا أضعفت لمكانه مني، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر (2) .
__________
(1) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
(2) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» رقم (30640)، (6/199).

محب الدعوة
11-01-2011, 01:19 PM
والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال في هذا الموقف العظيم والمجمع الكبير: «أول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب» ، وقال في موضع آخر: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (1) ، فأقسم ـ وهو الصادق البار بلا قسم ـ أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة، وأشرف النساء نسباً لقطع يدها.
وقوله: «لقطعت» ، يحتمل لقطعت يدها مباشرة، ويحتمل أمرت بقطع يدها، والأول أبلغ في كونه يقطع يد ابنته إذا سرقت.
فالحاصل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يضع للحكام منهجاً لو ساروا عليه لأفلحوا، وهو أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس. وبعد أن خطب الناس هذه الخطبة أمر بلالاً، فأذن وأقام وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر، ولم يسبح بينهما شيئاً (2) ، وفي تقديمه الخطبة على الأذان، والجمع بين الظهر والعصر دليل على أنه لم يقصد بذلك صلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة تكون الخطبة فيها بعد الأذان، وإلا فإن ذلك اليوم كان هو يوم الجمعة في حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم مما يدل على أن المسافر لا يقيم الجمعة حتى لو كان معه أهل الأرض جميعاً، ثم ركب حتى أتى آخر عرفة من الناحية الشرقية، فوقف هناك، وكان عادته أن يكون في أخريات قومه لا يكون في المتقدمين؛ لأجل أن يتفقد من كان محتاجاً،
__________
(1) أخرجه البخاري في الحدود/ باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع... (6788)؛ ومسلم في الحدود/ باب قطع يد السارق الشريف وغيره (1688) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) سبق تخريجه من حديث جابر ص(76).
ولو كان موقفه في أدنى عرفة مما يلي مكة لدفع قبل الناس، وهذا من تواضعه صلّى الله عليه وسلّم وحسن سياسته.
وقف هناك وقال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» (1) ، فكأنه صلّى الله عليه وسلّم يشير إلى الأمة ألا تكلف نفسها هذا الموقف الذي وقفه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بل كل إنسان في مكانه؛ لئلا يحصل الزحام والأذى، فيؤذي الناس بعضهم بعضاً.
قوله: «وكلها موقف إلا بطن عرنة» ، أي كل عرفة مكان للوقوف، وعرفات معروفة لها حدود معروفة تكلم عليها الأولون، والحكومة السعودية ـ وفقها الله ـ جعلت أعلاماً بعد التحري والضبط لحدودها، وفي السنوات الأخيرة لما كثر مخالفة الناس في الموقف ووقوفهم خارج حدود عرفة، جعلت العلامات واضحة بينة كبيرة.
وقوله: «وكلها موقف إلا بطن عرنة» ، دليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة» (2) .
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (1218)، (149) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/82) عن جبير بن مطعم وفي إسناده انقطاع، وأخرجه ابن حبان (3854) إحسانه؛ والبزار (1126) «كشف الأستار»، وابن عدي (3/1118)؛ والبيهقي (9/295) وهو منقطع أيضاً كما في «نصب الراية» (3/61).
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (1583) وفيه ضعف كما في «نصب الراية» (3/61)، وأخرجه الحاكم (1/426)؛ والبيهقي (5/115)؛ والطحاوي في «مشكل الآثار» (1194) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فلعل الحديث يتقوى بهذه الطرق والمتابعات، وانظر: «التلخيص» (1048)؛ و«التعليق على صحيح ابن حبان» و«مشكل الآثار» طبعة الرسالة.
وانتبه لكلمة «بطن عرنة» دون الحافتين اللتين لا يأتيهما السيل إلا إذا كان قوياً، فالبطن هو الممنوع، والحكمة من ذلك، هل لأنه خارج عرفة، أو لأن السنة ألا ينزل الإنسان في الأودية؟ فيه احتمال أنه من عرفة، لكن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ارفعوا عنه» ؛ لأنه وادٍ ولا ينبغي للمسافر أن ينزل في الأودية، ويؤيد هذا أنه لولا أنه منها لم يقل: «ارفعوا عن بطن عرنة» ، ولكان قد عرف أن بطن عرنة خارج عرفة، وينبني على هذا لو أن إنساناً وقف في بطن عرنة ولم يدخل عرفة وخرج كمَّل حجه.
فإن قلنا: إن الوادي منها ولكن أمرنا بأن نرتفع عنه؛ لأنه وادٍ فحجه صحيح، وإن قلنا إنه ليس منها فحجه غير صحيح، وهذا يحتاج إلى تحرير بالغ؛ لأنه مهم ينبني عليه أن الإنسان أدى فريضته، أو لم يؤد فريضته، فتحريره مهم جداً.
وظاهر كلام المؤلف أن بطن عرنة، وهو بطن الوادي من عرفة، ووجه ذلك استثناؤه منها؛ لأنه لو لم يكن من عرفة ما احتاج إلى استثنائه، وعليه فنقول: بطن عرنة من عرفة، ولكن مع ذلك لا يجوز الوقوف فيه، ولهذا قال: «وكلها موقف إلا بطن عرنة» .
ولو وقف في الوادي ودفع منه، فحجه غير صحيح؛ لأن هذا ليس من عرفة شرعاً، وإن كان منها مكاناً.
وَيُسَنُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وَيَقِفُ رَاكِباً عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَل الرَّحْمَةِ وَيُكْثِرُ الدُّعَاء، ممَّا وَرَدَ ..........
قوله: «ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر» ، أي: تقديماً، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) ، والحكمة من هذا أمران:
__________
(1) كما في حديث جابر ص(76).
الأول: أن يطول وقت الدعاء.
الثاني: أن يجتمع الناس على الصلاة، لأنهم لم يتفرقوا في المواقف، ثم يتسع الوقت لاختيار كل إنسان موقفه، والأفضل أن يُصلي الحاج خلف الإمام إذا تيسر، وأن يسمع خطبة الإمام، وسماع الخطبة الآن متيسر وإن لم تكن مع الإمام عن طريق الإذاعة، ولهذا ينبغي للناس أن يستمعوا إلى خطبة الإمام يوم عرفة، لأنها خطبة مشروعة، ثم إذا انتهت الخطبة يؤذنون في خيامهم ويصلون الظهر والعصر جمع تقديم، وإذا لم يتمكنوا من سماع الخطبة في الخيام، فيشرع لهم أن يخطب لهم أحدهم إن كان طالب علم حتى يعلِّم الناس.
وعلم من قوله: «ويسن» أنه لو لم يجمع بينهما فلا حرج فهما صحيحتان، ولكن السنة الجمع، ولماذا كانت السنة الجمع، مع أن الناس نازلون، والمسافر النازل لا يسن له أن يجمع؟
الجواب: على هذا أن يقال: إنما جمع النبي صلّى الله عليه وسلّم بين الظهر والعصر لاجتماع الناس، واجتماع الناس على العبادة له شأن كبير في الشريعة؛ لأنهم لو تفرقوا بعد صلاة الظهر ما اجتمعوا هذا الجمع الكبير، والجمع لأجل تحصيل الجماعة مشروع، كما يشرع في أيام المطر المؤذي الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من أجل تحصيل الجماعة، وإلا فبالإمكان أن يصلي الظهر، ويقال للناس: صلوا العصر في رحالكم، أو يصلي المغرب، ويقال للناس: صلوا العشاء في رحالكم.
قوله: «ويقف راكباً» . «ويقف» يحتمل أن تكون منصوبة
عطفاً على قوله: «أن يجمع»، ويحتمل أن تكون مرفوعة على الاستئناف، دليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وقف على بعيره راكباً، رافعاً يديه يدعو الله ـ عزّ وجل ـ، ولما سقط الزمام أخذه بإحدى يديه، وهو رافع الأخرى» (1) .
والمراد بالوقوف المكث لا الوقوف على القدمين، فالقاعد يعتبر واقفاً، والوقوف قد يراد به السكون لا القيام، ومعلوم أن الراكب على البعير جالس عليها ليس واقفاً عليها.
وهل الأفضل أن يقف راكباً، أو أن يقف غير راكب؟
قال بعض العلماء: الأفضل أن يقف راكباً؛ لأن ذلك فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبناء على هذا يسن لنا أن نقف من بعد صلاة الظهر والعصر بعد جمعهما تقديماً، إلى الغروب في السيارات فنركب ونبقى فيها إلى الانصراف، لأن هذا هو الركوب.
ومنهم من قال: الأفضل أن يكون ماشياً لا راكباً، والذي ينبغي أن يقال إنه يفعل ما هو أصلح لقلبه، وهذا يختلف، قد يكون بقاؤه على الراحلة وهي السيارة في الوقت الحاضر سبباً لانشغاله وإشغاله، ويكون انفراده في مكان تحت شجرة أو في أي مكان أراد أولى وأخشع، فهنا نقول: الأفضل ألا يكون في السيارة وقد يكون في السيارة أخشع له وأقل تشويشاً؛ لأنه يكون متهيئاً متأهباً، فهنا نقول: انظر ما هو أصلح لقلبك.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/209)؛ والنسائي في المناسك/ باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة (5/254) وصححه ابن خزيمة (2824) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
وهذا لا ينافي القواعد الشرعية؛ لأن من القواعد أن مراعاة الكمال الذاتي للعبادة أولى بالمراعاة من الكمال في المكان والزمان.
قوله: «عند الصخرات» ، وهي صخرات معروفة لا تزال حتى الآن موجودة.
قوله: «وجبل الرحمة» ويقال له: جبل الدعاء، والمناسبة ظاهرة أن هذا المكان أعني عرفة كلها موطن رحمة وموطن دعاء، ولكن لم يكن هذا الاسم في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم معروفاً لهذا الجبل، لكن العلماء ـ رحمهم الله ـ جعلوا له هذا الاسم جبل الرحمة أو جبل الدعاء، لهذه المناسبة، ويسمى أيضاً إلال، وهذا اسمه الأول في الجاهلية، ويسمى جبل عرفة أو جبل الموقف.
وقوله: «ويقف راكباً عند الصخرات وجبل الرحمة» لم يبين المؤلف أين يكون اتجاهه، ولكن نقول يكون اتجاهه إلى القبلة كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ في صفة حج النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) ولأن كل العبادات الأفضل أن تستقبل فيها القبلة، إلا ما قام الدليل على خلافه، كما قال ابن مفلح ـ رحمه الله ـ في الفروع لما ذكر عن بعض العلماء أنه يشرع استقبال القبلة حال الوضوء، قال: «وهو متوجه في كل طاعة إلا لدليل»، ولا شك أنه في الدعاء ينبغي أن يستقبل القبلة، أما في الوضوء وشبهه ففي النفس من هذا شيء، فيحتاج إلى دليل خاص؛ لأن الظاهر من حال الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه لا يتعمد ذلك.
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
وتستقبل القبلة حتى ولو كان الجبل خلف ظهرك؛ لأن الكعبة أفضل من الجبل، وعند العامة تستقبل الجبل، ولكن هذا ناتج عن الجهل، وعلى طلبة العلم أن يبينوا للناس أن المشروع استقبال القبلة.
مسألة: هل صعود الجبل مشروع؟
الجواب: أما من صعده تعبداً فصعوده ممنوع؛ لأنه يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وأما من صعده تفرجاً، فهذا جائز ما لم يكن قدوة يقتدى به الناس، فيكون ممنوعاً.
وأما من صعده إرشاداً للجهال عما يفعلونه أو يقولونه فوق الجبل فصعوده مشروع، أو واجب حسب الحال؛ لأننا نسمع أن بعض الجهال إذا صعد الجبل يكتب كتابات، ويضع فيه خرقاً وأشياء منكرة، فإذا ذهب طالب علم يرشد الناس، ويبين أن هذا ابتداع، وأنه لا ينبغي، فنقول إنه مشروع، إما وجوباً، وإما استحباباً.
قوله: «ويكثر الدعاء مما ورد» ، «من» هنا للجنس، أي يكون دعاؤه مما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو يكثر الدعاء بما يريد ومما ورد وعلى هذا تكون «من» للتبعيض فخص الوارد، وهكذا ينبغي للإنسان أن يختار الأدعية الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم سواء وردت في هذا المكان أو وردت في مكان آخر؛ لأن الأدعية النبوية أجمع الأدعية وأنفعها وهي صادرة من أعرف الناس بالله ـ عزّ وجل ـ وأعلمهم بما يحبه الله تعالى، فينبغي أن نحافظ على الأدعية النبوية حتى وإن وجدنا أدعية مسجعة ربما تلين القلب، ومنها أن
النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يكثر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (1) .
والمهم أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من الدعاء، ومن الذكر، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (2) .
فإن قال قائل: الوقت طويل لا سيما في أيام الصيف، وربما يلحق الإنسان ملل، لأنه لو بقي يدعو من صلاة الظهر والعصر المجموعة إليها إلى الغروب لحقه الملل، فهل اشتغاله بغير الدعاء والذكر مما هو مباح جائز؟
الجواب : نعم وربما يكون مطلوباً إذا كان وسيلة للنشاط والإنسان بشر يلحقه الملل، ونبينا صلّى الله عليه وسلّم يقول: «اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» (3) ، وقال لأصحابه حين رفعوا أصواتهم بالتكبير: «اربعوا على أنفسكم» (4) .
__________
(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء/ باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة... (2690) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه الترمذي في الدعوات/ باب في دعاء يوم عرفة (3585) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ والإمام أحمد (2/210) عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ولفظه: كان أكثر دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم عرفة لا إله إلا الله... وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، ورواه مالك (1/421) عن طلحة بن عبيد الله مرسلاً وصحح إسناده الألباني في «المشكاة» (2/797) وجعله شاهداً للمرفوع، وانظر: «التلخيص» (1042).
(3) أخرجه البخاري في الإيمان/ باب أحب الدين إلى الله أدومه (43)؛ ومسلم في الصلاة/ باب فضيلة العمل الدائم (785) (221) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(4) أخرجه البخاري في الجهاد والسير/ باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)؛ ومسلم في الذكر والدعاء/ باب استحباب خفض الصوت بالذكر (2704) عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ.
على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم خطب بعد الزوال وليس بعد الزوال مباشرة؛ لأنه لما زالت الشمس كان في نمرة، فأمر بناقته فرحلت له ثم سار على الإبل حتى أتى بطن الوادي، ونزل وخطب الناس خطبة طويلة مفيدة، ثم أمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم ركب حتى أتى الموقف، والموقف من بطن عرنة بعيد وإذا لحق الإنسان ملل؛ فلا حرج أن يستريح إما بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو بمدارسة القرآن، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة، والرجاء، والبعث والنشور وأحوال الآخرة حتى يلين ويرق قلبه، والإنسان طبيب نفسه في هذا المكان.
لكن ينبغي أن يغتنم آخر النهار بالدعاء، ويتفرغ له تفرغاً كاملاً.
وهنا نسأل: هل الأفضل أن يدعو كل واحد لنفسه، أو أن نجعل إماماً يدعو بنا؟
الجواب: الأفضل أن كل إنسان يدعو لنفسه، لكن لو جاءك إنسان، وقال: ادع الله بنا، ورأيت منه التشوف إلى أن تدعو وهو يؤمِّن فإنه لا بأس في هذه الحال أن تدعو تطييباً لقلبه، وربما يكون في ذلك خشوع أيضاً، وإذا شعر الإنسان أن الناس كلهم يلتفون حوله ويؤمِّنون، وربما يكون بعضهم قريب الخشوع فيخشع ويبكي فيخشع الناس، فهذا لا بأس به فيما يظهر لي.
والدليل أنه لم يرد منع من ذلك، وهذا يحصل أحياناً من الصحابة يطلبون من الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو لهم، ولكن في هذا الموقف لا أعلم أنه دعا بالناس، ولهذا نقول: الأفضل أن يدعو كل إنسان لنفسه لا سيما إن كان يخشى أن يكون في الدعاء بصحبه فتح باب للتلبية الجماعية ونحوها.
وَمَنْ وَقَفَ وَلَو لَحْظَةً مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُو أَهْلٌ لَهُ صَحَّ حَجُّهُ وَإِلاَّ فَلاَ،.........
قوله: «ومن وقف» ، «من» اسم شرط فيعم كل من كان محرماً بالحج، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يحرم إلا بعد أن غادرها لم ينفعه الوقوف.
قوله: «ولو لحظة» ، يحتمل أنه إشارة خلاف، ويحتمل أنه للمبالغة، وأنه لو وقف ولو أدنى وقفة، وهذا هو الأقرب.
قوله: «من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر» ، أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن وقت الوقوف يبدأ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على أن وقت الوقوف يبدأ من الزوال فقط هو رواية عن الإمام أحمد.
وحُجة الإمام أحمد في المشهور عنه ـ رحمه الله ـ: حديث عروة بن مضرس ـ رضي الله عنه ـ أنه وافى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مزدلفة لصلاة الصبح، وأخبره ما صنع، وأنه أتعب نفسه، وأكلَّ راحلته ولم يدع جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» (1) .
__________
(1) سبق تخريجه ص(231).
الشاهد قوله: «ليلاً أو نهاراً» ، ولم يقيده بما بعد الزوال. ومن المعلوم أن المراد بالليل هنا ليلة العيد، لأنه وافاه في صلاة الفجر، وأما نهاراً فمن المعلوم أنه التاسع، وإذا أخذنا بعموم الليل أخذنا بعموم النهار، فيكون وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، وخصه بطلوع الفجر؛ لأن اليوم الشرعي يبتدئ من طلوع الفجر.
وحجة الجمهور أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقف قبل الزوال (1) ، وقال: «خذوا عني مناسككم» (2) ، وعليه فيحمل قوله لعروة بن مضرس: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً» على كونه مطلقاً يقيد بفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما أن قوله فقد تم حجه مقيد بما إذا فعل ما بقي من أركان الحج وواجباته، فصار الحديث ليس على ظاهره وإطلاقه وهذا قوي جداً.
ولا شك أن هذا القول أحوط من القول بأن النهار في هذا الحديث يشمل ما قبل الزوال.
قوله: «وهو أهل له صح حجّه» ، أي: للحج، وجملة «وهو أهل له» حال من فاعل «وقف» ، أي: والحال أنه أهل للحج، والذي هو أهل للحج هو من يلي:
أولاً : المسلم، فلا بد أن يكون مسلماً، فغير المسلم ليس أهلاً للحج، وعلى هذا فلو كان لا يصلي ووقف بعرفة وبعد الدفع منها وهو حاج، مَنَّ الله عليه فصلى فلا يصح حجه؛ لأنه
__________
(1) كما في حديث جابر ص(76).
(2) سبق تخريجه، ص(240).
حين الوقوف ليس أهلاً للحج ما لم يجدد إحرامه ويرجع فيقف قبل فوات الوقوف.
ثانياً : أن يكون محرماً، لأن غير المحرم ليس أهلاً للحج، ولم يكن في إحرام حتى يصح منه الوقوف.
ثالثاً : أن يكون عاقلاً، فإن كان مجنوناً لم يصح وقوفه.
رابعاً : أن لا يكون سكراناً.
خامساً : أن لا يكون مغمًى عليه.
فلا بد من خمسة أوصاف: ثلاثة ثبوتية، واثنان سلبيان.
مثال المغمى عليه: أن يحصل له حادث وهو متجه إلى عرفة، فأغمي عليه، قبل أن يصل إلى عرفة، وبقي مغمى عليه حتى انصرف الناس وانصرفوا به.
فنقول: هذا الرجل لم يصح وقوفه؛ لأنه مغمى عليه، ونقول: إنه فاته الحج، فإذا أفاق تحلل بعمرة، ثم قضاه إذا كان فرضاً من العام القادم، هذا هو المشهور من المذهب، والقول الثاني أن وقوفه صحيح؛ لأن عقله باق لم يزل وهذا هو الراجح.
قوله: «وإلا فلا» أصلها إن لا «إن» هذه شرطية، و «لا» نافية، وفعل الشرط محذوف وليست إلا استثنائية، بل هي مركبة من حرفين «إن» و«لا» لكن أدغم أحدهما في الآخر، والتقدير وإن لا يكن الأمر كذلك فلا، أي: فلا يصح حجه.
وفي قوله: «وإلا» ثلاثة أشياء وهي:
الأول : ألاَّ يقف.
الثاني : ألاَّ يقف في زمن الوقوف.
الثالث : أن يقف وهو غير أهل للحج؛ لأنه قال: «وهو أهل له» .
وَمَنْ وَقَفَ نَهَاراً وَدَفَع قَبلَ الغُروب وَلَمْ يَعُدْ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَمَنْ وَقَفَ لَيْلاً فَقَطْ فَلاَ،.
قوله: «ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم» ، أفادنا ـ رحمه الله ـ أنه إذا وقف نهاراً ثم دفع قبل الغروب نظرت، فإن عاد إليها قبل الغروب إما ندماً أو علم بعد جهله أو ذكر بعد نسيانه فلا دم عليه، وإن غابت الشمس قبل أن يعود فعليه دم؛ لأنه ترك الواجب، وهو الوقوف بعرفة إلى الغروب لمخالفة أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «خذوا عني مناسككم» ، ولموافقته هدي المشركين إن دفع قبل الغروب.
وقوله: «ولم يعد قبله» ، ظاهره أنه لو عاد بعد الغروب فعليه دم، مع أن ما بعد الغروب وقت للوقوف، وهذا أحد القولين في المذهب، لكن فيه شيء من مخالفة القواعد؛ لأنه إذا عاد بعد الغروب فقد عاد في وقت الوقوف، فمقتضى القياس أنه لا شيء عليه، كما لو عاد قبل الغروب.
والمشهور من المذهب طرد هذه المسألة، أي: أن من رجع قبل أن يطلع الفجر، فليس عليه شيء؛ لأنه رجع في وقت الوقوف.
وذهب بعض العلماء: أنه يلزمه الدم بمجرد الدفع قبل الغروب، سواء رجع أم لم يرجع، لأنه دفع منهي عنه فحصلت المخالفة بذلك، فيلزمه الدم.
ولا شك أن هذا القول، أو المذهب هو المطرد، وكلام المؤلف فيه شيء من التناقض؛ لأنه إذا رجع بعد الغروب فقد
رجع في وقت الوقوف، فأي فرق بينه وبين من رجع قبل الغروب؟!
ولو قيل بالقول الثالث الذي يلزمه الدم إذا دفع قبل الغروب مطلقاً، إلا إذا كان جاهلاً ثم نبه فرجع ولو بعد الغروب فلا دم عليه، لكان له وجه؛ وذلك لأنه إذا دفع قبل الغروب فقد تعمد المخالفة فيلزمه الدم بالمخالفة، ورجوعه بعد أن لزمه الدم بالمخالفة لا يؤثر شيئاً، أما إذا كان جاهلاً ودفع قبل الغروب، ثم قيل له: إن هذا لا يجوز فرجع ولو بعد الغروب، فإنه ليس عليه دم، وهذا أقرب إلى القواعد مما ذهب إليه المؤلف.
قوله: «ومن وقف ليلاً فقط فلا» أي دون النهار، بأن لم يأت إلى عرفة إلا بعد غروب الشمس، فإنه يجزئه؛ ولا دم عليه لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» (1) .
ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلفَةَ بِسَكِيْنةٍ وَيُسْرِعُ فِي الفَجْوَةِ، وَيَجْمَعُ بِهَا بَيْنَ العِشَاءَين وَيَبيِتُ بِهَا،...........
قوله: «ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة» ، بعد أن يتأكد من غروب الشمس، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «دفع بعد الغروب وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع صلّى الله عليه وسلّم بسكينة، وقد شنق الزمام لناقته حتى إن رأسها من شدة الشنق ليصيب مورك رحله، وهو يقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة» (2) ، «فإن البر ليس بالإيضاع» (3) ، ومن
__________
(1) سبق تخريجه، ص(231).
(2) كما في حديث جابر، ص(76).
(3) أخرجه البخاري في الحج/ باب أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالسكينة عند الإفاضة (1671) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم وربما من قبل، كان الناس إذا نفروا أسرعوا، وللإسراع في ذلك الوقت وجه؛ لأن الدروب وعرة، والليل قد أسدل ظلامه، فكانوا يحرصون على السرعة من أجل مبادرة الوقت، بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أن تغرب الشمس إذا صارت الشمس على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتناماً لضوء النهار.
ومزدلفة هي المشعر الحرام بين عرفة ومنى، سميت بذلك لأنها أقرب المشعرين إلى الكعبة، ولقبت بالمشعر الحرام لإخراج المشعر الحلال وهو عرفة، وتسمى «جمعاً» لاجتماع الناس فيها، ففي الجاهلية لا يجتمع الحجاج جميعاً، إلا في مزدلفة؛ لأن عرفة يتخلف عنها قريش، والسكينة هنا الهدوء والرفق.
قوله: «ويسرع في الفجوة» ، أي: إذا أتى متسعاً أسرع؛ لأن ذلك أرفق به حتى يصل إلى مزدلفة مبكراً، وكان من هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم في دفعه أنه إذا وجد فجوة نص، أي: أسرع كما أنه إذا أتى حبلاً من الحبال أرخى لناقته قليلاً من أجل أن تصعد، لأن الناقة إذا شُدَّ زمامها شق عليها الصعود، فإذا أرخى لها سهل عليها الصعود، وفي مراعاة النبي صلّى الله عليه وسلّم ناقته في السير دليل على حسن رعايته حتى للبهائم وأنه ينبغي الاقتداء به في ذلك.
قوله: «ويجمع بها بين العشاءين» ، أي: إذا وصل إلى مزدلفة، ولا يصل إلى مزدلفة إذا دفع بصفة دفع الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلا بعد دخول وقت العشاء.
ولهذا كان جمع النبي صلّى الله عليه وسلّم في مزدلفة جمع تأخير؛ لأنه في
أقصى عرفة من جهة الشرق، وسيمر بجميع عرفة وهي واسعة، ويمر بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة، ثم إنه صلّى الله عليه وسلّم نزل في الشعب شعب المأزمين، وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، وقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله، قال: «الصلاة أمامك» ، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً، فلهذا كان وصوله إلى مزدلفة بعد دخول صلاة العشاء (1) .
فإن قال قائل: هل يسن أن ينزل الإنسان في أثناء الطريق وفي المكان الذي نزل فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم إن كان سار فيه ويبول ويتوضأ وضوءاً خفيفاً أو لا؟
فالجواب: لا؛ لأن هذا وقع اتفاقاً بمقتضى الطبيعة، والظاهر أنه لو احتاج إلى أن يبول في غير هذا المكان لنزل فيه، ولو لم يحتج لم ينزل.
والدليل على هذا: أنه صلّى الله عليه وسلّم لما وصل إلى مزدلفة ووقف صلى المغرب قبل حط الرحال ثم بعد صلاة المغرب حطوا رحالهم، ثم صلوا العشاء (2) ، فهذا دليل على أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم ينزل هناك تعبداً ولكن اتفاقاً.
مسألة: لو صلى المغرب والعشاء في الطريق فما الحكم؟
الجواب: ذهب ابن حزم إلى أنه لو صلى في الطريق لم يجزئه لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأسامة: «الصلاة أمامك» (3) .
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب النزول بين عرفة وجمع (1669)، ومسلم في الحج/ باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة (1280) عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما.
(2) - (3) كما في حديث أسامة بن زيد، ص(303).
وذهب الجمهور: إلى أنه لو صلى في الطريق لأجزأه.
لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (1) .
وأما قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم لأسامة: «الصلاة أمامك» ، فوجهه أنه لو وقف ليصلي وقف الناس، ولو أوقفهم في هذا المكان وهم مشرئبون إلى أن يصلوا إلى مزدلفة، لكان في ذلك مشقة عليهم ربما لا تحتمل؛ فكان هديه ـ عليه الصلاة والسلام ـ هدي رفق وتيسير، لكن لو أن أحداً صلى، فإن صلاته تصح؛ لعموم الحديث: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» ، وهذا هو الصحيح.
مسألة: لو خشي خروج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة، فإنه يجب عليه أن يصلي في الطريق، فينزل ويصلي، فإن لم يمكنه النزول للصلاة، فإنه يصلي ولو على السيارة؛ لأنه ربما يكون السير ضعيفاً لا يمكنه أن يصل معه إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، ولا يمكن أن ينزل ويصلي، لأن السير غير واقف، ففي هذه الحال إذا اضطر أن يصلي في السيارة فليصل، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى على راحلته (2) في يوم من الأيام حينما كانت السماء تمطر والأرض تسيل للضرورة، وعليه أن يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
__________
(1) أخرجه البخاري في التيمم (335)؛ ومسلم في الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصلاة (521).
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/173) والترمذي في الصلاة/ باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر (411) عن يعلى بن مرة ـ رضي الله عنه ـ قال الترمذي: غريب، وقال النووي في الخلاصة (283): إسناده جيد.
مسألة: هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكراً قبل دخول العشاء فصل المغرب ثم صل العشاء في وقتها؟ نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك للزحام الشديد، واشتباه الأماكن، فالإنسان ربما ينطلق أمتاراً قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه، فالذي أري من باب الرفق بالناس ـ والله يريد بنا اليسر ـ أنه متى وصلوا إلى مزدلفة صلوا المغرب والعشاء جمعاً، وإن كنت قد ذكرت في المنهج (1) التفصيل، أنهم إن وصلوا مبكرين صلوا المغرب في وقتها والعشاء في وقتها، استناداً إلى حديث عبد الله بن مسعود (2) ـ رضي الله عنه ـ وإلى المعنى الذي من أجله جاز الجمع.
قوله: «ويبيت بها» ظاهر كلام المؤلف أنه يبيت بها وجوباً بدليل ما يأتي، وقد اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في حكم المبيت في مزدلفة.
فقال بعض العلماء: هو سنة.
وقال بعض العلماء: واجب يجبر بدم (3) .
وقال بعض العلماء: ركن كالوقوف بعرفة؛ لأن الله نص
__________
(1) «المنهج لمريد العمرة والحج» ص(27).
(2) وفيه: «أن ابن مسعود أتى المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً فأذن وأقام ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر رجلاً فأذن وأقام ثم صلى العشاء ركعتين»، أخرجه البخاري في الحج/ باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما (1675).
(3) وهو المذهب.
عليه وقال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم سوّاها بعرفة حينما قال: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف» (1) .
ولكن القول الوسط أحسن الأقوال أنه واجب يجبر بدم وهو المذهب.
وَلَهُ الدَّفْعُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيلِ وَقَبْلَهُ فِيْهِ دَمٌ، كَوْصُولِهِ إِلَيْهَا بَعْدَ الفَجْرِ، لاَ قَبْلَه ...
قوله: «وله الدفع بعد نصف الليل» «له» الضمير يعود على الحاج مطلقاً، قوياً كان أو ضعيفاً، رجلاً كان أو امرأة له الدفع بعد نصف الليل، والمراد نصف الليل الشرعي وهو نصف ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر.
والدليل: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أذن للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة ليلاً (2) ، قالوا: فإذا انتصف الليل فقد أمضى أكثر الليل في مزدلفة والمعظم ملحق بالكل في كثير من مسائل العلم، وإذا أمضى أكثر الليل أجزأه، ولكن في هذا الحكم نظراً؛ لأنه لا يطابق الدليل.
فالدليل هو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعث الضعفة من أهله بليل، وفي بعض الروايات: سحراً (3) ، وكلمة «ليل» تصدق على النصف الأول، وعلى النصف الثاني والسحر، وتعيينها بما بعد النصف يحتاج إلى دليل.
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (1218) (149) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب من قدم ضعفة أهله بليل (1678)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب تقديم دفع الضعفة (1293) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) أخرجه مسلم في الحج/ باب استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهم من مزدلفة إلى منى (1294) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومن المعلوم أننا لو أخذنا بظاهر اللفظ لقلنا: يجوز الدفع قبل منتصف الليل؛ لأنه دفع بليل، وهذا لا يقول به المؤلف رحمه الله.
ثم إذا قلنا: الواجب المبيت معظم الليل، فإن نصف الليل ليس هو معظم الليل؛ لأن الناس دفعوا من عرفة بعد غروب الشمس، والمسير من عرفة إلى مزدلفة يحتاج إلى ساعة ونصف أو ساعتين، ومن ثم كان من فقه أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ أنها كانت تنتظر حتى إذا غاب القمر دفعت (1) وغروب القمر يكون في الليلة العاشرة بعد مضي ثلثي الليل تقريباً وقد يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً، وكأنها ـ رضي الله عنها ـ اعتبرت نصف الليل، لكن اعتبرت النصف من نزول الناس في مزدلفة، ونزول الناس في مزدلفة إذا اعتبرنا النصف، فإنه يزيد على النصف الحقيقي الذي هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، بنحو هذا المقدار الذي اعتبرته أسماء وهو غروب القمر، وهذا هو الصحيح أن المعتبر غروب القمر، وإن شئت فقل: إن المعتبر البقاء في مزدلفة أكثر الليل، ولكن يؤخذ من الليل المسافة ما بين الدفع من عرفة إلى وصول مزدلفة، فيكون ما ذهبت إليه أسماء ـ رضي الله عنها ـ هو المطابق لمعظم الليل.
قوله: «وقبله فيه دم» ، قال في الروض: «سواء كان عالماً بالحكم، أو جاهلاً، عامداً أو ناسياً» .
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب من قدم ضعفة أهله بليل (1679)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب تقديم الضعفة (1291).
أي: إذا دفع قبل منتصف الليل فعليه دم بكل حال؛ لأنه ترك واجباً، وهذا الدم دم جبران، يتصدق به جميعه على الفقراء في مكة.
وقوله: «وقبله فيه دم» خلافاً لمن قال إنه يكفي أن يصلي المغرب والعشاء وينصرف؛ لأنه صدق عليه أنه ذكر اسم الله ـ عزّ وجل ـ عند المشعر الحرام، والله ـ عزّ وجل ـ يقول {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ، وقد حصل فإن الصلاة من أعظم الذكر، ولكن الصواب ما تقدم.
قوله: «كوصوله إليها بعد الفجر، لا قبله» ، أي: كوصوله إلى مزدلفة بعد الفجر، فإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر ولو بلحظة لزمه دم؛ لأنه لم يبت بها.
ولكن ظاهر حديث عروة بن مضرس ـ رضي الله عنه ـ، أن من أدرك صلاة الفجر في مزدلفة على الوقت الذي صلى فيه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقتضي أنه لا شيء عليه؛ لقوله: «من شهد صلاتنا هذه» (1) ، والإشارة «هذه» تفيد أنه لا بد أن تكون الصلاة في أول الوقت؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم صلى الفجر في أول وقتها.
وقوله: «لا قبله» ، أي: لا إن وصل إليها قبل الفجر، ولو بعد نصف الليل، فإنه لا شيء عليه.
__________
(1) سبق تخريجه ص(231).
والخلاصة على المذهب:
أنه إذا دفع من مزدلفة قبل منتصف الليل فعليه دم.
وإذا دفع بعد منتصف الليل فلا شيء عليه.
وإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دم.
وإذا وصل إليها بعد منتصف الليل فلا شيء عليه.
ولكن قلنا: إن ظاهر حديث عروة بن مضرس يقتضي أن من أدرك صلاة الفجر في أول وقتها فإنه يجزئه ولا دم عليه.
مسائل : ـ
الأولى : بعض الحجاج لا يصلون إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر، وبعد صلاة الفجر أيضاً حصرهم الزحام، فما الحكم؟
الجواب: على المذهب يجب عليهم دم، لأنه فاتهم المبيت بمزدلفة، وهو من الواجبات، والقاعدة عندهم أن من ترك واجباً فعليه دم.
وقال بعض العلماء: إن هؤلاء أحصروا إكراهاً، فيكون وصولهم إلى المكان بعد زوال الوقت كقضاء الصلاة بعد خروج وقتها للعذر، لذلك إذا أحصروا في هذه الحال، ولم يصلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر وذهاب وقت الصلاة، فإنهم يكونون كالذين عذروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتها، فيقضونها بعد الوقت، وهذا القول أقرب إلى الصواب.
فيقال: من حصر عن الوصول إليها، ولم يصل إلا بعد طلوع الفجر ومضي قدر الصلاة، أو بعد طلوع الشمس، فإنه يقف
ولو قليلاً ثم يستمر؛ وذلك لأنه يشبه الصلاة إذا فاتت لعذر فإنه يقضيها.
ولو قيل أيضاً: بأنه يسقط الوقوف؛ لأنه فات وقته لم يكن بعيداً، فالراجح أنه لا يلزم بدم؛ لأنه ترك هذا الواجب عجزاً عنه.
الثانية: هل يشرع أن يحيي تلك الليلة بالقراءة والذكر والصلاة أم السنة النوم؟
الجواب: السنة النوم؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم اضطجع حتى طلع الصبح (1) .
وهل يصلي الوتر في تلك الليلة؟
الجواب: لم يذكر في حديث جابر (2) ولا غيره فيما نعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوتر تلك الليلة، لكن الأصل أنه كان لا يدع الوتر حضراً ولا سفراً، فنقول: إنه يوتر تلك الليلة، وعدم النقل ليس نقلاً للعدم، ولو تركه تلك الليلة لنقل؛ لأنه لو تركه لكان شرعاً، والشرع لا بد أن يحفظ وينقل، وكذلك يقال في سنة الفجر في مزدلفة، فجابر ـ رضي الله عنه ـ يقول: فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ولم يذكر سنة الفجر مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان لا يدعها حضراً ولا سفراً.
الثالثة: إذا لم يستطع الإنسان أن ينام في مزدلفة ليلة العيد بسبب إزعاج السيارات ـ مثلاً ـ هل له أن يشتغل بالذكر والدعاء والصلاة؟
__________
(1) - (2) سبق من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
نقول له: اذكر الله وأنت على فراشك، وأما الصلاة فإن كان لا يراه أحد فلا بأس، وإن كان يرى فلا؛ لأنه لو رآه أحد وهي ليلة مباركة اقتدى به، ولا يعلم أنه معذور ولا سيما إذا كان طالب علم ومحل اقتداء.
الرابعة: الدفع في آخر الليل، هل يختص بأهل الأعذار أو هو عام؟
الجواب: قال بعض العلماء: إنه يختص بأهل الأعذار من الضعفاء كالنساء ونحوهن.
وقال بعضهم: هو جائز مطلقاً لأهل الأعذار وغيرهم.
حجة الأول:
أولاً : أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أقام في مزدلفة حتى صلى الفجر، وأسفر جداً، وقال: «خذوا عني مناسككم» (1) .
ثانياً : أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ تمنت أنها استأذنت الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن تدفع قبل الفجر كما استأذنت سودة، وأنها لو استأذنت لكان أشد من مفروح به (2) ، أي: تبالغ في أنها لو فعلت لأحبت ذلك.
ولم نعلم للثاني حجة مستقيمة.
الخامسة: لو قائل قائل: لماذا لم يؤخر النبي صلّى الله عليه وسلّم أهله معه، وإذا وصلوا إلى منى انتظروا إلى أن يخف الزحام؟
__________
(1) سبق تخريجه ص(240).
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب من قدم ضعفة أهله بليل (1681)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب تقديم دفع الضعفة... (1290).
فالجواب: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك لأجل أن ينال هؤلاء الذين انصرفوا من قبل فرحهم بالعيد والتحلل من أول النهار؛ لأننا إذا قلنا اذهبوا إلى منى وانتظروا حتى يخف الزحام ربما لا يخف حتى الظهر فيتأخر حلهم، ولا يتم فرحهم بالعيد، فهذه هي الحكمة.
فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَتَى المَشْعَر الحَرام فَيَرْقَاه، أَوْ يَقِفُ عَنْدَه، وَيَحْمَدُ اللهَ، وَيُكَبِّرهُ، وَيَقْرَأُ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآيَتَيْنِ ويَدْعُو حَتَّى يُسْفِرَ،...........
قوله: «فإذا صلى الصبح» ، لم يبين متى تكون هذه الصلاة، لكن قد ثبت في السنة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم صلاها حين تبين له الصبح، ولم يتأخر، فصلاها بغلس (1) .
قوله: «أتى المشعر الحرام» ، والمشعر الحرام جبل صغير معروف في مزدلفة، وعليه المسجد المبني الآن، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ركب ناقته، ووقف عند المشعر الحرام راكباً، لكنه قال: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف» (2) ، جمع أي: مزدلفة، وسميت جمعاً؛ لأن الناس في الجاهلية يجتمعون فيها كلهم، وفي عرفات لا تجتمع قريش مع غيرهم؛ لأنهم يقفون في مزدلفة لا يخرجون إلى عرفة؛ لأن عرفة من الحل، فمن أجل هذا سميت جمعاً؛ لأنها تجمع الناس كلهم.
وقوله: «المشعر الحرام» وصف بالحرام؛ لأن هناك مشعراً حلالاً وهو عرفات، ففي الحج مشعران: حلال، وحرام.
فالمشعر الحرام مزدلفة، والمشعر الحلال عرفة.
ووصف بالحرام؛ لأنه داخل حدود الحرم.
__________
(1) كما سبق في حديث جابر، ص(76).
(2) سبق تخريجه ص(306).
قوله: «فيرقاه» ، أي: يرقى هذا المشعر، وهو جبل صغير كما قلنا.
قوله: «أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره» ، لقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ويحمد الله، ويكبره، ويدعو الله ـ عزّ وجل ـ رافعاً يديه إلى أن يسفر جداً، ويكون مستقبل القبلة.
قوله: «ويقرأ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآيتين» . وقراءة هاتين الآيتين لا أعلم فيها سنة، لكنها مناسبة؛ لأن الإنسان يذكر نفسه بما أمر الله به في كتابه.
وكأن الفقهاء قاسوا هذه المسألة على مسألة {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} حيث إن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصفا عند ابتداء السعي قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}، وحين تقدم إلى مقام إبراهيم قرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} (1) .
قوله: «ويدعو حتى يسفر» ، يعني يدخل في سفر الصبح بحيث يتبين الضوء، ويرى الناس بعضهم بعضاً، ثم ينطلق قبل أن تطلع الشمس، لحديث جابر ـ رضي الله عنه ـ حتى أسفر جداً فيدفع قبل أن تطلع الشمس، فإذا أسفر سار قبل طلوع الشمس بسكينة (2) خلافاً لأهل الجاهلية، فأهل الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس، وكان من عباراتهم الموروثة: أشرِقْ ثبير كيما نغير.
__________
(1) - (2) سبق تخريجه ص(76).
وثبير: جبل معروف هناك؛ كان رفيعاً تتبين به الشمس قبل غيره مما حوله من الجبال، وكانوا يرقبون هذا الجبل فإذا أشرق دفعوا (1) .
فأهل الجاهلية يبادرون الإسفار في أول الليل، وفي آخره؛ لأنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ويدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، أما الرسول صلّى الله عليه وسلّم فخالفهم في الوقتين، فبقي في عرفة حتى غربت الشمس ودفع من مزدلفة قبل طلوعها.
مسألة: من انصرف من مزدلفة قبل الفجر، فهل يشرع له أن يدعو عند المشعر الحرام؟
الجواب: نعم، فقد كان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يرسل أهله فيذكرون الله عند المشعر الحرام، ثم يأمرهم بالانصراف قبل الفجر (2) .
فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّراً أَسَرَعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ وَأَخَذَ الحَصَى وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ بَيْنَ الحمَّصِ والبُنْدُقِ،
قوله: «فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر» .
ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرك ناقته حين بلغ محسراً فيسرع (3) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أسرع فيه، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ومحسر بطن واد عظيم سُمي بذلك؛ لأنه يحسر سالكه، أي: يعيقه، لأن الوادي الذي
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب متى يدفع من جمع (1684) عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب من قدم ضعفة أهله بليل... (1676)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب تقديم دفع الضعفة (1295).
(3) كما سبق في حديث جابر ص(76).
هو مجرى السيل يكون في الغالب رملياً ويعيق سالكه؛ ولهذا سمي مُحسِّراً، وبهذا نعرف أن بين المشاعر أودية.
فبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد، وهو وادي عرنة، وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد، وهو وادي محسر.
واختلف العلماء في سبب الإسراع، فقال بعضهم: أسرع؛ لأن بطن الوادي يكون ليناً يحتاج أن يحرك الإنسان بعيره؛ لأن مشي البعير على الأرض الصلبة، أسرع من مشيه على الأرض الرخوة، فحرك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة وسيرها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط.
وقيل: أسرع؛ لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، فينبغي أن يسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم: حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك زجر الناقة ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقنّع رأسه وأسرع، وبعض الناس يتخذ اليوم هذه الأماكن أعني ديار ثمود سياحة ونزهة ـ والعياذ بالله ـ مع أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أسرع فيها، وقال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» (1) ، ففي عملهم خطر عظيم؛ لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة
__________
(1) أخرجه البخاري في الصلاة/ باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (433)؛ ومسلم في الزهد/ باب النهي عن الدخول على أهل الحجر إلا من يدخل باكياً (2980) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما.
فقلبه يكون غير لين خاشع، فيكون قاسياً مع مشاهدته آثار العذاب، وحينئذٍ يصيبه ما أصابهم من التكذيب والتولي، هذا معنى الحديث، وليس المراد أن يصيبكم العذاب الرجز الحسي، فقد يراد به العذاب والرجز المعنوي، وهو أن يقسو قلب الإنسان، فيكذب بالخبر، ويتولى عن الأمر.
والذين يذهبون إلى النزهة أو للتفرج، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء، فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية.
وتعليل إسراع النبي صلّى الله عليه وسلّم في وادي محسر بذلك؛ فيه نظر لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له المُغَمَّسُ حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
حبس الفيل بالمُغَمَّسِ حتى
ظل يحبو كأنه مكسور
وقال بعض العلماء: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أسرع؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم.
فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة وفي الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقرب التعاليل، ولهذا قال الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} [البقرة: 198] ، ثم قال: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}.
وقوله: «أسرع رمية حجر» ، رمية حجر كيف قياسها؟ لأن الحجر قد يكون كبيراً، فإذا رميت به لم يذهب بعيداً، وقد يكون الرامي ضعيفاً، فإذا رمى بالحجر الصغير لم يذهب بعيداً؛ ولكن
قال بعضهم: مقدار خمسمائة ذراع، والذراع نصف المتر تقريباً.
والظاهر أنه لا يمكن الإسراع الآن؛ لأن الإنسان محبوس بالسيارات فلا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، وربما ينحبس في نفس المكان يحبس فيعجز أن يمشي، ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان، فينوي بقلبه أنه لو تيسر له أن يسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يثيبه على ما فاته من الأجر والثواب.
قوله: «وأخذ الحصى» ، ظاهر كلام المؤلف: أنه يأخذه من وادي محسر أو من بعده، لأنه قال: «فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر وأخذ» ، فعلى هذا يأخذه بعد أن يتجاوز محسراً في طريقه.
والذي يظهر لي من السنة أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أخذ الحصى من عند الجمرة، لأنه «أمر ابن عباس أن يلقط له الحصى، وهو واقف يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا» (1) ، وأما أخذه من مزدلفة، فليس بمستحب، وإنما استحبه بعض المتقدمين من التابعين؛ لأجل أن يبدأ برمي جمرة العقبة من حين أن يصل إلى منى؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويُفعل قبل كل شيء حتى إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم رمى وهو على بعيره قبل أن يذهب إلى رحله، وينزل رحله، والناس لا يتيسر لهم أن يقولوا لأحد منهم القط لنا الحصى، وهم على إبلهم، ولكن كثيراً
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/215، 347)؛ والنسائي في المناسك/ باب التقاط الحصى (5/268)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب قدر حصى الرمي (3029) وصححه ابن خزيمة (2867)؛ وابن حبان (3871)؛ والحاكم (1/466) وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
من الخلق يظنون أنه يجب أن يكون الحَصَى من مزدلفة وجوباً.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يغسل الحصا، وقال بعض العلماء: إنه يغسله تطهيراً له إن كانت قد أصابته نجاسة، أو تنظيفاً له إن لم تكن أصابته نجاسة.
والصحيح أن غسله بدعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يغسله.
قوله: «وعدده سبعون» بناءً على أنه يتأخر لليوم الثالث من أيام التشريق، فإن لم يتأخر، فأسقط من السبعين واحدة وعشرين تكن تسعاً وأربعين.
والصحيح أنه لا يأخذ السبعين، ولا تسعاً وأربعين، وإنما يأخذ الحصى كل يوم في يومه من طريقه، وهو ذاهب إلى الجمرة؛ لأن الشيء الذي ليس عليه دليل يكون عدم فعله لا سيما في العبادة هو الدليل، بل لو قال قائل: يأخذ في اليوم الثاني سبع حصيات للجمرة الأولى، وفي طريقه منها إلى الثانية يأخذ سبعاً وفي طريقه من الثانية إلى الثالثة يأخذ سبعاً، لم يكن هذا بعيداً، وأما أن يجمع سبعين حصاة من أول الأمر فهذا ليس بسنة.
قوله: «بين الحمص والبندق» ، بيَّن المؤلف حجمه، الحمص معروف، والبندق هو بالقدر الذي تضعه بين الإبهام والوسطى من الحصا، ثم ترمي به بالسبابة.
وَصَلَ إِلى مِنَى، وَهِيَ مِنْ وَادي مُحَسِّرٍ إِلَى جَمْرَةِ العَقَبةِ رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتَعَاقِبَاتٍ يَرْفَعُ يَدَهُ حَتَى يُرى بَيَاض إِبْطِهِ ويُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَلاَ يُجْزِئ الرَّمْيُ بِغَيْرِهَا وَلاَ بِهَا ثَانِياً وَلاَ يَقِفُ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَبْلَهَا، ............
قوله: «فإذا وصل إلى منى، وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة» ، أي: إذا وصل الحاج إلى منى، ومنى اسم مكان معروف، وسميت بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها من الدماء، أي:
يراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فنقول: إلى منًى بالتنوين، وحدها شرقاً وغرباً من وادي محسر إلى جمرة العقبة.
وظاهر كلام المؤلف حسب دلالة «مِن» أن الوادي منها، وليس كذلك.
أما جمرة العقبة فليست منها؛ لأنه قال: «إلى جمرة العقبة» والمعروف في معاني الحروف أن ابتداء الغاية داخل، لا انتهاءها، لكن إذا كانت المسألة من باب الحد، فإن ابتداء الغاية، وانتهاءها لا يدخلان.
فإذا قلت: لك من هذه الأرض من كذا إلى كذا، فالحد لا يدخل في المحدود لا ابتداء ولا انتهاء، وبهذا يتقرر أن وادي محسر ليس من منى، وأن جمرة العقبة ليست من منى.
ومن الشمال والجنوب قال العلماء: كل سفوح الجبال الكبيرة ووجوهها التي تتجه إلى منى من منى، وبناءً على هذا تكون منى واسعة جداً، وتسع الحجاج لو أنها نظمت تنظيماً تاماً مبنياً على العدل، لكن يحصل فيها الظلم، فتجد بعض الناس يتخذ مكاناً واسعاً يسع أكثر من حاجته.
وتوجد مشكلة في الوقت الحاضر، يقول بعض الناس أنا لا أجد أرضاً بمنى إلا بأجرة، فهل يجوز أن يستأجر أرضاً في منى؟
الجواب: نعم يجوز، والإثم على المؤجر الذي أخذ المال بغير حق، أما المستأجر فلا إثم عليه، ولهذا قال فقهاء الحنابلة ـ رحمهم الله ـ: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتاً
إلا بأجرة دفع الأجرة، والإثم على المؤجر، وبيوت منى وأرضها من باب أولى؛ لأن منى مشعر محدود محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أنزل فيها الناس إلا بأجرة؟!
أما مكة فيمكن أن ينزل الإنسان بعيداً، ولكن منى، وعرفة، ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقاً أن يبني فيها بناء ويؤجره، ولا أن يختط أرضاً ويؤجرها، فإن فُعِلَ فالناس معذورون يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها.
قوله: «رماها بسبع حصيات» اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1) ؛ لأنه رماها بسبع حصيات، أما لماذا لم تكن خمساً، أو ثلاثاً، أو تسعاً، أو إحدى عشرة حصاة؟
فالجواب: أن هذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق أن نقول لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ ولماذا لم تكن الظهر ستاً، والعصر ستاً، والعشاء ستاً مثلاً؟
لأن هذا لا تدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.
قوله: «متعاقبات» ، أي: واحدة بعد الأخرى، فلو رمى السبع جميعاً من شدة الزحام لم تجزه إلا عن واحدة، أما لو رماها جميعاً غير مبال بتعاقبها فإنها لا تجزئ ولا عن واحدة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) ، أي مردود.
وقوله: «رماها» يفهم منه أنه لو وضع الحصا وضعاً فإنه لا
__________
(1) كما سبق في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
(2) سبق تخريجه ص(158).
يجزئ، فلا بد من الرمي لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بأمثال هؤلاء فارموا» (1) .
وقوله: «متعاقبات» هل يشترط أن تكون متوالية أو يجوز أن تكون متفرقة؟
كلام المؤلف يحتمل الوجهين، لكن هي عبادة واحدة والأصل في العبادة المكونة من أجزاء أن تكون أجزاؤها متوالية كالوضوء، إلا أنه إذا تعذرت الموالاة لشدة الزحام فينبغي أن يسقط وجوب الموالاة لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقوله {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
وقوله: «رماها بسبع حصيات» قد يفهم منه أنه لا بد أن يرمي الشاخص «العمود القائم»، ولكنه غير مراد، بل المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، سواءٌ ضربت العمود أم لم تضربه.
قوله: «يرفع يده حتى يرى بياض إبطه» ، علل صاحب الروض هذا بأنه أعون له على الرمي، وهذا إذا كان الإنسان بعيداً، لكن إذا كان قريباً فلا حاجة إلى الرفع، إذ المقصود هو الرمي، فالإنسان البعيد يحتاج إلى رفع يده حتى يصل الحصا إلى مكانه.
قوله: «ويكبر مع كل حصاة» ، أي: كلما رمى قال: الله أكبر مع كل حصاة (2) ، وبهذا تُعرف الحكمة من رمي الجمرات، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي
__________
(1) سبق تخريجه ص(318).
(2) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
الجمار لإقامة ذكر الله» (1) ، فالحكمة إقامة ذكر الله، وتعظيم الله ـ عزّ وجل ـ، وتمام التعبد؛ لأن كون الإنسان يأخذ حصى يرمي به هذا المكان يدل على تمام انقياده، إذ إن النفوس قد لا تنقاد إلى الشيء إلا بعد أن تعرف المعنى الذي من أجله شرع، وأما ما يذكر من أن الرمي هنا إنما هو لإغاظة الشيطان، فإن هذا لا أصل له، إلا أن يكون من حيث عموم العبادة لأن الشيطان يغيظه أن يقوم العبد بطاعة الله، وعلى هذا المفهوم الذي لا أصل له صار بعض العامة إذا أقبل على الجمرة أقبل بانفعال شديد، وغضب شديد محمر العينين يضرب بأكبر حصاة يجدها، وبالنعال، والخشب وربما قال أقوالاً منكرة من السب واللعن لهذه الشعائر.
قوله: «ولا يجزئ الرمي بغيرها» أي: بغير الحصى، حتى ولو كان ثميناً، قال في الروض: «كجوهر، وذهب، ومعادن» ، لأن المسألة تعبدية، فلو رميت بجوهر، أو بألماس، أو بحديد، أو بخشب أو طين، أو إسمنت، فلا يجزئ، لكن لو كان في كسر الإسمنت حصا لأجزأ الرمي بها.
قوله: «ولا بها ثانياً» ، أي: لا يجزئ الرمي بها ثانياً بأن ترمى بحصاة رُمِيَ بها، وعللوا بما يلي:
أولاً : أن الماء المستعمل في الطهارة الواجبة لا يرفع
__________
(1) أخرجه أحمد (6/64) وأبو داود في المناسك/ باب في الرمل (1888) والترمذي في الحج/ باب ما جاء كيف ترمى الجمار؟ (902) وابن خزيمة (2970) والحاكم (1/459) عن عائشة رضي الله عنها وصححه ابن خزيمة والحاكم ووافقه الذهبي.
الحدث، وهذه حصاة مستعملة في عبادة واجبة وهي الرمي فلا يجوز أن يرمى بها ثانية، كما لا يجوز أن تتوضأ بالماء المستعمل في طهارة واجبة.
ثانياً : أن العبد إذا أعتق في كفارة لم يجزئ إعتاقه مرة أخرى، فكذلك الحصاة المرمى بها لا يجزئ الرمي بها مرة أخرى.
وكلا التعليلين عليل:
أما الأول فإنه قياس مختلف فيه على مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء قال: إن الماء المستعمل في رفع الحدث يجوز استعماله مرة أخرى في رفع الحدث، فكذلك الحصاة المرمي بها وهذا مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ.
والقياس لا بد فيه أن يتفق الطرفان على حكم الأصل، لأجل أن يلزم أحدهما الآخر بما يقتضيه القياس، أما إذا قال: أنا لا أسلم أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث، بل يرفع الحدث، وحينئذٍ إذا بطل الأصل المقيس عليه بطل المقيس.
وأما الثاني فنقول: إن العبد إذا أعتق صار حراً، أي: زال عنه وصف العبودية، ولهذا لو قدر أن هذا العبد ارتد ثم ذهب إلى الكفار، ثم حارَبَنَا ثم سبيناه مرة ثانية، عاد رقيقاً وجاز أن يعتق في الكفارة، وأما الحصاة فلم تتغير ذاتاً ولا صفةً بعد الرمي بها فيكون هذا القياس قياساً مع الفارق.
إذاً القول الراجح أن الحصاة المرمي بها مجزئة، وهذا مع كونه هو الصحيح أرفق بالناس؛ لأنه أحياناً تسقط منك الحصاة،
وأنت عند الحوض وتتحرج أن تأخذ مما تحت قدمك، فإذا قلنا بالقول الراجح أمكن الإنسان أن يأخذ من تحت قدمه ويرمي بها.
وأورد على هذا القول أنه يلزم منه أن يرمي الحجاج كلهم بحصاة واحدة وتجزئ عنهم؟
وأجيب: أن هذا إيراد غير وارد لتعذر إمكانه، فمن الذي يجلس ينتظر الآخر فالثاني ينتظر الأول، والثالث ينتظر الثاني وهكذا إلى آخر الحجاج؟! فيسقط هذا الإيراد.
قوله: «ولا يقف» ، أي: بعد رمي الجمرة للدعاء بل ينصرف إلى المنحر، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) .
مسألة: من أين يرمي جمرة العقبة؟
الجواب: يقول الفقهاء: يرمي جمرة العقبة مستقبل القبلة والجمرة عن يمينه وهذا لا يمكن خصوصاً في وقتنا الحاضر، ولا يمكن أن نتصور أن يفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم هكذا، والصواب أن يرميها من بطن الوادي؛ وكانت الجمرة ـ وقد أدركتها ـ في ظهر جبل لاصقة به، لكنه جبل ليس بالرفيع في عقبة، ولهذا تسمى جمرة العقبة يصعد الناس إليها، وكان تحتها واد يمشي معه المطر، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم رمى من بطن الوادي (2) ، ولم يصعد على الجبل ليرمي من فوقه، وإذا رمى من بطن الوادي، تكون مكة عن يساره ومنى عن يمينه، وقد فعل ذلك عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وقال: «هذا
__________
(1) كما سبق في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
(2) كما سبق في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» (1) . وهذا في الوقت الحاضر قد يكون صعباً، وقد ذكرنا قاعدة نافعة: أن مراعاة ذات العبادة أولى من مراعاة مكانها، فإذا أتاها من الشمال، كان أيسر؛ لعدم المانع من جبل أو عقبة، المهم أن ترميها من مكان يكون أيسر لك وأن يقع الحصا في المرمى، فإذا وقعت في المرمى ثم تدحرجت تجزئ؛ لأن الاستقرار ليس بشرط، وإذا وقعت خارج المرمى ثم تدحرجت فيه بغير فعل أحد تجزئ، وإذا ضرب العمود ـ الذي جعل علامة ـ فرجعت الحصاة خارج المرمى لا تجزئ، ولذلك ينبغي للإنسان ألا يشتد في الرمي ويكفي غلبة الظن في أن تقع في المرمى؛ لأن غالب العبادات مبناها على غلبة الظن، ولأن اليقين في عصرنا صعب وهذا من التيسير، والمهم أن تؤديها بخشوع، واستحضار أنك في عبادة، وتكبر الله ـ عزّ وجل ـ.
قوله: «ويقطع التلبية قبلها» ، يعني التلبية بالحج أو بالحج والعمرة إن كان قارناً، فيقطع قبل الرمي لقول الفضل بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (2) . وعلى هذا فلا يزال يلبي في الدفع من منى إلى عرفة ومن عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى.
ويقطع التلبية عند البدء في الرمي؛ لأنه إذا بدأ شرع له ذكر آخر، وهو التكبير.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب رمي الجمار من بطن الوادي (1747)؛ ومسلم في الحج/ باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي (1296).
(2) سبق تخريجه ص(280).
وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُجْزِئ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْياً إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ وَتُقَصِّرُ مِنْهُ المَرْأَةُ قَدْرَ أنْمُلَةٍ، ...
قوله: «ويرمي بعد طلوع الشمس» الفاعل الحاج، يرمي بعد طلوع الشمس هذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «رمى بعد طلوع الشمس» (1) .

محب الدعوة
11-01-2011, 01:21 PM
مسائل:
الأولى: من توكل عن غيره في الرمي، فلا بد أن يرمي أولاً سبعاً عن نفسه ثم عن واحد ممن وكله ثم الثاني ثم الثالث، بمعنى أن يميز كل واحد بالسبع، وكان بعض الفقهاء يقولون: لا بد أن يرمي الجمرات الثلاث عن نفسه، ثم يعود ويرمي الثلاث عن موكله الأول، ثم يعود ويرمي الثلاث عن موكله الثاني، وهذا ليس عليه دليل واضح فلا نلزم الناس به إذ لو ألزمنا الناس به لحصل مشقة عظيمة.
الثانية: قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: إذا أراد أن يرمي عن الصبي، فالأفضل أن يجعلها في يد الصبي، ثم يأخذها ويرمي عنه، يعني يحملونهم معهم.
الثالثة: هل يجوز أن يوكل في الرمي من لم يحج؟
قال فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ: لا بد أن يكون الوكيل قد حج هذا العام.
قوله: «ويجزئ بعد نصف الليل» ، أي: يجزئ الرمي بعد
__________
(1) لحديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس».
أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في الحج/ باب رمي الجمار؛ ووصله مسلم في الحج/ باب بيان وقت استحباب الرمي (1299) (314).
نصف ليلة النحر، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ مطلقاً للقوي والضعيف والذكر والأنثى، وسبق بيان ذلك، وأما من قال: إن العاجز يدفع من مزدلفة في آخر الليل ولكنه لا يرمي حتى تطلع الشمس، فقوله ضعيف لأنه ليس عليه دليل، ولأن أكبر فائدة لمن دفع آخر الليل أن يرمي، ولهذا كان النساء اللاتي يبعث بهن الصحابة في آخر الليل يرمين مع الفجر أو قريباً من الفجر متى وصلوا، فمتى وصل الإنسان فإنه يرمي سواء وصل قبل طلوع الشمس أو بعد طلوعها.
قوله: «ثم ينحر هدياً إن كان معه» ، عبَّر بالنحر من باب التغليب، أو من باب مراعاة لفظ الحديث حيث قال جابر ـ رضي الله عنه ـ: «ثم انصرف إلى المنحر فنحر» (1) ، ومن المعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أهدى إبلاً (2) فمن كان أهدى إبلاً فإننا نقول له: انحر، ومن أهدى بقراً أو أهدى غنماً فإننا نقول له: اذبح، فإن لم يكن معه هدي ذهب واشترى من السوق، ونحره.
وقوله: «إن كان معه» ، هل كلام المؤلف على ظاهره؟ بمعنى أنه إن كان يحتاج إلى شراء وطلب فإنه يحلق أولاً أو نقول هذا بناء على الغالب؟
الثاني هو الظاهر وأنه حتى الذي يحتاج إلى شراء، نقول: الأفضل أن تنحر بعد الرمي ثم تحلق، وقد انصرف النبي صلّى الله عليه وسلّم لما رمى جمرة العقبة إلى رحله فنحر هديه ثم حلق (3) .
__________
(1) - (2) سبق تخريجه ص(76).
(3) سبق تخريجه من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ ص(76).
قوله: «ويحلق أو يقصر من جميع شعره» ، لو قال المؤلف: «ثم يحلق...» لكان أولى حتى نعرف أنه مرتب، ويحلق جميع الشعر وذلك بالموسى وليس بالماكينة حتى ولو كانت على أدنى درجة، فإن ذلك لا يعتبر حلقاً، فالحلق لا بد أن يكون بموسى، والحكمة من حلق الرأس أنه ذل لله ـ عزّ وجل ـ لا للتنظيف؛ ولهذا لم يؤمر به في غير الإحرام، فلم نؤمر بحلق رؤوسنا، وأمرنا بحلق العانة ونتف الإبط للتنظيف، وعليه فيكون حلق الرأس عبادة لله نتقرب به إلى الله ـ عزّ وجل ـ.
وقوله: «أو يقصر» هنا للتخيير، ولكنه تخيير بين فاضل ومفضول، والفاضل الحلق؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة (1) ، وأتى بحرف العطف دون أن يقول: «اللهم ارحم المقصرين» للدلالة على أن مرتبة التقصير نازلة جداً.
ولأن الله قدمه في الذكر، فقال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} [الفتح: 27] .
ويحلق هو بيده، أو يكلف من يحلقه خلافاً لما قاله بعض العلماء: إنه إذا حلق نفسه بنفسه فعل محظوراً، فنقول لم يفعل محظوراً، بل حلق للنسك.
وأشار المؤلف بقوله: «من جميع شعره» ، إلى أن التقصير لا بد
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب الحلق والتقصير (1727)، (1728)؛ ومسلم في الحج/ باب تفضيل الحلق على التقصير (1301)، (1302) عن ابن عمر وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ.
أن يكون شاملاً لرأسه بحيث يظهر لمن رآه أنه مقصر، لا من كل شعرة بعينها، وذكر ذلك خلافاً لما قاله بعض أهل العلم: إنه يكفي أن يقصر من ثلاث شعرات، أو من ربع الرأس، أو ما أشبه ذلك، بل الصواب ما ذكره المؤلف، وهو أنه لا بد أن يقصر من جميع شعره.
قوله: «وتقصر منه المرأة قدر أنملة» ، أي: أنملة الأصبع وهي مفصل الإصبع، أي أن المرأة تمسك ضفائر رأسها إن كان لها ضفائر، أو بأطرافه إن لم يكن لها ضفائر، وتقص قدر أنملة، ومقدار ذلك اثنان سنتمتر تقريباً، وأما ما اشتهر عند النساء أن الأنملة أن تطوي المرأة طرف شعرها على إصبعها فمتى التقى الطرفان فذاك الواجب فغير صحيح.
وإنما كان المشروع للمرأة التقصير؛ لأنها محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة لئلا يجحف برأسها، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي حوائج الناس وميولهم، وأنها لا تأتي أبداً بما فيه العسر والحرج ـ والحمد لله ـ.
ثُم قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ والحِلاَقُ والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ لاَ يَلْزَمُ بِتَأْخِيرِهِ دَمٌ، وَلاَ بِتَقْدِيمِهِ عَلَى الرَّمْي والنَّحْرِ.
قوله: «ثم قد حل له كل شيء إلا النساء» ، أي: بعد الحلق المسبوق بالرمي والنحر، حل له كل شيء إلا النساء، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» (1) ، فعندنا ثلاثة أشياء:
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/143)؛ وابن خزيمة (2937) والدارقطني (2/276)؛ وزاد: «وذبحتم» والبيهقي (5/136) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ انظر: نصب الراية (3/81) والتلخيص (1057).
الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير، إذا فعل هذه حلّ من كل شيء إلا النساء وطأً، ومباشرةً، وعقداً، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقيل: وطأ، ومباشرة، لا عقداً وخطبة، وأنه يجوز العقد والخطبة بعد التحلل الأول؛ لأن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إلا النساء» ، فيه احتمال قوي أن المراد الاستمتاع بجماع أو غيره، خاصة وأن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه أنه محرم إحراماً كاملاً.
فعلى المذهب لو أن أحداً من الناس رمى، ونحر، وحلق، ثم تزوج قبل أن يطوف بالبيت، فالنكاح محرم وغير صحيح، وهذا ربما يقع في غير هذه الصورة التي ذكرت، فربما يطوف الإنسان طواف الإفاضة على وجه لا يجزئه، ثم يرجع إلى بلده، ويتزوج في هذه المدة، قبل أن يصحح خطأه في الطواف فعلى المذهب لا يصح نكاحه.
وعلى القول الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الصحيح، أنه يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول ويصح.
وهذا من الأمور التي ينبغي أن يسلك الإنسان فيها الاحتياط، فإذا جاءنا رجل ابتلي وعقد النكاح قبل أن يطوف طواف الإفاضة أو خطب امرأة قبل أن يطوف طواف الإفاضة، فنقول: لا تعد؛ لأن التحريم وإبطال العقد بعد أن وقع فيه صعوبة، ولكن لو جاءنا يستشير ويقول: هل تفتونني بأن أخطب أو أعقد النكاح وقد حللت التحلل الأول؟
فنقول له: لا.
وقوله: «ثم قد حل له كل شيء» ، ظاهره أنه لا يحل هذا الحل إلا بعد الرمي والنحر والحلق أو التقصير؛ أي: فعل الثلاثة، والظاهر أن اشتراط النحر غير مراد وأنه يحل التحلل الأول بدونه والحكمة من ذلك، والله أعلم، أن النحر لا يجب على كل حاج، فلا يجب على المفرد ولا على القارن والمتمتع إذا عدماه، وظاهر كلامه ـ أيضاً ـ أنه لا يحل بمجرد الرمي، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم:
فقال بعض العلماء: إنه يحل بالرمي، أي رمي جمرة العقبة، سواء حلق أم لم يحلق وهذا رواية عن الإمام أحمد.
واستدلوا لذلك بأن الإنسان يقطع التلبية إذا شرع في الرمي، وهذا يعني أن نسكه انتهى، ولكن هذا التعليل فيه نظر لأننا نقول إن المعتمر يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، ومع ذلك لم يشرع في التحلل، وبأنه ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم تعليق الحل بالرمي فقط (1) .
__________
(1) فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». أخرجه الإمام أحمد (1/234).
وقال أحمد شاكر في تحقيق «المسند» (3090): إسناده منقطع.
وأخرج أبو داود في المناسك/ باب رمي الجمار (1978)؛ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء».
قال أبو داود: هذا حديث ضعيف.
انظر: «نصب الراية» (3/81)؛ و«التلخيص» (2/260)؛ و«الإرواء» (4/235).
ولكن الذي يظهر لي أنه لا يحل إلا بعد الرمي والحلق وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد لحديث: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» (1) ، ولكن الزيادة هذه «حلقتم» في ثبوتها نظر؛ لأن فيها الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف عندهم، ولحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كنت أطيب النبي صلّى الله عليه وسلّم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (2) ، ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي ـ رضي الله عنها’>;ـ جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي قبله هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر» (3) .
فالاستدلال بحديث عائشة على ظاهره صحيح، ولكن إذا علمنا أن السبب في ذلك أنه حصل خلاف، هل يجوز للمحرم إذا حل التحلل الأول أن يتطيب قبل أن يطوف؟ فأرادت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تبين جواز التطيب قبل الطواف فيكون سبب اقتصارها على الطواف أنه محل الخلاف؛ وذلك أن الطيب مما يعطي النفس نشوة ورغبة في النكاح، والنكاح ممنوع بعد التحلل الأول، فكره بعض السلف أن يتطيب الإنسان قبل أن يطوف بالبيت، فأرادت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تبين أن هذه الكراهة لا وجود لها لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتطيب قبل أن يطوف.
__________
(1) سبق تخريجه ص(330).
(2) سبق تخريجه ص(64).
(3) أخرجه البخاري في الحج/ باب التمتع والقران والإفراد بالحج (1566)؛ ومسلم في الحج/ باب بيان أن القارن لا يتحلل... (1229) عن حفصة ـ رضي الله عنها ـ.
تنبيه: من لم يتبين له في هذه المسألة الدليل الذي يحصل به رجحان أحد القولين على الآخر، فأيهما أحوط أن نقول: إنه لا يحل حتى يرمي ويحلق، أو نقول إن الأحوط أن يحل بالرمي؟
قد يكون الأحوط أن نقول بالأول وهو أنه يحل برمي جمرة العقبة، وقد نقول: إن الأحوط الثاني فإذا جامع رجل امرأته بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق، فإن قلنا إنه يحل بالرمي لم يفسد نسكه لأن الوطء وقع بعد التحلل الأول، والوطء لا يفسد النسك إلا إذا كان قبل التحلل الأول، وأيضاً لا نوجب عليه فدية إلا شاة، وإذا قلنا إنه لم يحل ألزمناه ببدنة، فأيهما الأحوط الآن؟
الجواب: الأحوط أن يتحلل بالرمي، وألا نلزمه بشيء لم يتبين لنا لزومه، ولكن إذا قلنا: إنه لا يتحلل إلا بالرمي والحلق صار أحوط من جهة أننا نمنعه من محظورات الإحرام حتى يحلق.
ولعلنا نقول: ما دامت المسألة لم تتبين فلنتبع الأسهل، فإن جاءنا رجل يسأل أنه جامع بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق نقول له حجك لم يفسد؛ لأنه ليس عندنا ما نستطيع به أن نجشمه المصاعب بأن نقول: حجك فاسد وعليك أن تمضي فيه وأن تقضيه من العام القادم وأن تفدي فعلك ببدنة، وأما إذا جاء يسأل هل يجوز أن يلبس ويتطيب قبل الحلق؟ قلنا: لا؛ لأن هذا أحوط وأبرأ للذمة.
والفقهاء ـ رحمهم الله ـ توسعوا في ذلك، فقالوا: إذا فعل اثنين من ثلاثة حل التحلل الأول، فلو رمى وحلق، أو رمى
وطاف، أو حلق وطاف حل التحلل الأول، مع أن الذي ورد في السنة أنه يحل بالرمي، أو بالرمي مع الحلق، لكنهم قالوا: لما كان طواف الإفاضة مؤثراً في التحلل الثاني فليكن مؤثراً في التحلل الأول، وذلك أنه إذا رمى وحلق وطاف حل التحلل الثاني.
ولو قال قائل: بأن سائق الهدي يتوقف إحلاله على نحره أيضاً؛ لكان له وجه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر» (1) .
قوله: «والحلاق والتقصير نسك» ، أي: أن الحلق والتقصير نسك، وإنما نص على هذا دفعاً لقول من يقول: إنه إطلاق من محظور، وليس نسكاً، وبناءً على هذا ينوب مناب الحلق فعل أي محظور؛ لأن المقصود أن يعلم أنه تحلل من إحرامه، كما قال بعضهم في التسليم في الصلاة: إن المراد فعل ما ينافي الصلاة، وأنه إذا فعل ما ينافي الصلاة فإنه يغني عن التسليم.
وهذا قول ضعيف، يقول شيخ الإسلام: لو كان الأمر كذلك لكان لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة، على القول بأن محظورات الإحرام تشمل جميع شعور البدن، وصدق رحمه الله تعالى، وعلى القول بأنه إطلاق من محظور، قالوا: يجزئ لو يقص شعرتين أو ثلاثاً فيكفي، وهذه كلها أقوال لا أصل لها يعني ليس لها دليل، والصواب أنه نسك، وعبادة وقربة لله.
__________
(1) سبق تخريجه ص(332).
والدليل على هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا للمحلقين، وللمقصرين (1) ولا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعاً.
قوله: «لا يلزم بتأخيره دم ولا بتقديمه على الرمي والنحر» أي: لو أخر الحلق أو التقصير عن أيام التشريق، أو عن شهر ذي الحجة، أو أخره إلى ربيع، أو إلى رمضان أو إلى السنة الثانية فليس عليه شيء لكن يبقى عليه التحلل الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يتحلل التحلل الثاني حتى يحلق أو يقصر.
ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، وقد قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] .
لكن إن كان جاهلاً وجوب الحلق، أو التقصير، ثم علم فإننا نقول احلق، أو قصر، ولا شيء عليك فيما فعلت من محظورات.
وقوله: «ولا بتقديمه على الرمي والنحر» ، يعني أنه لو قدم الحلق والتقصير على الرمي والنحر كان جائزاً، فإن قيل: أو ليس الله تعالى قال: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] ؟ فالجواب: بلى، ولكن الآية ليست صريحة في تحريم تقديم الحلق على النحر؛ لأن الله تعالى قال: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196] ولم يقل حتى تنحروا، وقد بينت السنة جواز تقديمه على النحر.
فالسنة إذا وصل إلى منى أن يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي، فإن
__________
(1) سبق تخريجه ص(328).
قدم بعضها على بعض فالصحيح أن ذلك جائز، سواء كان لعذر كالجهل والنسيان، أو لغير عذر، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: كان يسأل في ذلك اليوم عن التقديم والتأخير فيقول: «افعل ولا حرج» (1) .
وتأمل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «افعل ولا حرج» ، ولم يقل: «لا حرج» فقط، بل قال: «افعل» فعل أمر للمستقبل، أي: أنك إذا فعلت في المستقبل، فلا حرج.
وقال بعض العلماء المحققين كابن دقيق العيد وغيره: إن هذا إنما يكون لمن كان معذوراً؛ لأنه في بعض ألفاظ الحديث: «لم أشعر فظننت أن كذا قبل كذا»، فقال: «افعل ولا حرج» (2) ، ولكن لما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «افعل ولا حرج» وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: «لا حرج» علم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل وبين الذاكر والعالم، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكرة حين أسرع وركع قبل الصف: «زادك الله حرصاً ولا تعد» (3) ، فلو كان الترتيب بين هذه الأنساك واجباً لقال النبي صلّى الله عليه وسلّم للسائل: لا حرج ولا تعد وهذا الذي قررناه، كما أنه ظاهر الأدلة، فهو الموافق لمقاصد الدين الإسلامي في إرادة اليسر على العباد لا سيما في مثل هذه الأزمان؛ لأن ذلك أيسر للناس.
وأما السعي قبل الطواف، فإن من العلماء من قال: لا
__________
(1) - (2) أخرجه البخاري في الحج/ باب الفتيا على الدابة (1736)، (1737)؛ ومسلم في الحج/ باب من حلق قبل النحر (1306) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما.
(3) أخرجه البخاري في الأذان/ باب إذا ركع دون الصف (783).
يجزئ السعي قبل الطواف؛ لأن الله تعالى قال: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحج] ، فذكر الطواف بالبيت بعد قضاء التفث وإيفاء النذور.
وأما قوله في الحديث: «سعيت قبل أن أطوف» (1) ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا حرج، فطعنوا فيه، أو أوَّلوه، وقالوا: المراد بذلك سعي الحج لمن كان قارناً أو مفرداً.
والصحيح جواز تقديم سعي الحج على طواف الإفاضة والجواب عن المعارض.
أولاً: بالنسبة للحديث فالحديث صحيح، ولا مطعن فيه، وبالنسبة لتأويله: فإن هذا الرجل لم يسأل عن سعي سبق منذ أيام وإنما سأل عن سعي حصل في ذلك اليوم كما تقتضيه حال السائل.
وأيضاً فقد علم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان سعى بعد طواف القدوم فالسؤال عنه ضرب من اللغو.
ثانياً: وأما بالنسبة للآية فإن السعي لم يذكر فيها لأنه لا يلزم جميع الناس، فالقارن والمفرد لا سعي عليهما بعد طواف الإفاضة إن كانا فعلاه بعد طواف القدوم، والمتمتع في وجوب السعي عليه في الحج قولان للعلماء وقد سبق.
__________
(1) سبق تخريجه ص(273).
فَصْلٌ
ثُمَّ يُفِيضُ إِلى مَكَّةَ، ويَطُوفُ القَارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفَريضَةِ طَوافَ الزِّيارَةِ وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيُسَنُّ فِي يَوْمِهِ، وَلَهُ تَأخِيْرُهُ.......
قوله: «ثم يفيض إلى مكة» ، يفيض مأخوذ من فاض الماء إذا ساح، أي: يفيض الحاج إلى مكة، أي: ينزل الحجاج من منى إلى مكة، في ضحى يوم النحر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أفاض إليها في الضحى (1) .
قوله: «ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة» أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن هذا طواف فرض؛ لقوله: «بنية الفريضة» ، وأنه لا بد من نيته وأنه فرض، وسبق الخلاف في هذه المسألة، وبينا أن الطواف، والسعي، والرمي، وما أشبهها كلها تعتبر أجزاء من عبادة واحدة، وأن النية في أولها كافية عن النية في بقية أجزائها؛ لأن الحج عبادة مركبة من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها.
وقوله: «ويطوف القارن والمفرد» ، أفاد أن المتمتع لا يطوف وليس كذلك، وإنما أراد ـ رحمه الله ـ بالنص على المفرد والقارن دفع ما قيل من أن المفرد والقارن يطوفان للقدوم أولاً إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل، ثم يطوفان للزيارة، فيطوفان طوافين:
الأول للقدوم، والثاني للزيارة، فيلزمهما على هذا طوافان إذا لم يكونا دخلاها من قبل؛ لأنه من الجائز لهما شرعاً أن يذهبا من الميقات رأساً، إلى منى أو إلى عرفة دون أن يطوفا
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
للقدوم بخلاف المتمتع، فالمتمتع لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأنه لا بد أن يدخل مكة، ويتم عمرته.
وما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ هو الصواب، بل المتعين؛ وذلك أنه اجتمع عند المفرد والقارن اللذين لم يدخلا مكة من قبل طواف قدوم وطواف فرض، فاكتفي بطواف الفرض عن طواف القدوم، كما لو دخل الإنسان المسجد وقد أقيمت الصلاة، أو لم تقم وأراد أن يصلي الفريضة، فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد.
والقياس هنا قياس جلي واضح، ثم إنه لم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أن أحداً منهم طاف مرتين في يوم العيد، مع أن بعض أصحابه لم يكن دخل مكة، مثل عروة بن مضرس رضي الله عنه (1) .
والمذهب أن المتمتع أيضاً يطوف طواف القدوم، لكن يطوف للقدوم بلا رمل، ولا يقال بلا اضطباع؛ لأنه قد حل ولبس ثيابه.
والصواب خلاف ذلك، وأنه لا طواف للقدوم، لا في حق المفرد والقارن مطلقاً، ولا في حق المتمتع كذلك.
وقوله: «طواف الزيارة» ، سمي بذلك لأنه يقع بعد رجوع الحجاج من عرفة، وهي من الحل فكان القادم منها كالزائر ويسمى أيضاً طواف الإفاضة لأن الناس يفيضون إليه بعد وقوفهم
__________
(1) سبق تخريجه ص(231).
في عرفة، قال الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] .
قوله: «وأول وقته بعد نصف ليلة النحر» ، الضمير يعود على طواف الزيارة، أي: أول وقته بعد نصف ليلة النحر، ولكن بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة وبمزدلفة، فلو طاف بعد منتصف ليلة النحر، ثم خرج إلى عرفة ومزدلفة، فإنه لا يجزئه، ولو أن المؤلف ـ رحمه الله ـ قيد ذلك لكان أوضح، على أنه ربما يقال: إن هذا معلوم من قوله في أول الفصل «ثم يفيض» لكن لا بد من ذكره.
والدليل قول الله تبارك وتعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحج] ، ولا يمكن قضاء التفث، ووفاء النذر إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
قوله: «ويسن في يومه» ، أي: ويسن طواف الزيارة في يوم العيد اتباعاً لسنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: فإنه طاف في يوم العيد (1) .
قوله: «وله تأخيره» ، أي: تأخير طواف الإفاضة عن أيام منى، وعن شهر ذي الحجة، وله تأخيره إلى ربيع، وإلى رمضان وإلى عشر سنوات وأكثر؛ لأن المؤلف لم يقيده بزمن فلم يقل له تأخيره إلى كذا.
ولكن يبقى عليه التحلل الثاني، حتى يطوف، وما ذهب إليه
__________
(1) كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ في صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم ص(76).
المؤلف ـ رحمه الله ـ من أن له تأخيره إلى ما لا نهاية له ضعيف.
والصواب أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة، إلا إذا كان هناك عذر، كمرض لا يستطيع معه الطواف لا ماشياً، ولا محمولاً، أو امرأة نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة، فهنا ستبقى لمدة شهر أو أكثر.
أما إذا كان لغير عذر، فإنه لا يحل له أن يؤخره، بل يجب أن يبادر به قبل أن ينتهي شهر ذي الحجة.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يجب أن يطوف طواف الإفاضة يوم العيد؛ لقوله: «ويسن في يومه، وله تأخيره» .
وعُلم منه أيضاً أنه يبقى على حله الأول إذا أخر طواف الإفاضة عن يوم العيد، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، بل حكي إجماعاً أنه لا يعود حراماً، لو أخره حتى تغرب الشمس من يوم العيد.
ولكن ذكر في هذا خلاف عن بعض التابعين لحديث ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك: «إن هذا اليوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به» (1) . ولكنه لا يعوّل عليه لشذوذه، وعدم عمل
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/295)، (303)؛ وأبو داود في المناسك/ باب الإفاضة في الحج (1999)؛ وابن خزيمة (2958)؛ والبيهقي (5/136، 137) عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قال البيهقي: لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول بذلك.
الأمة به وقد قيل: إن أول من عمل به عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، فحكم شرعي لم يعمل به إلا واحد من التابعين، لا يمكن أن يقال: إنه حديث صحيح؛ وذلك أن الأمة لا يمكن أن تخالف مثل هذا الحديث الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله والعمل به، لأنه من المعلوم أنه ليس كل الحجيج يطوفون طواف الإفاضة في يوم العيد.
ثم إنه إذا انتهى من إحرامه فقد حل، ولا يعود لكونه محرماً إلا إذا عقد إحراماً جديداً، أما مجرد عدم المبادرة بطواف الإفاضة، فإنه لا يمكن أن يكون سبباً لعود التحريم بلا نية؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) .
ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إِنْ كَان مُتَمَتِّعاً، أَوْ غَيْرهُ، وَلَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ القُدُومِ ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ،.........
قوله: «ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً» ، أي: يسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق يبدأ بالصفا أولاً، ويختم بالمروة إن كان متمتعاً، والمتمتع هو الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم حلَّ منها، وأحرم بالحج من عامه.
فيلزمه أن يسعى مطلقاً؛ وذلك لأنه يلزمه طوافان، وسعيان، طواف للعمرة، وطواف للحج، وسعي للعمرة وسعي للحج.
قوله: «أو غيره» ، أي: غير متمتع، وهو المفرد والقارن.
قوله: «ولم يكن سعى مع طواف القدوم» ، أي: فإن سعى فلا يعيد السعي، لقول جابر ـ رضي الله عنه ـ: «لم يطف النبي صلّى الله عليه وسلّم
__________
(1) سبق تخريجه ص(70).
ولا أصحابه بالصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول» (1) . ولأنه لا يجب في الحج سعيان، فإن قال قائل: قد أوجبتم طوافين، طواف القدوم وطواف الإفاضة؟ فالجواب: أننا لم نوجب طواف القدوم، بل هو سنة؛ وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم، وظاهر هذا الحديث أن المتمتع لا يسعى؛ لأن كثيراً من الصحابة تمتعوا؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، وقد أمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالتمتع، ولكن هذا الظاهر يجب حمله على أن المراد بأصحابه الذين بقوا على إحرامهم لسوقهم الهدي، فهو عام أريد به الخاص، ويدل على هذا ما رواه البخاري من حديثي عائشة (2) وابن عباس (3) ـ رضي الله عنهم ـ، ثم إن نسك العمرة انفصل عن نسك الحج فبينهما حل تام، فكيف يقال: إن السعي
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1215).
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب طواف القارن (1638) ولفظه: «فطاف الذين أهلوا بالعمرة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحداً»؛ ومسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211)؛ ولفظه: «فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا إلى منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً».
(3) أخرجه البخاري في الحج/ باب قوله تعالى: «ذلك لمن لم يكن أهله حاضري...» (1572) ولفظه: «أهل المهاجرون والأنصار، وأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا، وعلينا الهدي».
الذي قام به المتمتع أولاً يكفي عن سعي الحج، هذا لا يمكن أن يقال به، ثم يقال: لو قلتم إنه سعيُ الحج قُدِّمَ فلا يَصح كيف يقدم سعي الحج قبل الإحرام بالحج؟ وهل يمكن أن يركع الإنسان قبل أن يدخل في الصلاة؟ لا يمكن، وليس لمن قال: إن المتمتع يكفيه سعي واحد إلا ما يفيده ظاهر حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ: «لم يطف النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً الطواف الأول» (1) ، والإجابة عن هذا سهلة جداً بأن يقال المراد بأصحابه الذي لم يحلوا وكانوا مثله.
وهذا هو الصحيح أن المتمتع يلزمه سعي للحج، كما يلزمه سعي للعمرة.
وقوله: «ولم يكن سعى مع طواف القدوم» ، يفهم من كلام المؤلف أن القارن والمفرد، يجوز لهما أن يقدما سعي الحج بعد طواف القدوم، ويجوز أن يؤخراه، وكل هذا جائز، ولكن الأفضل ـ والله أعلم ـ أن يقدماه بعد طواف القدوم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدمه.
على أنه قد يقول قائل: أنا أنازع في هذا الاستدلال؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدمه ليعلم أصحابه كيف يسعون، وعامة أصحابه يحتاجون إلى معرفة السعي؛ لأنهم تمتعوا، فلا يدل تقديمه إياه على وجه قطعي أن الأفضل تقديم السعي للمفرد والقارن بعد طواف القدوم، لكن نجيب عن هذا الإيراد بأن الأصل، في فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه سنة، واحتمال أن يكون ذلك من أجل أن يعلم
__________
(1) سبق تخريجه ص(343).
أصحابه وارد، لكن إبقاء النص على ظاهره أولى، ولأنه في الغالب إذا سعى بعد طواف القدوم يكون أسهل؛ لأن الزحام حينئذٍ يكون أخف من الزحام في يوم العيد، وأيام التشريق.
وقوله: «ولم يكن سعى مع طواف القدوم» ، يفيد بأن تقديم سعي الحج للقارن والمفرد لا يكون إلا إذا وقع بعد طواف القدوم، أريد بهذا لو قدم السعي على طواف القدوم لا يجزئ؛ لأنه لم يكن بعد طواف نسك، وبه نعرف خطأ من أفتى أهل مكة الذين يحرمون بالحج من مكة أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة بنية سعي الحج؛ ووجه الخطأ أن هؤلاء لا قدوم لهم؛ لأن طواف القدوم يشرع لمن يأتي من خارج مكة، وأهل مكة طوافهم ليس طواف قدوم، فلا يجزئهم تقديم السعي وهذه الفتوى وهم لا أساس لها من الأدلة.
قوله: «ثم قد حل له كل شيء» ، أي: حلَّ للحاج كل شيء، وهذا عام أريد به الخاص، أي: كل شيء حرم عليه بالإحرام، فإنه يحل له إذا طاف طواف الإفاضة، وسعى سعي الحج، إذا كان متمتعاً، أو كان مفرداً، أو قارناً ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وفي هذا دليل على أن العام ولو كان بلفظ «كل» قد يراد به الخاص، والذي يعين أن المراد به الخاص السياق أو القرينة.
ومن ذلك قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] ، أي: ريح عاد، فهل دمرت السموات والأرض؟
الجواب: لا، بل ولا المساكن لم تدمرها، قال تعالى:
{فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] ، فالمراد بـ «كل شيء» ، أي: مما أمرت أن تدمره، أو «كل شيء» مما يتعلق بهؤلاء القوم الذين كذبوا هوداً عليه السلام.
وقوله: «ثم قد حل له كل شيء» ، أي: حتى النساء، فيمكن للرجل إذا كان أهله معه أن يستمتع بأهله في آخر يوم العيد، بعد أن يرمي، ويحلق أو يقصر، ويطوف ويسعى.
وهل يمكن أن يستمتع بأهله ليلة العيد؟
الجواب: على كلام المؤلف، إذا كان يجوز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل فدفع ورمى، وذهب إلى مكة وطاف وسعى، قبل الفجر فيمكن، وخصوصاً في أيامنا هذه حيث المواصلات سهلة، لكن على الذي اخترناه من أنه لا يدفع إلا في آخر الليل فقد يكون هذا متعذراً.
ثُمَ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْرَمَ لِمَا أَحَبَّ وَيَتَضلَّعُ مِنْهُ وَيَدْعُو بِمَا وَرَد،..
قوله: «ثم يشرب من ماء زمزم» ، ظاهر كلامه أنه يشرب من ماء زمزم بعد السعي، وليس مراداً بل يشرب من ماء زمزم بعد الطواف؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم شرب من ماء زمزم بعد الطواف كما يدل عليه حديث جابر (1) ، إذ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يسع للحج؛ لأنه سعى مع طواف القدوم.
مسألة: هل الشرب من ماء زمزم بعد الطواف سنة مقصودة؟
الجواب : عندي في هذا تردد يعني كونه يقع بعد الطواف، أما أصل الشرب من ماء زمزم فسنة، ولكن كونه بعد الطواف،
__________
(1) في صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد سبق ص(76).
يحتمل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم فعل هذا لأنه أيسر له أو أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ عطش بعد الطواف، أو ليستعد للسعي، لكن اشرب فهو خير.
مسألة: القول بأن يشرع شرب ماء زمزم واقفاً ليس بصواب لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما شرب واقفاً لضيق المكان، فإن الدلو إذا رفع للنبي صلّى الله عليه وسلّم فالمكان واسع ولكنه لو جلس لضاق المكان.
قوله: «لما أحب» اللام للتعليل، أي: أن ينويه لما أحب، فإذا كان مريضاً وشرب من أجل أن يذهب مرضه فليفعل ويشفى بإذن الله، وإذا كان عطشان وشرب لأجل الري فليفعل ويروى بإذن الله، وإذا كان كثير النسيان فشرب ليقوى حفظه فليفعل، وقد فعل ذلك بعض المحدثين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ماء زمزم لما شرب له» (1) ، والحديث حسن، وهذا فيه تردد، أما شربه لإزالة العطش فواضح، ولرفع الجوع واضح، وللمرض واضح، لأن المرض علة بدنية عضوية يمكن أن يزول بشرب زمزم كما يزول العطش والجوع، لكن المسائل المعنوية العقلية، الإنسان يشك في هذا، إلا أن نقول: لا يضرك، انوِ ما تريد، إن كان الحديث يتناوله حصل المقصود، وإلا لم تأثم، لو شربه الفقير للغنى؟ نقول: إذا كنا نتردد في شربه للحفظ فمن باب أولى للغنى، ولو شربه إنسان خطب امرأة وهو بين الرد والإجابة، وشربه لأجل أن يجيبوه إذا أخذنا بالعموم قلنا: «لما شرب له» ، ولكن مثل هذا لا يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراده؛ لأن هذه لا علاقة لها بالبدن الذي يستفيد بالشرب.
__________
(1) سبق تخريجه ص(270).
قوله: «ويتضلع منه» ، أي: يملأ بطنه حتى يمتلئ ما بين أضلاعه؛ لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث في ذلك لكن فيه نظر وهو: «أن آية ما بيننا وبين المنافقين إنهم لا يتضلعون من ماء زمزم» (1) ، لأن المؤمن يؤمن بأنه شفاء، ونافع، والمنافق لا يؤمن بهذا، فالمنافق لا يشرب منه إلا عند الضرورة لدفعها فقط، والمؤمن يتضلع رجاء بركته التي جاءت في الحديث: «ماء زمزم لما شرب له» ، وذلك لأن ماء زمزم ليس عذباً حلواً، بل يميل إلى الملوحة، والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيماناً بما فيه من البركة، فيكون التضلع منه دليلاً على الإيمان.
قال بعضهم: ويستقبل القبلة، ولكن هذا ضعيف لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم شرب من زمزم ولم يرد عنه أنه استقبل القبلة ولا أنه رفع يديه يدعو بعد ذلك.
فإن قال قائل: هل يفعل شيئاً آخر كالرش على البدن وعلى الثوب، أو أن يغسل به أثواباً يجعلها لكفنه، كما كان الناس يفعلون ذلك من قبل؟
فالجواب: لا، فنحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلا نتجاوز إليه، فما ثبت عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخذنا به وإلا فلا.
قوله: «ويدعو بما ورد» ، أي: إذا شرب من ماء زمزم دعا بما ورد.
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في المناسك/ باب الشرب من زمزم (3061)؛ والدارقطني (2/288)؛ والبيهقي (5/146) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما، وضعفه الألباني في «الإرواء» (4/325).
قال في الروض: «يقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً، وشبعاً، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك» (1) ، وقال أيضاً: «يرش على ثوبه، ويستقبل القبلة ويتنفس ثلاثاً» (2) ، وهذا أيضاً يحتاج إلى إثبات، لكن التنفس ثلاثاً في الشرب ثبتت به السنة (3) .
ثُمَّ يَرْجعُ فيبيتُ بِمِنَى ثَلاَثَ ليالي، فَيرمي الجَمْرَةَ الأولى، وَتَلِي مَسْجِدَ الخِيفِ بِسَبعِ حَصَيَاتٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَتَأخر قَلِيلاً، ويَدْعُو طَويلاً، ثُمَّ الوُسْطَى مِثْلَهَا،..
قوله: «ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليالي» ، أي: ثم يرجع من مكة بعد أن يطوف ويسعى فيبيت ثلاث ليالي، هذا إن تأخر، وإن تعجل فليلتين، فيبيت الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة إن تأخر، وإن تعجل فالحادية عشرة والثانية عشرة.
قوله: «فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات ويجعلها عن يساره» .
__________
(1) لما رواه عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء».
أخرجه الدارقطني (2/288)؛ والحاكم (1/473) وقال: «صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي وقد سبق الكلام على رواية الحاكم عند الكلام على حديث: «ماء زمزم لما شرب له»، وأما رواية الدارقطني فقد ضعف إسنادها في «الإرواء» (4/333).
(2) هذا من فعل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وقد سبق في حديث إن آية ما بيننا وبين المنافقين التضلع من زمزم وليس فيه الرسن على الثوب.
(3) أخرجه البخاري في الأشربة/ باب الشرب بنفسين أو ثلاثة (5631) ومسلم في الأشربة/ باب كراهة التنفس في نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإناء (2028) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
صفة الرمي على المذهب: أن يرمي الجمرة الأولى، وتلي مسجد الخيف، وتسمى الجمرة الصغرى، ويجعلها عن يساره حال الرمي بسبع حصيات متعاقبات ويستقبل القبلة، ولا يرمي تلقاء وجهه.
قوله: «ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً» ، أي: يبعد إلى موضع لا يناله فيه الحصا، ولا يتأذى بالزحام، ويدعو طويلاً مستقبل القبلة، وقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أنه بقدر ما يقرأ سورة البقرة (1) ، رافعاً يديه.
قوله: «ثم الوسطى مثلها» لكن يجعلها عن يمينه، والقبلة أمامه على كلام الأصحاب ـ رحمهم الله ـ فيرميها بسبع حصيات متعاقبات.
ثُمَّ جَمَرَةَ العَقَبَة، وَيَجْعَلُهَا عَن يَمِيِنِه، وَيَستَبْطِنُ الوَادِي، وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا،..
قوله: «ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي» ، أي: يرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويستقبل القبلة، ويرمي من بطن الوادي، ويجعلها عن يمينه كالوسطى.
ولكن الصحيح خلاف ما ذكره المؤلف، والصحيح أنه يرمي مستقبل القبلة في الأولى والوسطى، ويجعل الجمرة بين يديه، وما ذكره من الصفات مردود بأنه لا دليل عليه.
أما الثالثة فيرميها من بطن الوادي مستقبل الجمرة، وتكون الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن
__________
(1) سبق تخريجه ص(325).
مسعود ـ رضي الله عنه ـ رماها كذلك وقال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» (1) ، يعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحينئذ يستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يمكن أن تستقبل القبلة، وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك، لأجل الجبل، لأنها ملاصقة للجبل، وفي هذا دليل واضح على أن المقصود هو استقبال الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبلها، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، أما في العقبة فلا يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، ولذلك فُضِّل استقبال الجمرة.
قوله: «ولا يقف عندها» ، أي: لا يقف عند جمرة العقبة فإذا رماها انصرف، وإنما يقف بعد الأولى والوسطى.
قال بعض العلماء: لأن المكان ضيق، فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب في نفسه.
وقال بعض العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة ولا يكون بعدها، ولذلك دعا بعد الأولى ودعا بعد الوسطى وهذه انتهت بها العبادة؛ وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح، ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعو في الصلاة، فليدع قبل أن يسلم؛ لا بعد أن يسلم، لا في الفريضة، ولا في النافلة.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (321) الجزء المفقود موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما وإسناده صحيح كما قال الحافظ في الفتح (3/683) ط/الريان.
وبه نعرف أيضاً أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في ابتداء الأشواط لا في انتهائها، وأن آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط كما كان التكبير أيضاً في الطواف في مقدمة الشوط، وعليه فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، وإذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة، والذي نعلل به دون أن يعترض معترض أن نقول هكذا فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم.
يَفْعَلُ هَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ مُرَتِّباً فَإِن رَمَاهُ كُلَّهُ فِي الثَّالثِ أجْزَأه، وَيُرتِّبهُ بِنِيَّتِهِ فَإِن أخَّرَهُ عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَبِتْ بِهَا، فَعَلَيهِ دَمٌ.
قوله: «يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال» يفعل هذا، أي: رمي الجمرات الثلاث، على ما وصف في كل يوم من أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد العيد سميت أيام التشريق لأن الناس يشرقون فيها اللحم أي ينشرونه إذا طلعت الشمس، فتشرق عليه الشمس وييبس ولا يُعفِّن، وقيل: إنها تسمَّى أيام التشريح أيضاً؛ لأن الناس يشرحون فيها اللحم.
قوله: «بعد الزوال»، أي زوال الشمس ويكون الزوال عند منتصف النهار، وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم، والدليل على أنه لا يجزئ قبل الزوال ما يلي:
أولاً : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رمى بعد الزوال» (1) ، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (2) .
__________
(1) سبق تخريجه ص(326).
(2) سبق تخريجه ص(240).
ثانياً : ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم، لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر، لأن الرمي في الصباح قبل الزوال أيسر على الأمة من الرمي بعد الزوال؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، ومع شدة الحر يكون الغم مع الضيق والزحام، فلا يمكن أن يختار النبي صلّى الله عليه وسلّم الأشد ويدع الأخف، فإنه ما خيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (1) ، فنعلم من هذا أنه لو رمى قبل الزوال صار ذلك إثماً، ولذلك تجنبه النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولعل هناك فائدة وهي ابتلاء العباد هل يرمون مع المشقة أو يتقدمون خوف المشقة؟ وليس هذا ببعيد أن يبتلي الله عباده بمثل هذا، ولما فيه من تطويل الوقت من وجه ثالث، فلما كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ.
ثالثاً : أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبادر بالرمي حين تزول الشمس فيرمي قبل أن يصلي الظهر (2) ، وكأنه يترقب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلي الظهر، ولو جاز قبل الزوال لفعله صلّى الله عليه وسلّم، ولو مرة بياناً للجواز، أو فعله بعض الصحابة وأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا هو القول الراجح، أعني القول بمنع الرمي قبل الزوال.
__________
(1) أخرجه البخاري في «المناقب»/ باب صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم (3560)؛ ومسلم في «الفضائل»/ باب مباعدته صلّى الله عليه وسلّم للآثام (2327) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
(2) لما روى وبرة قال: سألت ابن عمر ـ رضي الله عنهما: «متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا»، أخرجه البخاري في الحج/ باب رمي الجمار (1746).
وقد رخص بعض العلماء في اليوم الثاني عشر لمن أراد أن يتعجل أن يرمي قبل الزوال، ولكن لا يتعجل إلا بعد الزوال وبعضهم أطلق جواز الرمي في اليوم الثاني عشر قبل الزوال، ولكن لا وجه لهذا إطلاقاً مع وجود السنة النبوية، فلو قال قائل إن الله يقول: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] ، والأيام تكون في أول النهار وآخر النهار؟
فالجواب: أن هذا المطلق في القرآن بينته السنة، وليس هذا أول مطلق تبينه السنة، فما دام النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر الله برمي الجمرات في هذا الوقت فإنه لا يجزئ قبله.
وأما الرمي بعد غروب الشمس فلا يجزئ على المشهور من المذهب، لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل كالصيام.
وذهب بعض العلماء إلى إجزاء الرمي ليلاً، وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: حدد أوله بفعله ولم يحدد آخره.
وقد سئل الرسول صلّى الله عليه وسلّم كما في صحيح البخاري فقيل: «رميت بعدما أمسيت ، قال: «لا حرج» (1) والمساء يكون آخر النهار، وأول الليل (2) ، ولما لم يستفصل الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولم يقل بعدما أمسيت في آخر النهار، أو في أول الليل، علم أن الأمر واسع في هذا.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب إذا رمى بعدما أمسى (1735) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما.
(2) انظر: «لسان العرب» مادة «مسا».
ثم إنه لا مانع أن يكون الليل تابعاً للنهار، فالوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، والليل فيه تابع للنهار، فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر.
ولهذا نرى أنه إذا كان لا يتيسر للإنسان الرمي في النهار، فله أن يرمي في الليل، وإذا تيسر لكن مع الأذى والمشقة، وفي الليل يكون أيسر له وأكثر طمأنينة، فإنه يرمي في الليل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة، وما دام أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي، فالأصل عدم ذلك.
قوله: «مستقبل القبلة مرتباً» ، سبق القول في قوله مستقبل القبلة، والمراد بالترتيب هنا الترتيب في الجمرات أن يرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا عني مناسككم» (1) ، فإن نكس ورمى العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى صحت الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية، والثالثة (2) .
وقال بعض أهل العلم: إن الترتيب ليس بشرط، لكنه ندب وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد، وأنساك يوم العيد لا يشترط فيها الترتيب، وعورض هذا بأن الرمي عبادة واحدة فلا بد أن تفعل كما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، بخلاف أنساك يوم العيد، فإنها عبادات متنوعة، كل عبادة مستقلة عن الأخرى.
__________
(1) سبق تخريجه ص(240).
(2) وهذا هو المذهب.
ولكن نقول: ما دام الإنسان في سعة فيجب الترتيب، وأنه لو سألنا في أيام التشريق، فقال: إنه رمى منكساً لسهل علينا أن نقول: اذهب وارم مرتباً، لكن إذا كان الأمر قد فات بفوات أيام التشريق، وجاء وسأل فقال: إني رميت من غير أن أعلم فبدأت بجمرة العقبة، فلا بأس بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بوجوب الترتيب بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل، وعموم: «لتأخذوا عني مناسككم».
ولا سيما أن كثيراً من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وبين الفوائت بالجهل والنسيان، وبين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذر من الأعذار، فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه أتى بالعبادة لكن على وجه غير مرتب.
قوله: «فإن رَمَاهُ كله في الثالث أجزأه» ، الضمير يعود على حصى الجمار، أي: رماه كله في اليوم الثالث، وهو الثالث عشر أجزأه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا شيء عليه.
قوله: «ويرتبه بنيته» ، أي يرتب الأيام بنيته، فمثلاً يبدأ برمي أول يوم بالأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني يبدأ بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ثم يعود فيرمي للثالث يبدأ بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فلا بد أن يأتي بعبادة اليوم الأول قبل عبادة اليوم الثاني.
ولا يجزئ أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام، ثم الوسطى عن ثلاثة أيام، ثم العقبة عن ثلاثة؛ لأن ذلك يفضي إلى تداخل
العبادات، أي: إدخال جزء من عبادة يوم في عبادة يوم آخر.
وما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ من جواز جمع الرمي في آخر يوم ضعيف؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رمى كل يوم في يومه، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (1) ، لأنه «رخص للرعاة أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً» (2) .
وكلمة «رخص» تدل على أن من سواهم، لا رخصة له، وعلى هذا فالقول الصحيح، أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم إلا في حال واحدة مثل أن يكون منزله بعيداً، ويصعب عليه أن يتردد كل يوم، لا سيما في أيام الحر والزحام، فهنا لا بأس أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم ويرميه مرة واحدة؛ لأن هذا أولى بالعذر من الرعاة الذين رخص لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يجمعوا الرمي في يوم.
وأما من كان قادراً، والرمي عليه سهل لقربه من الجمرات،
__________
(1) سبق تخريجه ص(240).
(2) أخرجه الإمام أحمد (5/450)؛ وأبو داود في الحج/ باب في رمي الجمار (1976)؛ والترمذي في الحج/ باب ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يوماً... (954)؛ والنسائي في المناسك/ باب رمي الرعاة (5/273)؛ وابن ماجه في المناسك/ باب تأخير رمي الجمار من عذر (3036) وصححه ابن خزيمة (2976)، (2977)؛ وابن حبان (3888) عن عاصم بن عدي ـ رضي الله عنه ـ وأخرجه الإمام أحمد (5/450)؛ وأبو داود (1975)؛ والترمذي (955)؛ والنسائي (5/273)؛ وابن ماجه (3037)؛ وصححه ابن خزيمة (1979) عن عاصم بن عدي ـ رضي الله عنه ـ بلفظ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «رخص لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال: إنه أصح من اللفظ الأول.
أو لكونه يستطيع أن يركب السيارات حتى يقرب من الجمرات، فإنه يجب أن يرمي كل يوم في يومه.
قوله: «فإن أخره عنه» ، أي: عن آخر يوم من أيام التشريق فعليه دم، أي: ولو لعذر، لكن إذا كان لعذر يسقط عنه الإثم، وأما جبره بالدم فلا بد منه.
فلو فرض أن رجلاً من الناس ظن أن رمي الجمرات غير واجب، أو ظن أن الترتيب فيها غير واجب، وجاء يسألنا بعد أن مضت أيام التشريق، فعلى ما مشى عليه المؤلف يجب عليه دم.
فإذا قال: أنا جاهل؟ قلنا: نعم أنت جاهل ويسقط عنك الإثم، لكن هذا العمل الذي فات بجهلك له بدل، وهو الدم، فيجب عليك أن تذبح فدية توزعها على الفقراء في مكة.
تنبيه: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخره عن اليوم الثالث رماه وعليه دم، وهذا غير مراد لأنه إذا مضت الأيام انتهى وقت الرمي فيسقط.
قوله: «أو لم يبت بها فعليه دم» ، الضمير يعود على منى، أي: لم يبت بها ليلتين إن تعجل أو ثلاث ليالٍ إن تأخر فعليه دم وسبق ما يراد بالدم عند الإطلاق في قول المؤلف «والدم شاة» إلخ.
وقوله: «أو لم يبت بها» ، عُلم منه أنه لو ترك ليلة من الليالي، فإنه ليس عليه دم، وهو كذلك (1) ، بل عليه إطعام مسكين
__________
(1) وهذا هو المذهب.
إن ترك ليلة، وإطعام مسكينين إن ترك ليلتين، وعليه دم إن ترك ثلاث ليالي.
وقيل: إن ترك المبيت، ليس فيه دم مطلقاً، وهذا مبني على أن المبيت سنة، وليس بواجب.
واستدل لهذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «رخص لعمه العباس في السقاية أن يبيت بمكة من أجل سقي الناس ماء زمزم» (1) ، وهذا ليس بضرورة إذ من الجائز أن تترك زمزم، وكل من جاء شرب منها، ولكن كون الرسول صلّى الله عليه وسلّم يرخص للعباس يدل على أن المبيت سنة.
والصحيح أنه واجب، لأن كلمة «رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقايته» ، يدل على أن ما يقابل الرخصة عزيمة لا بد منه.
ولكن لا نفعل كما يفعل بعض المفتين اليوم، يأتيه السائل، ويقول أنا لم أدرك الليل كله في منى، فات علي بعض الليل وأنا في مكة؛ لأنني نزلت إلى مكة أقضي الحج، وأطوف ثم تأخر بي السير، ولم أصل إلى منى إلا بعد الفجر.
فيقول عليك دم، فهذا غلط؛ لأن إلزام المسلمين بما لم يلزمهم الله به قول على الله بلا علم.
مسألة: لو أن مفتياً أفتى بغير علم، وقال للحاج: عليك
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم ليالي منى (1743)؛ ومسلم في الحج/ باب وجوب المبيت بمنى (1315) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ واللفظ للبخاري.
دم، فذهب الحاج واشترى دماً بخمسمائة ريال، وتصدق به على الفقراء، هل يمكن أن نقول بتضمين المفتي؟
الجواب: نعم نقول بتضمينه؛ لأنه هو الذي أفتاه بغير علم، وألزمه بما لم يلزمه الله به، ونحن نستفيد من هذا التضمين أن هذا الذي أفتى بغير علم اليوم لا يفتي بمثله أبداً، ولا يفتي بمسألة إلا وقد علمها أو غلب على ظنه أن هذا حكمها.
وَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ خَرجَ قَبْلَ الغُروب، وإِلاَّ لَزِمَه المَبِيتُ والرَّميُ مِن الغَدِ فَإِذَا أرادَ الخُرُوج مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَخْرُج حَتَى يَطُوف لِلوَدَاعِ .
قوله: «ومن تعجل في يومين» ، أتى بلفظ الآية ونعم ما صنع، لأنه متى أمكن الإنسان أن يأتي بلفظ الدليل فهو أولى؛ لأنه يجمع بين المسألة ودليلها مثل قول الماتن ـ رحمه الله ـ: «وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ، فهذا لفظ المتن وهو أيضاً لفظ الحديث (1) ، فمتى أمكنك الإتيان بالألفاظ الشرعية فهو خير وأسلم لذمتك، ويفهم الناس منها ما يفهمون من الدليل، والمراد باليومين الحادي عشر والثاني عشر؛ لقول الله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203] . أي: من هذه الأيام المعدودات، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.
وبعض العوام يظنون أن المراد بقوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} يوم العيد والحادي عشر، فيتعجلون في الحادي عشر، ولكن هذا غلط، لم يقل به أحد من أهل العلم، وإنما المراد من تعجل في يومين من هذه الأيام الثلاثة أيام التشريق.
__________
(1) سبق تخريجه ص(276).
قوله: «خرج قبل الغروب» ، أي: خرج من منى قبل أن تغرب الشمس، وذلك ليصدق عليه أنه تعجل في يومين؛ إذ لو أخر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين؛ لأن اليومين قد فاتا.
قوله: «وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد» ، أي: وإلا يخرج قبل غروب الشمس لزمه المبيت ليلة الثالث عشر، والرمي من الغد، بعد الزوال، كاليومين قبله.
والدليل أن الله قال: {فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203] وفي للظرفية، والظرف لا بد أن يكون أوسع من المظروف، وعليه فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليومين.
وقد روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ: أَنَّ مَنْ أدركه المساء فإنه يلزمه البقاء (1) .
مسألة: لو أن جماعة حلوا الخيام وحملوا العفش وركبوا، ولكن حبسهم المسير؛ لكثرة السيارات فغربت عليهم الشمس قبل الخروج من منى، فلهم أن يستمروا في الخروج، لأن هؤلاء حبسوا بغير اختيار منهم.
قوله: «فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع» ، قوله: «لم يخرج» تحريماً، لحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ
__________
(1) أخرجه البيهقي (5/152)؛ وأخرجه مالك في «الموطأ» (1/407)؛ ومن طريق البيهقي (5/152) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما.
وصححهما النووي في «المجموع» (8/283) وروى مرفوعاً ولا يثبت، كما قال البيهقي.
«أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض» (1) ، فقوله: «إلا أنه خفف عن الحائض» يدل على الوجوب على غيرها؛ لأنه لو كان غير واجب على غيرها لكان خفيفاً على كل الناس؛ لأن ما لا يجب ليس الإنسان ملزماً به فله تركه، فالصواب أن طواف الوداع واجب، وقد عكس بعض الأئمة ـ رحمهم الله ـ فقال: إن طواف الوداع سنة وطواف القدوم واجب، مع أن السنة تدل على العكس، بدليل حديث عروة بن المضرس ـ رضي الله عنه ـ (2) أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: «هل طفت للقدوم».
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أراد الخروج من مكة إلى أي بلد كان فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع.
وصرح بعض الأصحاب أنه إذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع.
ووجه التقييد بالبلد أنه إذا أراد الخروج إلى بلد آخر فإنه لم يزل في سفر، ولم يرجع.
مثاله: لو كان في مكة وبعد انتهاء الحج خرج إلى جدة، وليس من أهل جدة، أو خرج إلى الطائف وليس من أهل الطائف، فإنه على هذا التقييد لا يطوف للوداع؛ لأنه لم يرد الخروج إلى بلده، وهو في حكم المسافر، وهذا التقييد تقييد حسن.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب طواف الوداع (1755)؛ ومسلم في الحج/ باب وجوب طواف الوداع (1328).
(2) سبق تخريجه ص(231).
والدليل على هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: لم يأمر أصحابه أن يطوفوا للوداع حين خرجوا من مكة إلى المشاعر، وإن كان قد يقال: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يأمرهم بذلك؛ لأنهم لم يتموا حجهم حتى يلزمهم بالوداع، والذي يظهر أن التقييد أصح من الإطلاق لكن بشرط أن يكون خرج إلى البلد الذي أراده بنية الرجوع إلى مكة لينشئ السفر منها إلى بلده.
ولكن لو أن الإنسان عمل بالأمرين فطاف إذا أراد الخروج من مكة إلى بلد آخر، وإذا رجع إلى مكة طاف إذا أراد الخروج إلى بلده لكان خيراً.
لكن إذا كان الأمر فيه مشقة أن يطوف مرتين، فلا يظهر الإلزام بالطواف إذا أراد الخروج إلى غير بلده؛ لأنه في الواقع لم يغادر مكة فسوف يرجع إليها.
أما لو أراد الخروج إلى بلد آخر عبر سفره إلى بلده فهنا يطوف، كما لو أراد الخروج إلى بلده عن طريق المدينة فاتجه إلى المدينة، وهو يريد السفر إلى بلده فإن هذا يلزمه الطواف؛ لأنه حقيقة غادر مكة.
وقوله: «لم يخرج حتى يطوف للوداع» يستثنى من ذلك الحائض فإنها لا تطوف للوداع، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أخبر أن صفية ـ رضي الله عنها ـ قد حاضت وكانت قد طافت طواف الإفاضة، قال: «انفروا» (1) ، فأسقط عنها طواف الوداع،
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/ باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (1757)؛ ومسلم في الحج/ باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (1211) (382) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
ويدل لهذا أيضاً حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «إلا أنه خفف عن الحائض» (1) ؛ ولأن طواف الوداع ليس من النسك بل هو تابع له، فسقط بتعذره شرعاً بخلاف طواف الإفاضة فلا يمكن أن يسقط عن الحائض والنفساء.
فإن قال قائل: هل تجعلون العجز الحسي كالعجز الشرعي؟
يعني لو كان الإنسان مريضاً لا يستطيع أن يطوف لا بنفسه ولا بغيره هل يسقط عنه طواف الوداع؟
الجواب: لا؛ لأن إحدى أمهات المؤمنين استأذنت النبي صلّى الله عليه وسلّم أن تدع طواف الوداع لكونها مريضة، قال لها: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» (2) ، فهذا المريض نقول له: الأمر ميسر ـ والحمد لله ـ هناك عربات يمكن أن يركبها يطوف أو يطوف على المحمل.
إذاً فلا يسقط طواف الوداع إلا عن الحائض والنفساء فقط.
فَإِن أَقَامَ، أَوْ اتَّجَرَ بعْدَهُ أَعَادَهُ وَإِنْ تَرَكَهُ غَيْرُ حَائِضٍ رَجَعَ إِليهِ، فَإِن شَقَّ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ،..
قوله: «فإن أقام» ، أي: أقام في مكة بعد طواف الوداع.
أفادنا المؤلف بهذا أنه لا بد أن يكون هذا الطواف آخر أموره، وهو كذلك؛ لقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» (3) ، وبه تعرف أن ما يفعله بعض الحجاج من كونهم يطوفون للوداع، ثم يخرجون إلى منى، ويرمون الجمرات، ثم يغادرون فإن فعلهم خطأ؛ لأن آخر عهدهم يكون بالجمار، وليس
__________
(1) سبق تخريجه ص(361).
(2) سبق تخريجه ص(22).
(3) سبق تخريجه ص(361).
بالبيت، والنبي صلّى الله عليه وسلّم إنما طاف بالبيت للوداع بعد انتهاء النسك كله.
وقوله: «فإن أقام» ظاهره أنه إذا أقام بعد طواف الوداع وجبت عليه إعادته سواء كانت الإقامة طويلة أو قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت؛ لأن إيجاب الإعادة عليهم يلزم منه التسلسل، أو أنه لما انتهى من الطواف أُذِّن للصلاة فلا بأس أن يصلي، لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه لما طاف للوداع صلى الفجر ثم سافر متجهاً إلى المدينة (1) .
وكذلك لو فرض أنه تبين له عطل في سيارته بعد الطواف فجلس في مكة من أجل إصلاحه، فإنه لا يلزمه إعادة هذا الطواف لأنه إنما أقام لسبب متى زال واصل سفره.
قوله: «أو اتجر بعده أعاده» ، أي: اشترى شيئاً للتجارة، أو باع شيئاً للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة، أو باع حاجة في طريقه، أو هدايا لأهله، لا تجارة فإنه لا بأس به، على أننا نرغب أن يكون شراؤه قبل طوافه.
مسألة: ما الذي يوجب إعادة طواف الوداع إذا تأخر الإنسان بعده؟
__________
(1) كما يفهم من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ عند البخاري في الحج/ باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج (1788)، ومسلم في الحج/ باب وجوه الإحرام (1211) (123)، وحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ عند البخاري في الصلاة/ باب إدخال البعير في المسجد للعلة (464)؛ ومسلم في الحج/ باب جواز الطواف على بعير وغيره (1276).
الجواب: الذي يوجب إعادة طواف الوداع فيما لو تأخر بنية الإقامة ولو ساعة لغير ما استثنى.
وعلم من كلام المؤلف: أنه إذا طاف للوداع، فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد، والقهقرى أي: الرجوع على الخلف، ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثاً ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، فإذا طفت للوداع فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يكن يرجع القهقرى إذا أراد الخروج، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف، ونظر إلى الكعبة وودعها.
قوله: «وإن تركه غير حائض رجع إليه» ، أي: لزمه أن يرجع فيطوف، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع، إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمها الرجوع، أما إذا طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير، ولو داخل الحرم، فإنه لا يلزمها أن ترجع.
والدليل على هذا: قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «إلا أنه خفف عن الحائض» (1) ، والنفساء مثلها.
قوله: «فإن شق أو لم يرجع فعليه دم» ، أي: إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، وكذلك إذا لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
__________
(1) سبق تخريجه ص(361).
وقوله: «وإن تركه غير حائض رجع إليه» ، ظاهره وجوب الرجوع قرب أم بَعُدَ ما لم يشق، وأنه إذا رجع ولو من بعيد سقط عنه الدم، لكن المذهب أنه إذا جاوز مسافة القصر استقر عليه الدم، سواء رجع أو لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده، فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع، وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع، ثم رجعوا بعد أن خف الزحام وطافوا فإن الدم لا يسقط عنهم؛ لأنه استقر بمسافة القصر، أو بوصوله إلى بلده، حتى ولو فرض أن أناساً من بلد دون جدة كأهل بحرة، وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم.
وقوله: «فعليه دم» . الدليل على وجوب الدم الأثر المشهور عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «من ترك شيئاً من نسكه، أو نسيه فليهرق دماً» (1) ، وهذا نسك واجب أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيكون في تركه دم، وهذا الأثر مشهور عند العلماء واستدلوا به، وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب، وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له حكم الرفع.
وقال بعض العلماء: يمكن أن يكون صادراً عن اجتهاد، ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، أي فعل محظورات الإحرام التي فيها دم؛ لأن في الأمرين معاً انتهاكاً لحرمة النسك، فترك الواجب انتهاك
__________
(1) سبق تخريجه ص(187).
لحرمة النسك، وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بنى هذا الحكم على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد، فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعاً.
ويبقى النظر، هل قول الصحابي حجة؟
الجواب: فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حجة ما لم يخالف نصاً أو قول صحابي، فإن خالف نصاً فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طلب الترجيح بين القولين.
إذاً المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم، وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل انضباط الناس، وحملهم على فعل المناسك الواجبة بإلزامهم بهذا الشيء؛ لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك إلا أن تستغفر الله وتتوب إليه، سهل الأمر عليه، مع أن التوبة النصوح أمرها صعب.
وفهم من قوله: «فإن شق أو لم يرجع فعليه دم» ، أن الإنسان ليس مخيراً بين أن يقوم بالواجب أو يذبح عنه فدية كما يظنه بعض الجهال، فبعض الجهال يقول: وقفت بعرفة ونزلت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة وسعيت وبقي المبيت بمزدلفة وبمنى ورمي الجمار وطواف الوداع، أو أذبح عشرة ذبائح وليس أربعة، فهذا ليس بجائز؛ لأن المسألة ليست مسألة تخيير لكن المسألة أنه إذا فات الواجب ولم يمكن تداركه فإنه يفدي بدم، وبعض الجهال يظن أنه مخير، ولهذا تجده يقول: أنا لا يهمني أتجاوز
الميقات بلا إحرام، متى شئت أحرمت، والمسألة سهلة أذبح فدية، فهذا ليس بصحيح، ولكن إذا فات الواجب ولم يمكن تداركه فحينئذٍ نلزمه بالفدية، وهكذا بقية كفارات المعاصي ليس معناها أن الإنسان مخير بين فعل المعصية والكفارة، أو تركها، فهذا ليس بجائز، ولذلك يجب أن ننبه العوام وبعض طلبة العلم الذين علمهم قاصر، أن هذه الكفارات والفداءات ليس معناها أن الإنسان مخير بين أن يفعل المعصية أو يترك الواجب ويفعل هذه الفدية، بل إذا فات الأمر ولم يمكن تداركه فالفدية.
وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَة فَطَافَهُ عِنْدَ الخُرُوجِ أَجْزَأ عَن الوَدَاعِ ...
قوله: «وإن أخر طواف الزيارة، فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع» . طواف الزيارة هو طواف الإفاضة، أي: طواف الحج.
فإن قيل: كيف يجزئه عن طواف الوداع الذي هو واجب، وطواف الإفاضة ركن؟
فالجواب: أن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر عهده بالبيت وقد حصل بطواف الإفاضة، فيكون مجزئاً عن طواف الوداع، وهذا واضح فيما إذا كان من قارن، أو مفرد سعى بعد طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه إلا الطواف وينصرف، لكنه مشكل فيما إذا كان من متمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يطوف ويسعى؟
فقيل: إنه يقدم السعي على الطواف؛ لأن تقديم السعي على الطواف في الحج جائز؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا حرج» (1) .
__________
(1) سبق تخريجه ص(336).
وقال بعض العلماء: بل لا حاجة إلى ذلك، بل يقدم الطواف ويأتي بالسعي بعده، والسعي تابع للطواف فلا يضر أن يفصل بين الطواف وبين الخروج، واستدل البخاري ـ رحمه الله ـ على ذلك بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أذن لعائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تأتي بعمرة بعد تمام النسك، فأتت بعمرة فطافت وسعت وسافرت (1) ، فحال السعي بين الطواف والخروج، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف للوداع ثم صلى صلاة الفجر وقرأ بالطور (2) ثم خرج، فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر، وهذا عندي أقرب من القول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل فيه الترتيب المشروع، وهو أن يقدم الطواف على السعي.
مسألة: جمع طواف الإفاضة وطواف الوداع لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن ينوي طواف الإفاضة فقط.
الثانية: أن ينويهما جميعاً.
الثالثة: أن ينوي طواف الوداع فقط.
والصورة التي ذكرها المؤلف هي الصورة الأولى فقط.
فعلى هذا نقول: الصورة الأولى إذا نوى طواف الإفاضة ولم يكن عنده نية طواف الوداع، فيجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد.
وهذه أحسن الصور، لأن بعض العلماء قال: «إذا نواهما جميعاً لم يصح».
__________
(1) سبق تخريجه ص(51).
(2) سبق تخريجه ص(22).
والصورة الثانية: إذا نواهما جميعاً فيجزئ أيضاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) .
والصورة الثالثة: إذا نوى طواف الوداع فقط ولم ينو طواف الإفاضة، فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة ولا عن طواف الوداع.
وهذه مسألة يجب أن ينبه الناس عليها؛ لأن أكثرهم إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الخروج نوى الوداع فقط، ولا طرأ على باله طواف الإفاضة، فنقول في هذه الحال: إنه لا يجزئه؛ لأن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب فهو أعلى منه، ولا يجزئ الأدنى من الأعلى ولأنه لم ينو طواف الإفاضة، ولا يجزئه عن طواف الوداع، لأن من شرط طواف الوداع أن يكون بعد استكمال النسك، والنسك لم يتم.
لكن لو قال قائل: ألستم تقولون إن الرجل إذا حج عن نفسه قبل الفريضة ونواها نافلة فإنها تقع عن الفريضة؟
فالجواب: بلى نقول ذلك، وكذلك لو حج عن غيره ولم يحج عن نفسه مع وجوب الحج عليه فإن الحج يقع عن نفسه، والفرق أن مسألتنا جزء من حج بخلاف الحج كاملاً، فالحج كاملاً تكون الذمة فيه مشغولة بالفريضة، فإذا أدى ما دون الفريضة صار للفريضة، وأما هذا فهو جزء من عبادة، فإن طواف الوداع إن قلنا إنه من الحج فهو جزء منه، وإن قلنا: إنه مستقل فإنه لا يمكن أن يجزئ واجب عن ركن.
__________
(1) سبق تخريجه ص(70).
وَيَقفُ غَيْرُ الحَائِضِ بَيْنَ الرُّكْنِ والبَابِ دَاعِياً بِمَا وَرَدَ وَتَقِفُ الحائِضُ ببَابِه وَتَدْعُو بِالدُّعَاء...
قوله: «ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعياً بما ورد» ، أي: الحاج إذا ودع يقف بين الركن، أي: الحجر الأسود والباب، أي: باب الكعبة، ومسافته قليلة.
قال في الروض: «يلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين» ، وهذا يسمى «الالتزام» عند أهل العلم، والمكان هذا يسمى «الملتزم»، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء مع أنها لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) ، وإنما جاءت عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ (2) .
فهل الالتزام سنة، ومتى وقته، وهل هو عند القدوم، أو عند المغادرة، أو في كل وقت؟
وسبب الخلاف بين العلماء في هذا أنه لم ترد فيه سنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يفعلون ذلك عند القدوم.
والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة فيلتزم في الملتزم، وهو
__________
(1) أخرجه أبو داود في المناسك/ باب الملتزم (1898)؛ والبيهقي (5/92) عن عبد الرحمن بن صفوان ـ رضي الله عنه ـ وضعفه المنذري في «تهذيب السنن» (1818)؛ وأخرجه أيضاً أبو داود في المناسك/ باب الملتزم (1899)؛ وابن ماجه في الناسك/ باب الملتزم (2962)؛ وعبد الرزاق (9043، 9044)؛ والدارقطني (2/289)؛ والبيهقي (5/93) عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما، وضعفه المنذري في «تهذيب السنن» (1819)؛ والبيهقي وابن التركماني في «الجوهر النقي».
(2) صح ذلك عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ كما عند عبد الرزاق (9047) بسند صحيح كما قال الحافظ في «الدراية» (2/30، 31).
ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب، على الصفة التي ذكرها في الروض ويقول ما ورد، ثم ذكر صاحب الروض ـ رحمه الله ـ دعاءً طويلاً ومنه: «اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي إن أنت أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير» ، ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم. وعلى هذا فالالتزام لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق.
قوله: «وتقف الحائض ببابه» ، أي: باب المسجد.
قوله: «وتدعو بالدعاء» هكذا قال، ولا دليل لما قال إن الحائض تأتي وتقف بباب المسجد تدعو بهذا، والنبي صلّى الله عليه وسلّم، لما قيل له: إن صفية قد أفاضت قال: «فلتنفر» (1) ، ولم يقل فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه، مع دعاء الحاجة إلى بيانه لو كان مشروعاً، وعلى هذا فيكون هذا القول ضعيفاً لا يعمل به.
__________
(1) سبق تخريجه ص(363).
وبهذا انتهى الكلام على صفة الحج والعمرة، واعلم أن كل ما ذكرناه فإنه مبني على ما نعلمه من الأدلة، ومع هذا لو أن إنساناً اطلع على دليل يخالف ما قررناه فالواجب اتباع الدليل، لكن هذا جهد المقل ـ نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا ـ.
وَتُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَبْرَيْ صَاحِبيه
قوله: «وتستحب زيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبري صاحبيه» .
والدليل أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بزيارة القبور، وهو عام يشمل قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبر غيره، وأما ما استدل به بعضهم من حديث: «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» ، رواه الدارقطني (1) ، فالحديث ضعيف بل موضوع (2) مكذوب على النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم كله حق وهذا الحديث باطل.
فهل الذي يزور قبره بعد وفاته كالذي يزوره في حياته؟!
أبداً ولا يشبهه بأي حال من الأحوال.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ: أن الحاج إذا انتهى من الحج يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر بزيارة القبور، ولم ينه عن شد
__________
(1) أخرجه الدارقطني (2/278)؛ والطبراني في «الكبير» (13497)؛ وابن عدي (2/790)؛ والبيهقي (5/246) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما.
(2) انظر كلام شيخ الإسلام على هذا الحديث في التوسل والوسيلة ص(143) حيث حكم عليه بالوضع، وأيضاً الصارم المنكي لابن عبد الهادي ص(62)، وضعفه الحافظ في «التلخيص» (1075).
الرحل إليها بل قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة» (1) ، وخير قبور يشد إليها الرحل قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبرا صاحبيه.
ومنهم من قال: إن شد الرحال لزيارة القبور مكروه.
ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين له أن ما ذهب إليه هو الحق.
وَصِفَةُ العُمْرَةِ: أنْ يُحْرِمَ بِهَا مِن المِيقَاتِ، أوْ مِن أدنْىَ الحِلّ مِن مَكِّي وَنَحْوِهِ.
قوله: «وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات أو من أدنى الحل من مكي ونحوه» فهي إحرام وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير أربعة أشياء.
وقوله: «أن يحرم بها من الميقات» يعني إن مر به أو من محاذاته إن لم يمر به، أو مما دونه إن كان دون الميقات فيحرم بها على حسب ما مر في المواقيت.
وقوله: «أو من أدنى الحل، من مكي ونحوه» ، وأدنى الحل بالنسبة إلى الكعبة التنعيم، أما بالنسبة لمن أراد العمرة، فقد يكون التنعيم، وقد يكون غير التنعيم، فالذي في مزدلفة مثلاً أدنى الحل إليه عرفة، والذي في الجهة الغربية من مكة أدنى الحل إليه الحديبية، ولا يلزمه أن يقصد التنعيم، الذي عينه الرسول صلّى الله عليه وسلّم لعائشة ـ رضي الله عنها ـ، أو الجعرانة التي أحرم منها النبي صلّى الله عليه وسلّم
__________
(1) أخرجه مسلم في الجنائز/ باب استئذان النبي صلّى الله عليه وسلّم ربه ـ عزّ وجل ـ في زيارة قبر أمه (976) (108) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
حين رجع من غزوة حنين؛ لأن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة أن تحرم من التنعيم (1) لكونه أقرب الحل إليها، وإحرامه من الجعرانة (2) لكونه نازلاً بها.
وقوله: «من مكي ونحوه» المكي هو ساكن مكة، ونحوه: هو الآفاقي المقيم بمكة، فكلاهما يحرم من أدنى الحل، وقد سبق تقرير ذلك، وبيان شبهة من قال من أهل العلم: إن المكي يحرم من مكة لعموم الحديث، وهو قوله: «حتى أهل مكة من مكة» (3) .
لاَ مِن الحَرَمِ، فَإِذا طَافَ وسَعَى وَقَصَّرَ حَلَّ، وَتُبَاحُ كَلَّ وَقْتٍ، وَتُجْزئ عَن الفَرْضِ.
قوله: «لا من الحرم» ، أي: لا يحرم للعمرة من الحرم، فإن فعل انعقد إحرامه، ولكن يلزمه دم؛ لتركه الواجب، وهو الإحرام من الحل.
قوله: «فإذا طاف وسعى وقصر حل» ، لأن العمرة مكونة من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير، وأسقط المؤلف ذكر الحلق بناء على أن مراده عمرة المتمتع.
قوله: «وتباح كل وقت» العمرة تباح في كل وقت حتى في يوم عيد النحر، وفي يوم عرفة، وفي أيام التشريق، فمثلاً لو أن أحداً قدم إلى مكة في يوم عرفة للعمرة صحت منه؛ لكن إن كان يريد الحج قلنا له: اذهب إلى عرفة ولا تتمتع؛ لأن وقت التمتع قد فات، ولكن أدخل الحج على العمرة لتكون قارناً.
__________
(1) - (2) سبق تخريجه ص(51).
(3) سبق تخريجه ص(48).
وقوله: «تباح كل وقت» ، وأما الحج فله وقت مخصوص قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، وأما العمرة فتباح كل وقت، ولكن على المشهور من المذهب بشرط ألا يحرم بها على الحج، ولذلك قالوا ـ رحمهم الله ـ: القران أن يدخل الحج على العمرة لا أن يدخل العمرة على الحج، وخالف في ذلك أصحاب الشافعي فقالوا: يجوز أن يدخل العمرة على الحج ويصير قارناً.
لم يذكر ـ رحمه الله ـ هل يسن أن يعتمر كل وقت، أو في السنة مرة، أو في الشهر مرة؟
لكن ذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في الفتاوى اتفاق السلف على أنه يكره تكرار العمرة.
وقال الإمام أحمد: «لا يعتمر إلا إذا حمَّمَ رأسُه» حمم أي: اسود من الشعر، وبناء على هذا يكون ما يفعله العامة الآن من تكرار العمرة، ولا سيما في رمضان كل يوم، إن لم يكن بعضهم يعتمر في النهار عمرة وفي الليل عمرة، خلاف ما عليه السلف.
قال في الروض: «ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف قاله في المبتدع» لابن مفلح.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (1) ، فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم.
__________
(1) سبق تخريجه ص(54).
قال في الروض: «ويستحب تكرارها في رمضان؛ لأنها تعدل حجة» هذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
ولكن هل لها أوقات فاضلة؟ نعم، وفي رمضان تعدل حجة كما صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (1) ، والصحيح أنها عامة خلافاً لمن قال: إن هذا الحديث ورد في المرأة التي تخلفت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحج فقال لها: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» (2) ، فإن بعض العلماء قال: إن هذا خاص بهذه المرأة يريد أن يطيب قلبها، ولكن الصواب أنها عامة، وتسن أيضاً في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم خصها بالعمرة، وقد تردد ابن القيم ـ رحمه الله ـ أيهما أفضل: العمرة في أشهر الحج أو العمرة في رمضان؟ ولكن الظاهر أن العمرة في رمضان أفضل لقوله: «تعدل حجة» وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كرر العمرة في أشهر الحج؛ لتزول عقيدة أهل الجاهلية الذين يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا الأثر وبرأ الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر، حتى يأتي الناس في غير أشهر الحج إلى مكة فيحصل ارتفاع اقتصادي.
مسألة: هل تباح يوم العيد؟
__________
(1) أخرجه البخاري في العمرة/ باب عمرة في رمضان (1782)؛ ومسلم في الحج/ باب فضل العمرة في رمضان (1256) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب حج النساء (1863)؛ ومسلم من الكتاب السابق (1256)، (222) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما.
أما غير الحاج فيجوز في عيد الأضحى أن يأتي بعمرة، أما الحاج فلا إلا إذا تحلل التحلل الأول، فإنه يجوز أن يأتي بعمرة لأن إحرامه بالحج حينئذٍ ناقص، فقد تحلل من أكثر المحظورات، ولذلك عبر صاحب الفروع لما ذكر نص الإمام أحمد فيمن جامع بعد التحلل الأول، أنه يأتي بعمرة أو كلاماً نحو هذا، قال: فدل على أنه لو أحرم بعد تحلله الأول صح.
ولكن هل يشرع هذا؟
الجواب: لا يشرع بل يمنع.
قوله: «وتجزئ عن الفرض» ، أي: العمرة تجزئ عن الفرض في أي وقت أدّاها، فعمرة المتمتع تجزئ عن الفرض، وعمرة القارن تجزئ عن الفرض؛ لأن القارن أتى بعمرة وحج؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» (1) ، فأثبت النبي صلّى الله عليه وسلّم لها حجاً وعمرةً.
مسألة: لو جعل القارن عمرته لشخص، وحجه لآخر؛ فقال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: يجوز؛ لأن القران وإن كان فعلاً واحداً لكنه نسكان، وإذا كان نسكين أجزأ أن يجعل نسكاً عن شخص، ونسكاً عن شخص آخر.
وأميل إلى أنه لا ينبغي، لكن لو فعل فلا أقول بالتحريم؛ لأن النبي جعلهما نسكين.
وأما المتمتع فواضح أنه يجوز؛ لأن كل نسك منفصل عن الآخر.
__________
(1) سبق تخريجه ص(84).
وَأَرْكَانُ الحَجِّ: الإِحْرام، والوُقُوفُ، وَطَوافُ الزِّيَارةِ والسَّعْيُ وَوَاجِبَاتُهُ: الإِحْرَامُ مِن المِيقَاتِ المُعْتَبَرِ لَهُ، والوقُوفُ بِعَرفَةَ إِلَى الغُرُوبِ وَالمَبِيتُ لِغَيرِ أهْلِ السِّقَايَةِ والرّعَايَة بِمِنَى ومُزدَلِفَةَ إِلَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ والرَّميُ، وَالحِلاَقُ، والوَدَاعُ، ...

محب الدعوة
11-01-2011, 01:25 PM
قوله: «وأركان الحج» ، سبق في أول المناسك شروط الحج: شروط وجوبه، وشروط صحته، وشروط إجزائه، وقد اعترض بعض الناس على هذا التقسيم: على الشروط، وعلى الأركان، وعلى الواجبات، والسنن، وقال أين هذا في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وإذا لم نجد ذلك في كتاب الله أو في سنة رسوله فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ، فيرد على صاحبه، فيقال:
الأمور قسمان:
أمور غائية، وأمور وسيلة.
فأما الأمور الغائية فهي التي هي غاية ومقصودة لذاتها، فإنها لا تفعل إلا بإذن من الشرع، ولا يمكن لأحد أن يشرعها أو يتعبد لله بها.
وأما الأمور التي هي وسيلة فيقصد بها الوصول إلى الغاية، فهذه ليس لها حد شرعي، بل لها قاعدة شرعية وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والوسائل تختلف باختلاف الأزمان، واختلاف الأحوال، واختلاف الأماكن، واختلاف الأمم، وإذا كان كذلك فالوسائل بابها مفتوح، فالعلماء ـ رحمهم الله ـ رأوا أن من وسائل تقريب العلم إلى الأذهان، وإلى الحصر أن يقولوا: هذه شروط، وهذه أركان، وهذه واجبات، وهذه سنن، وقالوا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد فعل هذا المبدأ فنجده أحياناً يقول: «ثلاثة
__________
(1) سبق تخريجه ص(158).
لا يكلمهم الله» (1) ، «سبعة يظلهم الله في ظله» (2) ، مع أنهم لا ينحصرون في سبعة، ولا ينحصرون في ثلاثة، ولكن هذا من باب تقريب العلم للأفهام.
يبقى النظر فيما إذا قال: هذا شرط، أو هذا واجب، فهنا يطالب بالدليل فيقال له: من أين لك أن هذا شرط، وأن هذا واجب، وأن هذا ركن، وأن هذه سنة؟ هذا هو الذي يطالب فيه الإنسان بالدليل، أما تقسيم الأشياء إلى أقسام تقريباً للأفهام فإنه من باب الوسائل، ولو أردنا أن نسلك هذا المسلك لقلنا أيضاً تقسيم العلم إلى توحيد، وطهارة، وصلاة وزكاة وصيام وحج وبيوع ورهان وما أشبه ذلك، أيضاً هذا بدعة، أين في السنة أنها قسمت هكذا؟ فينبغي للإنسان أن يكون فهمه واسعاً، وأن يعرف مقاصد الشريعة، وأن لا يجعل الوسائل مقاصد، فإنه بذلك يضل، ويبدع أناساً كثيرين من أهل العلم المحققين.
حينئذٍ نقول: تقسيم العلم إلى أبواب ليس به بأس، وتقسيم الأبواب إلى شروط، وأركان، وواجبات، ومستحبات ليس به بأس؛ لأننا نريد أن نقرب العلم كما كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يستعمل تقريب العلم، لكن بأساليب مختلفة.
وقوله: «وأركان» : جمع ركن، والركن هو جانب البيت
__________
(1) انظر على سبيل المثال: «صحيح مسلم» (106)، (107)، (108).
(2) أخرجه البخاري في الأذان/ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة... (660)؛ ومسلم في الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة (1031) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
الأقوى، وهي التي تسمى عندنا بالزاوية، وهي أقوى ما في الجدار، وسمي ركناً؛ لأن بعضه يسند بعضاً حيث يتلاقى به طرفا الجدار لأن جانب الشيء الأقوى يسمى ركناً.
قوله: «الإحرام» هذا هو الركن الأول، سبق لنا أن الإحرام هو نية النسك، وليس لبس ثوب الإحرام؛ لأن الإنسان قد ينوي النسك فيكون محرماً ولو كان عليه قميصه وإزاره، ولا يكون محرماً ولو لبس الإزار والرداء إذا لم ينو.
والنية محلها القلب فيكون داخلاً في النسك إذا نوى أنه داخل فيه، لكن يجب أن تعرف الفرق بين من نوى أن يحج، ومن نوى الدخول في الحج، فالثاني هو الركن، أما من نوى أن يحج فلم يحرم، فلا صلة له بالركن ولهذا ينوي الإنسان الحج من رمضان ومن رجب ومن قبل ذلك، ولا نقول إن الرجل تلبس بالنسك أو دخل في النسك أو أحرم.
وهل يشترط مع النية لفظ؟ الصحيح أنه لا يشترط.
ومن العلماء من قال: إنه لا بد من التلبية مع النية، وجعل التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة.
والدليل على أن الإحرام ركن، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) .
قوله: «والوقوف» هذا هو الركن الثاني، أي: بعرفة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» (2) ، ولقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ
__________
(1) سبق تخريجه ص(68).
(2) سبق تخريجه ص(19).
عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ، فقوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} يدل على أن الوقوف بعرفة لا بد منه، وأنه أمر مسلم وأن الوقوف بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة.
قوله: «وطواف الزيارة» ، هذا هو الركن الثالث.
ويقال له: طواف الإفاضة، وهو الطواف الذي يقع في يوم العيد أو ما بعده ومراده الطواف بالبيت.
ويشترط أن يقع بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، فلا يصح أن يطوف قبل عرفة ولا مزدلفة، لا بد أن يطوف بعدهما لقول الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ، فمزدلفة تلي عرفة، وقال لما ذكر ذكر النحر والذبح: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحج] ، فجعل الطواف بعد الوصول إلى منى هو كذلك، وعليه فيشترط لصحة طواف الإفاضة أن يكون بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، وعليه فلو أن الإنسان انطلق من عرفة ليطوف طواف الإفاضة، ثم عاد إلى مزدلفة وبات بها، فطوافه لا يصح ويكون نفلاً.
ودليل ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحج] الشاهد قوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا}؛ لأن الجملة هذه فعل مضارع مقرون بلام الأمر فيكون أمراً.
قوله: «والسعي» هذا هو الركن الرابع، وهو المذهب، وقيل: إنه واجب يجبر بدم، وقيل: إنه سنة، وهذا أضعف
الأقوال، وأصح الأقوال أنه ركن لا يتم الحج إلا به، والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] .
ثانياً : قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (1) .
ثالثاً : قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «والله ما أتم الله حج رجل ولا عمرته لم يطف بهما» (2) ، أي: بالصفا والمروة.
فإن قال قائل: كيف تقولون: إن السعي بين الصفا والمروة ركن، وقد قال الله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ونفي الجناح لا يدل على الوجوب، بل يدل على رفع الإثم فقط، فكيف تجعلونه ركناً لا يصح الحج إلا به؟! هذا إيراد وارد.
قلنا: إن قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} يكفي دليلاً في مشروعية السعي حيث جعلهما من شعائر الله، وقد قال الله تعالى: {ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} والطواف بهما تعظيم لهما، فيكون قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} دليلاً على أن من طاف بهما فقد عظم شعائر الله وأنه لا جناح عليه.
وأما قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، فهذا رفع توهم وقع من بعض الناس حين نزول الآية، وذلك أنه كان على
__________
(1) سبق تخريجه ص(269).
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن... (1277).
الصفا والمروة صنمان يعبدان من دون الله، فتحرج المسلمون من أن يطوفوا بالصفا والمروة، وعليهما صنمان قبل الإسلام، فنفى الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذلك الجناح؛ ليرتفع الحرج عن صدورهم، فكان الغرض من نفي الجناح رفع الحرج عن صدورهم، حتى لا يبقى فيها قلق.
هذه أربعة أركان.
مسألة: زاد بعض العلماء المبيت بالمزدلفة، واستدلوا بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 198، 199] ، ويقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث عروة بن المضرس ـ رضي الله عنه ـ: «من شهد صلاتنا هذه ـ يعني الفجر ـ ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» (1) ، ففهم منه أن من لم يقف بالمزدلفة لم يتم حجه، وإلى هذا ذهب بعض السلف والخلف، وهو بلا شك قول قوي وقد مال إليه ابن القيم.
لكن الذين قالوا: إنه ليس بركن، قالوا: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الحج عرفة، من جاء قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» (2) .
وأجابوا عن حديث عروة ـ رضي الله عنه ـ بأن الإتمام يكون على وجوه: تارة يكون إتماماً لا يصح الشيء إلا به، وتارة
__________
(1) سبق تخريجه ص(231).
(2) سبق تخريجه ص(19).
يكون إتماماً يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إتماماً يصح الشيء بدونه مع نفي التحريم، والمراد بالإتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة إتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور.
ومن العلماء من قال: إن الوقوف بالمزدلفة سنة وليس بركن ولا واجب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة».
لكن أعدل الأقوال وأصوبها أنه واجب، وليس بركن والإنسان يتحرج أن يقول لشخص وقف بعرفة وطاف وسعى ولكنه يقف بالمزدلفة: إنه لا حج لك، ولكن يقول له: حجك صحيح وعليك دم، كما سيأتي في الواجبات.
قوله: «وواجباته» ، أي: واجبات الحج. والفرق بين الواجب والركن أن الواجب يصح الحج بدونه، والركن لا يصح إلا به.
قوله: «الإحرام من الميقات المعتبر له» ، هذا هو الأول من واجبات الحج، الإحرام من الميقات المعتبر له، أما أصل الإحرام فهو ركن.
ولو قال المؤلف: أن يكون الإحرام من الميقات لكان أوضح؛ لأنه إذا قال: الإحرام من الميقات، فقد يظن الظان أن الإحرام من الميقات ـ أيضاً ـ من الواجبات، وقد سبق أن المواقيت خمسة، وأن من مر بها يريد النسك وجب عليه الإحرام، ومن كان دونها فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة يحرمون من مكة إلا في العمرة، فيحرمون من أدنى الحل، وقد سبق بيان ما هو الميقات المعتبر، فالميقات المعتبر هي المواقيت الخمسة.
والدليل على الوجوب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يهل أهل المدينة....» (1) ، وهذا خبر بمعنى الأمر، والدليل على أنه بمعنى الأمر قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل المدينة ذا الحليفة» (2) .
قوله: «والوقوف بعرفة إلى الغروب» ، هذا هو الثاني من واجبات الحج، الوقوف بعرفة إلى الغروب، أي: أن يستمر في عرفة إذا وقف نهاراً إلى أن تغرب الشمس، وعلى هذا فلا يحل أن يخرج الإنسان من عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن البقاء فيها حتى تغيب الشمس أمر واجب.
وزعم بعض العلماء أنه لا يجب الوقوف إلى الغروب، لحديث عروة بن المضرس ـ رضي الله عنه ـ حين قال صلّى الله عليه وسلّم: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه» (3) ، فمن وقف نهاراً، ودفع قبل الغروب صدق عليه هذا الحكم الذي نطق به النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه قد تم حجه وقضى تفثه، ولكن الصحيح أن الوقوف بعرفة إلى الغروب واجب للأدلة الآتية:
أولاً: مكث النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها إلى الغروب (4) مع أنه لو دفع بالنهار لكان أرفق بالناس؛ لأنه لو دفع بالنهار كان ضوء النهار معيناً للناس على السير، وإذا دفع بعد الغروب حل الظلام، ولا
__________
(1) سبق تخريجه ص(52).
(2) أخرجه البخاري في الحج/ باب فرض مواقيت الحج والعمرة (1522).
(3) سبق تخريجه ص(231).
(4) سبق تخريجه ص(76).
سيما في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والناس يمشون على الإبل والأقدام فينتشر الظلام قبل الوصول إلى مزدلفة.
فإن قال قائل: في تلك الليلة يكون القمر مضيئاً فلا يحصل بالسير بعد الغروب مشقة؟
فالجواب أن نقول: أفلا يمكن في تلك الليلة أن يوجد سحاب؟
الجواب: بلى يمكن أن يكون هناك سحاب، إما في السنة التي حج فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإما في غيرها، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم أن مفاتيح السماء بيد الله ـ عزّ وجل ـ هو الذي ينشئ السحاب، وإذا لم يكن سحاب في تلك السنة، فيمكن أن يكون في السنوات الأخرى، إذاً فتأخير الرسول صلّى الله عليه وسلّم الدفع من عرفة إلى ما بعد الغروب، وتركه للأيسر يدل على أن الأيسر ممتنع، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما خيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» (1) .
ثانياً: أن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية حيث يدفعون قبل غروب الشمس، إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال، كعمائم الرجال على رؤوس الرجال، فلو دفع إنسان في مثل هذا الوقت لشابههم، ومشابهة الكفار في عباداتهم محرمة.
ثالثاً: أن تأخير الرسول صلّى الله عليه وسلّم الدفع إلى ما بعد غروب الشمس، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب ـ مع أن وقت
__________
(1) سبق تخريجه ص(352).
المغرب قد دخل ـ يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وأنه صلّى الله عليه وسلّم ممنوع من الدفع حتى تغرب الشمس، ولذلك بادر، فلو كان الدفع قبل غروب الشمس جائزاً لدفع قبل غروب الشمس، ووصل إلى مزدلفة في وقت المغرب، وصلى فيها المغرب مطمئناً.
وعلى هذا فإن قيل: ما الجواب عن حديث عروة؟
قلنا: الجواب عن حديث عروة ـ رضي الله عنه ـ: ما أسلفنا أن تمام الشيء قد يكون تمام واجب، أو ركن، أو سنة.
وأيضاً حديث عروة مطلق: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً» ، فقيد بفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه وقف إلى الغروب، والمقيد يحكم على المطلق.
قوله: «والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى ومزدلفة إلى بعد نصف الليل» ، هذا هو الركن الثالث والرابع من واجبات الإحرام.
فقوله: «والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى...» ، المراد المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق دون المبيت في ليلة التاسع، فإن المبيت في منى ليلة التاسع ليس بواجب، بل هو سنة، أما المبيت ليالي أيام التشريق بمنى فواجب، والدليل ما يلي:
أولاً : ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رخص لعمه العباس أن يبيت في مكة ليالي التشريق من أجل السقاية» (1) ،
__________
(1) سبق تخريجه ص(199).
والرخصة تقابلها عزيمة؛ لأن السقاية كانت بيد العباس، فكان ـ رضي الله عنه ـ يسقي الحجاج ماء زمزم مجاناً تعبداً لله ـ عزّ وجل ـ، وإظهاراً لكرم الضيافة، وفي الجاهلية استجلاباً للناس أن يحجوا لأن أهل مكة ينتفعون اقتصادياً من الحجاج، فيسهلون لهم الأمور، ويخدمونهم من أجل تشجيعهم على الحج.
ثانياً : قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا عني مناسككم» (1) ، وقد بات في منى.
وقيل: إنه سنة وليس بواجب، والإمام أحمد لما قيل له إن فلاناً يقول في تركه دم ضحك ـ رحمه الله ـ وقال: هذا شديد، وهذا يدل على أنه يرى أن المبيت بمنى سنة.
أما المبيت بمزدلفة فقوله ـ رحمه الله ـ أنه واجب من واجبات الحج قول وسط بين قولين:
أحدهما: أن المبيت بها ركن من أركان الحج والآخر أنه سنّة، وقد سبق بيان ذلك (2) .
وقوله: «لغير أهل السقاية والرعاية» ، أهل السقاية أي: سقاية الحجاج من زمزم، والرعاية رعاية إبل الحجاج، وذلك أن الناس فيما سبق يحجون على الإبل، فإذا نزلوا في منى احتاجوا إلى من يرعى إبلهم؛ لأن بقاءها في منى فيه تضييق، وربما لا يتوفر لها العلف الكافي؛ لهذا يذهب بها الرعاة إلى محلات أخرى من أجل الرعي، وقد رخص النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ للرعاة أن يدعوا
__________
(1) سبق تخريجه ص(204).
(2) انظر ص(384).
المبيت بمنى ليالي منى لاشتغالهم برعاية الإبل (1) .
مسألة: هل يلحق بهؤلاء من يماثلهم ممن يشتغلون بمصالح الحجيج العامة كرجال المرور، وصيانة أنابيب المياه، والمستشفيات وغيرها أو لا؟
الجواب: نعم يلحقون بهؤلاء لتمام أركان القياس، فإن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، وهذا موجود تماماً فيمن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيقاس على الرعاة والسقاة من يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام، فيرخص لهم أن يبيتوا خارج منى.
ومن له عذر خاص كمريض ينقل للمستشفى خارج منى، هل يقاس على هؤلاء أو لا يقاس؟
قال بعض أهل العلم: إنه يقاس بجامع العذر في كل منهم.
وقال بعض العلماء: إنه لا يقاس على هؤلاء؛ لأن هذا عذره خاص، والسقاة والرعاة عذرهم عام للمصلحة العامة، فهو لا يشبه الرعاية والولاية، والذي عذره خاص فهذا ينظر في أمره هل يرخص له في ترك المبيت ويقال: إن عليك فدية لترك المبيت، أو يقال لا فدية عليك؟ ولكن قياسه على الرعاة والسقاة قياس مع الفارق.
ولكن ليعلم أن المبيت في منى ليس بذاك المؤكد كالرمي مثلاً، والدليل على هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يسقط الرمي عن
__________
(1) سبق تخريجه ص(357).
الرعاة، وأسقط المبيت عنهم (1) ، فدل هذا على أن المبيت في منى ـ وإن عددناه من الواجبات ـ أهون من الرمي؛ ولهذا يخطئ بعض الناس ـ فيما نرى ـ أنه إذا قيل له: رجل لم يبت في منى ليلة واحدة قال: عليه دم، وهو لو قال: عليه دم إذا ترك ليلتين لكان له شيء من الوجه؛ لأنه ترك جنساً من الواجبات، أما إذا ترك ليلة من الليالي فنقول: عليه دم، مع أن الوجوب فيه نظر، ثم الوجوب إنما يكون إذا ترك هذا الجنس من الواجب، أما إذا ترك جزءاً منه فإيجاب الدم عليه فيه نظر واضح، ولهذا كان الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أحياناً يقول: عليه قبضة من طعام، أي: ملئ اليد. وبعض العلماء يقول: درهم وما أشبه ذلك.
وقوله: «لغير أهل السقاية والرعاية» .
يفهم منه أن أهل السقاية والرعاية يجوز لهم ترك المبيت بالمزدلفة، ولا أعلم لهذا دليلاً من السنة أن الناس يسقون ليلة المزدلفة، ولا أن الرعاة يذهبون بالإبل ليلة المزدلفة لما يلي:
أولاً: الرعاة لا حاجة لهم إلى الرعي في ليلة المزدلفة، بل الرواحل عند الناس؛ لأنهم سيرتحلون، فكيف تذهب ترعى في الليل وهم جاؤوا بها من عرفة وأناخوها في مزدلفة وستبقى تنتظر ارتحالهم في صباح تلك الليلة، هل في هذا حاجة للرعاة؟ لا والسقاة أيضاً، فإن الناس لن يذهبوا إلى مكة يشربون ماء زمزم قبل أن يستوطنوا في منى، فاستثناء السقاة والرعاة من وجوب المبيت بالمزدلفة فيه نظر ظاهر.
__________
(1) سبق تخريجه ص(357).
ثانياً: لعدم ورود السنة به.
ولكن قد يقول قائل: ما رأيكم في جنود المرور، وجنود الإطفاء، والأطباء، والممرضين، هل ترخصون لهم؟
الجواب نقول: لا نرخص لهم؛ لأن المبيت في المزدلفة أوكد من المبيت في منى بكثير، فإن منى لم يقل أحد من العلماء إن المبيت بها ركن من أركان الحج، والمزدلفة قال به بعض العلماء، وهو قول قوي كما سبق، إلا أن الأقوى منه أنه واجب وليس بركن، وعلى هذا فلا بد من المبيت في المزدلفة، ثم يفرق أيضاً بينه وبين ليالي منى أنه ليلة واحدة، أو بعض ليلة للإنسان الذي يريد أن يدفع مبكراً في آخر الليل، أي: لا يقضي ليله كله، فلا يصح قياسه على ليالي منى.
مسألة: يشكل على بعض الإخوة أنه يقول: لا بد أن أبيت وأضطجع، وهذا ليس بلازم، وأن المراد بالمبيت المكث في المزدلفة ليلة العيد، سواء أنام أم لم ينم، لكن المبيت بمعنى النوم أفضل من إحيائها بقراءة أو بحث في علم أو تهجد اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد تعرضنا في أثناء الحديث على صفة الحج إلى بحث مسألة الوتر في تلك الليلة، وقلنا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يدع الوتر حضراً أو سفراً، وهذا عام يشمل حتى ليلة العيد في المزدلفة، وأوردنا على أنفسنا حديث جابر: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر» (1) ، وقلنا: إن هذا مبلغ علم جابر، وإلا فإن
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «بعث أهله من المزدلفة بليل» (1) ، هذا يقتضي أن يكون في آخر الليل مستيقظاً، فعلى هذا نقول إن الوتر في تلك الليلة كغيرها من الليالي، لكن التهجد وإحياء الليلة غير مشروع.
مسألة: في هذه العصور الأخيرة نشأ إشكال بالنسبة للمبيت بمنى؛ وهو أن الناس لا يجدون مكاناً، فماذا يصنعون؟
الجواب: نقول: ينزلون عند آخر خيمة من خيام أهل منى، استدلالاً بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون هذا من جنس الحصر، والحصر عن الواجب فيه دم كما قاله الفقهاء؟
قلنا: لأن المكان هنا ممتلئ فلا مكان أصلاً، أما الحصر فالمكان باقٍ لكن يُمْنَعُ منه، أما هنا فلا مكان فهو مثل قطع اليد يسقط غسلها في الوضوء، فيسقط المبيت في هذه الحال، وأن الإنسان يجب أن يكون عند آخر خيمة، أما فعل بعض الناس إذا لم يجد مكاناً في منى ذهب إلى مكة إو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك، وقال: ما دام لم نجد مكاناً في منى فلنبت حيث شئنا، فإن هذا ليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن المسجد إذا امتلأ وجب اتصال الصفوف ولا تصح الصلاة من بعيد، وهذا كذلك نقول: يجب عليك أن تكون عند آخر خيمة في منى، وإذا سألنا سائل هل يجب أن أكون عند آخر خيمة في الجهة البعدى من مكة أو في أي جهة؟
__________
(1) سبق تخريجه ص(306) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
فالجواب: في أي جهة، وعلى هذا فيصح أن تكون في الجهة التي تلي مكة من وراء جمرة العقبة، ولا حرج ما دامت الخيام متصلة.
وقوله: «إلى بعد نصف الليل» ، هذا منتهى وجوب المبيت على المشهور من المذهب، فإذا انتصف الليل في المزدلفة انتهى الوجوب فلك أن تدفع، ولا فرق بين العاجز والقادر، ونصف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس أيهما أحوط؟ الأحوط إلى طلوع الشمس؛ لأنه أطول فيزيد ساعة ونصفاً تقريباً فنقول: انتظر زيادة ساعة إلا ربعاً على انتصاف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وبعد ذلك لك الدفع.
ولكن القول الصحيح أن الدفع إنما يكون في آخر الليل كما سبق، وكانت أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ تنتظر غروب القمر فإذا غاب دفعت، ثم ذهبت إلى منى ورمت، ثم عادت إلى مكانها في منى وصلت الفجر (1) .
ولعدم ورود نص في ليالي منى خاصة فإن المعتبر البقاء فيها معظم الليل، من أوله أو وسطه أو آخره، فإذا قدرنا أن الليل اثنتا عشرة ساعة فمعظمه سبع ساعات، من أوله أو وسطه أو آخره.
قوله: «والرمي» ، هذا هو الواجب الخامس، أي رمي الجمار في يوم العيد جمرة واحدة، وفي الأيام الثلاثة التي بعد
__________
(1) سبق تخريجه ص(307).
العيد ثلاث جمرات، ولا بد أن تكون مرتبة، وسبق ذلك في صفة الحج، لكن الرمي من الواجبات. والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الرمي: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (1) ، وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» (2) ، وقال: «بأمثال هؤلاء فارموا» (3) ، وكونه يحافظ عليه ويأمر أن نرمي بمثل هذه الحصيات يدل على أنه واجب، ولأنه عمل يترتب عليه الحل فكان واجباً، ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام.
ولا بد أن يكون الرمي مرتباً، وأن يكون بحجر، وأن يكون بسبع حصيات، وسبق الكلام على هذا مفصلاً في صفة الحج فلا حاجة لإعادته.
قوله: «والحلاق» ، هذا هو الواجب السادس، الحلاق أي: الحلق وينوب عنه التقصير، ولهذا قال المؤلف في الشرح: «أو التقصير» ، ودليل الحلق فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم (4) ، وأن الله تعالى جعله وصفاً في الحج والعمرة فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ} [الفتح: 27] ، قال العلماء: وإذا عبر بجزء من العبادة عن العبادة كان دليلاً على وجوبه فيها.
قوله: «والوداع» ، وهذا هو الواجب السابع، أي: طواف الوداع، وهو الطواف بالبيت فقط بدون سعي ولا إحرام، وهو من واجبات الحج، هكذا عده المؤلف، وكثير من العلماء؛ لأن
__________
(1) سبق تخريجه ص(322).
(2) سبق تخريجه ص(240).
(3) سبق تخريجه ص(318).
(4) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
حكمه حكم الواجبات في وجوب فعله، ومن لم يفعله فعليه دم.
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لوجب على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على من سافر، وعلى هذا فلا يتوجه عده في واجبات الحج، إذ إن واجبات الحج لا بد أن تكون واجبة على كل من حج، لكنه واجب على من أراد الخروج من مكة، ودليل هذا حديث عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما’>;ـ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض» (1) ، وهذا الأمر للوجوب، ودليل كونه للوجوب قوله: «إلا أنه خفف عن الحائض» ، لأنه لو كان للاستحباب لكان مخففاً على كل أحد؛ لأن المستحب يجوز تركه، ولقوله ـ أيضاً ـ في اللفظ الآخر: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (2) .
والبَاقِي سُنَن، وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ: إِحْرَامٌ، وَطَوَافٌ، وَسَعْيٌ، وَوَاجِبَاتُها: الحِلاَقُ وَالإِحْرَامُ مِن مِيقَاتها.
قوله: «والباقي سنن» ، أي: الباقي من أقوال الحج وأفعاله سنن، وسيأتي حكم كل من الركن والواجب والسنة.
قوله: «وأركان العمرة: إحرام، وطواف، وسعي» ، الإحرام نية الدخول في العمرة، والطواف، والسعي معروفان.
قوله: «وواجباتها الحلاق، والإحرام من ميقاتها» ، فصارت أركان العمرة ثلاثة، وواجباتها اثنين، أما الطواف والسعي فلأن
__________
(1) سبق تخريجه ص(361).
(2) أخرجه مسلم في الحج/ باب وجوب طواف الوداع (1327) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تطوف وتسعى وقال: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» (1) .
وأما الإحرام من الميقات فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقّت المواقيت وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة» (2) ، وأما الحلق فلما تقدم.
ولم يذكر طواف الوداع، فظاهر كلامه أنه لا يجب لها طواف وداع؛ لأن عدم الذكر في سياق البيان يدل على أنه لا عبرة به، وعلى هذا فيكون طواف الوداع في العمرة ليس بواجب على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ، وهذه المسألة فيها قولان:
الأول: أنه واجب.
الثاني: أنه سنة.
والراجح عندي أنه واجب على المعتمر أن يطوف للوداع كما هو واجب على الحاج لما يلي:
أولاً : عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (3) .
فإن قال قائل: هذا القول قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع في الحج ولم يقله في العمرة؟
قلنا: نعم نسلم ذلك، ولكن لأنه لم يوجبه الله إلا في ذلك
__________
(1) سبق تخريجه ص(84).
(2) سبق تخريجه ص(397).
(3) سبق تخريجه ص(48).
الوقت وما قبل ذلك لم يجب أصلاً، والشرع كما نعلم يتجدد، فقد يجب في هذا الوقت ما لم يكن واجباً من قبل.
ثانياً : قوله صلّى الله عليه وسلّم ليعلى بن أمية ـ رضي الله عنه ـ: «اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك» (1) .
وهذا العموم يفيد أن كل ما يفعل في الحج يفعل في العمرة إلا ما قام النص أو الإجماع على أنه مستثنى، كالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، أو بمنى، ورمي الجمار، فهذا مستثنى بالإجماع، وإلا فالأصل مشاركة العمرة الحج في أفعاله.
ثالثاً : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سماها في حديث عمرو بن حزم الذي تلقته الأمة بالقبول الحج الأصغر فقال: «العمرة الحج الأصغر» (2) فسماها حجاً، وإذا سميت باسمه كان الأصل موافقتها له في الأحكام إلا ما استثني.
رابعاً : أنه لا فرق بين الحج والعمرة من حيث المعنى، بل لو قيل: إيجاب طواف الوداع في العمرة أولى من إيجابه في الحج؛ لأن أفعالها أقل وأخف.
خامساً : أن هذا الرجل دخل إلى البيت بطواف فليخرج منه بطواف. فإن قيل: ما الجواب على من قال: إنه لم يثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أنه طاف للوداع في عُمَره؟
فالجواب: أما عمرة الجعرانة فهو قد طاف وسعى وخرج
__________
(1) أخرجه البخاري في العمرة/ باب يفعل في العمرة ما يفعل بالحج (1789)؛ ومسلم في الحج/ باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (1180).
(2) سبق تخريجه ص(76).
في ليلته ولهذا كثير من الصحابة لم يعلم بها، وهذا لا إشكال فيه، وأما عمرة القضاء فيقال: إن أصل إيجاب طواف الوداع كان متأخراً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكره إلا في حجة الوداع، نعم لو فرض أنه قاله قبل عمرة القضاء ثم اعتمر ولم يطف للوداع قلنا: العمرة لا طواف لها، لكن أصل الإيجاب لم يجب إلا متأخراً.
ولكن لو أن أحداً قدم مكة وطاف وسعى وقصر وانصرف وخرج، فإن هذا يجزئه عن طواف الوداع، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه (1) بأن المعتمر إذا طاف وسعى فإنه يكفيه عن طواف الوداع، واستدل بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما اعتمرت من التنعيم، فلا يقال: إن هذا لم يجعل آخر عهده بالبيت، نقول في الجواب: لأن السعي تابع للطواف؛ ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسعى فإنه يجزئه ولم يعتبروا السعي فاصلاً؛ لأنه يثبت في التابع ما لا يثبت في المستقل، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف للوداع في حجة الوداع، وبعد أن طاف صلى الفجر ثم انصرف (2) ، ولأن الفصل يسير، وإن كانت فإن هذه الصلاة فيما يظهر ليست تابعة للطواف بمعنى أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم ينو كونها نائبة عن صلاة ركعتين بعد الطواف، وعلى كل حال إذا طاف الإنسان فإنه مثاب على القولين جميعاً، لكن إذا تركه فهل يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عدمه؟ إن قلنا بالوجوب فهو آثم وإلا فليس بآثم.
__________
(1) في كتاب الحج/ باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع.
(2) سبق تخريجه ص(364).
فَمَنْ تَرَكَ الإِحْرَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ نُسُكُهُ وَمَنْ تَرَكَ رُكْناً غَيْرَهُ، أَوْ نِيَّتَه لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ وَمَنْ تَرَكَ وَاجِباً فَعَلَيْهِ دَمٌ، أَوْ سُنَّةً فَلاَ شَيْء عَلَيْهِ.
قوله: «فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه» ، «فمن ترك الإحرام » يعني النية، أي: الدخول في النسك، فإنه لا ينعقد نسكه حتى لو طاف وسعى، فإن هذا العمل ملغى، كما لو ترك تكبيرة الإحرام في الصلاة، وأتم الصلاة بالقراءة والركوع والسجود والقيام والقعود، فصلاته ملغاة لم تنعقد أصلاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) ، وهذا الرجل لم ينو الدخول في النسك فلا يكون داخلاً فيه، ولكن تصوير هذه المسألة قد يكون صعباً، كيف نقول لرجل اغتسل في الميقات، ولبس ثياب الإحرام، ولبى: إنه لم ينو، هذا من أبعد ما يكون، لكن إذا قدر أن شخصاً فعل جميع ما يتعلق بالنسك إلا أنه لم ينو فإنه لا ينعقد نسكه، وكل أفعاله ذهبت هدراً، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان إذا فعل أفعال العبادة لا بد أن يكون قد نواها، وذكر عن ابن عقيل من أتباع الإمام أحمد «أن رجلاً جاءه وقال له: يا سيدي تصيبني الجنابة فأذهب إلى دجلة فأغتسل أنغمس فيها، ثم أخرج وأرى أنه لم يرتفع حدثي، فقال له ابن عقيل: لا تصل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق» (2) ، وأنت مجنون تذهب وتخلع ثيابك وتنغمس في الماء، ثم تقول: لم أنو، هذا ليس بمعقول»، فالظاهر أن الرجل انتقد
__________
(1) سبق تخريجه ص(70).
(2) أخرجه أبو داود في الحدود/ باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً (4398) والنسائي في الطلاق/ باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (6/156) وابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق المعتوه والصغير والنائم (2041) وصححه ابن حبان (142) والحاكم (2/59) ووافقه الذهبي عن عائشة رضي الله عنها.
نفسه وعرف أنه أخطأ خطأً كبيراً، ولهذا قال الموفق ـ رحمه الله ـ في كتابه «ذم الموسوسين»: إن بعض العلماء قال: «لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق»، وهذا صحيح، فلو قيل لك: توضأ لكن لا تنو الوضوء، وصل، ولكن لا تنو الصلاة، فهذا لا يمكن، صحيح أن الإنسان قد يغيب عنه التعيين فهو ينوي الفعل لكن يغيب عنه التعيين، فيأتي إلى المسجد لصلاة الظهر، ثم يكبر ويصلي، لكن يغيب عن ذهنه أنه نوى الظهر مثلاً، لكن في نيته أنه نوى فرض الوقت، فهل يجزئ أو لا؟
الجواب: قال بعض العلماء: إنه لا تجزئ الصلاة؛ لأنه لا بد من التعيين، وقال بعض أصحاب الإمام أحمد وهو ابن شاقلا ـ رحمه الله ـ: إنه يكفيه أن ينوي فرض الوقت، وهذا ـ والحمد لله ـ فيه سعة للناس؛ لأنه كثيراً ما يأتي الإنسان ويحرم بالصلاة لا سيما إذا كان الإمام راكعاً، فإنه يأتي بسرعة وقد لا ينوي التعيين، ولكن لو سألته ماذا نويت قال: نويت أداء الفرض.
قوله: «ومن ترك ركناً غيره» ، أي: غير الإحرام لم يتم نسكه إلا به، فلو ترك الطواف، نسياناً فلم يطف طواف الإفاضة نقول: لم يتم حجه فلا بد أن يطوف، فإن كان الركن مما يفوت، فالحج ملغى، كما لو ترك الوقوف بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد، فإن الحج انتهى ولا يمكنه الوقوف، فلو قال: أقف يوم العيد، أقضي، وأنا أسعد بالدليل منكم؛ لأنني ناسٍ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (1) ،
__________
(1) سبق تخريجه ص(202).
وأيهما أوكد الصلاة أو الحج؟ نقول له: الصلاة، قال: إذاً أنا نسيت أن اليوم هو التاسع فأقف اليوم العاشر، قلنا: لا يجوز، قال: هذا قياس صحيح أنتم الآن أقررتم بأن الصلاة أوكد، فإذا كان يصح قضاء الصلاة فليصح قضاء الوقوف بعرفة.
فيقال: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أتى ليلة جمع قبل الصبح فقد أدرك» (1) ، مفهومه أن من أتى بعد الصبح فإنه لم يدرك، وهذا نص ولا يقاس مع وجود النص.
إذاً من ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، لكن إن كان الركن يفوت ـ ولا يصح التمثيل إلا بالوقوف فقط ـ فإنه في هذه الحال يفوته الحج.
قوله: «أو نيته لم يتم نسكه إلا به» ، لو أن المؤلف قال: أو شرطه لكان أعم، مثل لو أنه طاف بالبيت من غير طهارة بناء على القول باشتراط الطهارة للطواف لم يصح طوافه.
وقوله: «لم يتم نسكه إلا به» ، أي: لا بد أن يأتي به، وظاهر كلام المؤلف حتى ولو كان ذلك للضرورة، فإن عجز عن ذلك فسوف يأتي في باب الفوات والإحصار حكمه.
وقوله: «أو نيته» .
الركن الذي يشترط له النية هو الطواف والسعي، أما الوقوف عند الفقهاء فإنه لا يشترط له النية.
والصحيح أن الطواف والسعي لا تشترط لهما النية؛ لأن الطواف والسعي جزء من عبادة مكونة من أجزاء فتكفي النية في
__________
(1) سبق تخريجه ص(19).
أولها كالصلاة، بدليل أن المصلي لا يشترط أن ينوي الركوع ولا السجود، ولا القيام ولا القعود، فليس الطواف شيئاً مستقلاً، ويقال: أيضاً إذا كنتم لا تشترطون النية في الوقوف، وهو أعظم أركان الحج حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» (1) ، فما مثله أو دونه من باب أولى، وهذا القول هو الذي رجحه الشنقيطي في تفسيره، وهو الصواب وفيه مصلحة للناس؛ لأن كثيراً من الناس عند الطواف لو سألته ماذا نويت في الطواف؟ قال: نويت الطواف، وليس على باله أنه للحج أو للعمرة، لكنه متلبس بالحج، وعلى رأي من يشترط النية طوافه غير صحيح، على القول الثاني طوافه صحيح، إذاً نحذف كلمة «أو نيته» لأنه ليس هناك ركن تشترط فيه النية، والإحرام هو نية النسك، وسبق أنه لا ينعقد النسك بفواته، والوقوف لا يشترط له نية.
وعليه فلا تشترط نية التعيين أي: أنه طواف للحج، أما نية الطواف فلا بد منها؛ لأنه لا بد أن ينوي الطواف لكن كونه للحج ليس شرطاً، فلو طاف من غير نية أنه للحج أو للعمرة فطوافه صحيح، أما لو أنه حُمِلَ كرهاً وطيف به، وهو لا ينوي فلا يصح طوافه؛ لأنه ما نوى.
والدليل على أن تارك الركن لا يصح حجه، أن الركن هو الماهية التي تنبني عليها العبادة، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم في الوقوف: «من أتى ليلة جمع قبل الصبح فقد أدرك» (2) ، يدل على أنه إذا فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.
__________
(1) سبق تخريجه ص(19).
(2) سبق تخريجه ص(19).
قوله: «ومن ترك واجباً فعليه دم» ، الواجبات ذكرنا أنها سبعة، وإذا أطلق الدم في لسان الفقهاء فهو: سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو واحدة من الضأن أو المعز، ولا بد فيها من شروط الأضحية، وهي أن تكون قد بلغت السن المعتبر وهو في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنة ستة أشهر، ولا بد أيضاً أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء كالعور البين ونحوه.
وهذا الدم دم جبران لا دم شكران، وعليه فيجب في الحرم أن يتصدق به جميعه على فقراء الحرم، ويوزع في الحرم، فإن ذبحه خارج الحرم لم يجزئ، ولو ذبح هدي المتعة والقران في عرفة لم يجزئ؛ لأنه في غير المكان المعتبر شرعاً، فإذا ذبحه في عرفة فكأنما ذبحه في الصين، ولو ذبح في الصين مثلاً وجاء به إلى عرفة لم يجزئ، فالحل واحد من عرفة إلى أبعد الدنيا.
وقال بعض الشافعية: إذا ذبحه في الحل وفرقه في الحرم فلا بأس؛ لأن أهله هم أهل الحرم، وقد أداه إليهم، ولكن قد يقال: إن هذا غير صحيح؛ لأنه يفرق بين ذبحه في الحرم وذبحه في الحل، حيث إنه عبادة والعبادة في الحرم أفضل منها في الحل، فإذا ذبح في الحل فاتته الأفضلية، وحينئذٍ لا يصح، وإن كان المقصود التصدق على فقراء الحرم أن يصل إليهم لكن ـ أيضاً ـ الذبح نفسه عبادة، فكونه ينقل من محل فاضل إلى محل مفضول يقتضي عدم الإجزاء، كما لو نذر أن يصلي ركعتين بالمسجد الحرام فإنه لا يصح أن يصلي الركعتين في المسجد
النبوي؛ لأن المسجد الحرام أفضل، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ما عذر الصحابي الذي ذبح أضحيته في غير الوقت، فالقول بعدم الإجزاء هو الراجح نظراً، لكن إذا سألنا أناس وليس في المسألة دليل واضح ينهى عن الذبح في الحل، فينبغي أن يقال: لا تعيدوا ولا تعودوا، لا تعيدوا أي: لا تذبحوا مرة ثانية، ولا تعودوا أي: لا تعودوا لمثله، خصوصاً إذا كانوا أناساً يغلب عليهم الجهل وسلامة القلب، وأنهم ما تعمدوا المخالفة، والمقصود حصل بإعطاء اللحم إلى أهله، فإن قيل: أفلا نقول: إن من ذبحها في المكان الذي لا يذبح فيه ـ وإن كان معذوراً بجهل ـ نلزمه بالإعادة؟
هذا لا شك إيراد قوي؛ لأن المخالفة في المكان كالمخالفة في الزمان، ولكن الذي يمنع من إلحاق هذه بهذه أنه ليس هناك نص أن الذبح لا بد أن يكون في الحرم، أما قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل منى منحر» (1) ، «وكل فجاج مكة طريق ومنحر» (2) ، فلا يدل على أن غيرها ليس بمنحر إلا بالمفهوم، ومثل هذه الأمور التي ليس فيها نص، والأمر قد انقضى وانتهى، لا حرج على الإنسان أن يراعي أحوال المستفتي، فلا يشق عليه في أمر لم يجد فيه نصاً، لكن يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على هذه المسألة لأنها مهمة.
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (1218) (149) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه أبو داود في المناسك/ باب الصلاة بجمع (1937) وابن ماجه في المناسك/ باب الذبح (3048) والحاكم (1/460) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وقوله: «فعليه دم» ما الدليل على أن تارك الواجب عليه دم؟
هذا ـ أيضاً ـ يحتاج إلى دليل واضح يستطيع أن يواجه الإنسان ربه به، إذا أوجب على عباد الله ما لم يوجبه الله عليهم؛ لأن إيجاب ما لم يجب كإسقاط ما وجب أو أشد؛ لأن إسقاط ما يجب تخفيف، وإيجاب ما لم يجب تشديد، والموافق للإسلام التخفيف، فإيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم، وفيه قول على الله بلا علم، وإشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد، وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجباً، لكن هل فيه تكليف على العباد؟
الجواب: لا، وكذلك نقول في التحريم والتحليل، فتحريم ما كان مباحاً أشد من إباحة ما عسى أن يكون حراماً.
والدليل على هذا قول صحابي جليل وهو ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حيث قال: «من ترك شيئاً من نسكه، أو نسيه فليهرق دماً» (1) ، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولاً أو فعل فعلاً لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حمل على أنه مرفوع حكماً، ولا يرد على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف بالتساهل في النقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل يشدد في النقل عنهم، كما سبق، كما أن هذا حكم وليس خبراً، فعليه نقول ما يلي:
__________
(1) سبق تخريجه ص(187).
أولاً: هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي.
ثانياً: على فرض أن مثله يقال بالرأي وأن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ اجتهد فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع، وأنه قاله بالاجتهاد.
وكيف يكون بالاجتهاد؟
الجواب: لأنه ـ رضي الله عنه ـ رأى أنَّ تركَ ما يجب كفعل ما يحرم، كلاهما انتهاك للنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكاً، قال الله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ اختار أكمل الثلاثة فقال: «من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً» ، فيكون هذا الرأي مبنياً على اجتهاد، وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل المحظور، فوجب الدم.
ونحن نقول: إن ثبت هذا من جهة النظر، أي إن سُلِّمَ الدليل من جهة النظر، وأن في ترك الواجب دماً فذاك، وإن لم يسلم، وقيل: الأصل براءة الذمة، وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فيقال: في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة، وهي حفظ الناس عن التلاعب، فلو قيل: ليس
في ترك الواجب دم، وأن في تركه الاستغفار والتوبة، فأكثر الناس لا يهتمون، يقول: أملأ لك أجواء مكة كلها إلى المدينة استغفاراً وتوبة ولا مانع عندي، لكن لا تجعلني أخسر، ولو خمسين ريالاً، فكثير من الناس يهمه المال أكثر من انتهاك النسك.
فلو قيل: إن هذا واجب، ومن تركه فهو آثم، وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك، كما لو قلنا إن فيه الدم تذبحه في مكة، وتوزعه على الفقراء؟
الجواب: لا، لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواء؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك، وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة واعتراض، فنقول: إن هذا من باب تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي صلّى الله عليه وسلّم «أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل» (1) ، فإننا نرجو أن نكون قد أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
ولهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجباً أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة لهذا النظر الذي ذكرناه، لكن إذا لم يجد دماً، فالمذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها في بلده.
__________
(1) أخرجه أحمد (1/266)؛ والطبراني في الكبير (10614)؛ والحاكم (3/534) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
لكن هذا القول لا دليل عليه لا من أقوال الصحابة ولا من القياس.
وليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ فدم المتعة شكران، وأما الدم لترك الواجب فدم جبران، لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجباً: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك، أو وَكِّلْ من تثق به من الوكلاء، فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وهذا هو الذي نراه في هذه المسألة.
بَابُ الفَوَاتِ والإِحْصَار
مَنْ فَاتَهُ الوُقُوف فَاتَه الحَجُّ، وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَيَقْضِي وَيُهْدِي إِنْ لَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ
قوله: «باب الفوات والإحصار» ، هذا الباب يتضمن مسألتين:
الأولى: الفوات.
الثانية: الإحصار.
أما الفوات فهو مصدر فات يفوت فَوْتاً وفواتاً، ومعناه أن يُسْبَق فلا يُدْرك، يقال: فاتني الشيء، أي: سبقني فلم أدركه، فالفوات سبق لا يدرك.
أما الإحصار: فهو من حَصَرَه إذا منعه، فالإحصار بمعنى المنع.
أي: أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك.
وسيأتي في الباب أن من الأركان ما له وقت محدد، ومنها ما ليس له وقت محدد، فالوقوف الذي هو الحج كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» (1) له وقت محدد، حده طلوع الفجر يوم النحر، فيقول المؤلف في حكم ذلك:
«من فاته الوقوف فاته الحج» ، وفوات الحج يكون بطلوع فجر يوم النحر لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من وقف ليلة جمع قبل الفجر فقد أدرك» (2) ، وإذا فاته الحج ينظر إن كان الإنسان قد اشترط
__________
(1) - (2) سبق تخريجه ص(19).
عند إحرامه أن محله حيث حبس فإنه يحل ولا شيء عليه، أي: يخلع ثياب الإحرام، ويلبس ثيابه ويرجع إلى أهله؛ لأنه قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا حابس، وقد سبق هل الأولى أن يشترط، أو الأولى ألا يشترط إما مطلقاً أو بتفصيل؟ ورجحنا أن الصواب أنه لا يشترط إلا إذا كان يخاف من عدم إتمام النسك.
قوله: «وتحلل بعمرة» ، أي: إذا فاته الوقوف وطلع الفجر قبل أن يصل إلى عرفة تحلل بعمرة، أي: بقلب نية الحج إلى العمرة.
فطاف وسعى وحلق أو قصر، وإن شاء أن يبقى على إحرامه إلى الحج القادم فله ذلك، ولكن سيختار الأول بلا شك، لكن الفقهاء يقولون: إن اختار أن يبقى على إحرامه إلى أن يأتي الحج الثاني فلا بأس، ولكن يقال: الأولى أن يتحلل؛ لأن ذلك أيسر وأسهل، وكيف يمكن للإنسان أن يدع محظورات الإحرام لمدة سنة كاملة؟! فهذا بعيد، وفيه مشقة شديدة.
مسألة : ومن خاف أن يفوته الحج فقلب إحرامه بالحج عمرة قبل أن يفوته فهو جائز، ولا يعد هذا فواتاً على كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قالوا: لأنه يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة، ولكن هذا القول فيه نظر؛ لأنه لا يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة إلا إذا أراد التمتع، وإرادة التمتع هنا ممتنعة.
قوله: «ويقضي ويُهْدِي إن لم يكن اشترط» ، أي: يقضي هذا الحج الفائت.
وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي سواء كان الحج واجباً أم تطوعاً؛ لأنه إن كان واجباً فوجوب القضاء ظاهر، وسواء كان واجباً بأصل الشرع ـ بأن يكون هذا فريضة الإسلام ـ أو واجباً بالنذر، ولكن إذا كان تطوعاً فهل يجب القضاء؟
نقول: نعم، يجب القضاء؛ وذلك لأن الإنسان إذا شرع في النسك صار واجباً، وهذا من خصائص الحج والعمرة أنَّ نفلهما يجب المضي فيه، بخلاف غيرهما فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجباً كأنما نذره نذراً، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *} [الحج] ، وعلى هذا فيجب القضاء سواء كان ذلك تطوعاً أو واجباً بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (1) ، وعليه هدي في عام القضاء.
وقوله: «إن لم يكن اشترط» أي: إن كان اشترط فلا قضاء عليه، ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجباً بأصل الشرع، أو واجباً بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو اشترط، وعلى هذا فيكون قوله: «إن لم يكن اشترط» فيما إذا كان الحج نفلاً، فالمذهب وجوب القضاء.
والقول الثاني: لا قضاء عليه لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يلزم الناس بقضاء العمرة؛ ولأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه الحج أو العمرة أكثر من مرة وبناء على هذا التعليل ينبغي أن يقال:
__________
(1) سبق تخريجه ص(12).
إن فاته بتفريط منه فعليه القضاء، وإن فاته بغير تفريط منه كما لو أخطأ في دخول الشهر فظن أن اليوم الثامن هو التاسع، ولم يعلم بثبوته فلا قضاء عليه، وهذا القول الذي فصلنا فيه قول وسط بين من يقول يلزمه القضاء ومن يقول لا يلزمه القضاء.
فالأقوال إذاً ثلاثة:
الأول: المذهب يلزمه القضاء.
الثاني: لا يلزمه القضاء، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع.
الثالث: التفصيل، فإن فاته بتفريط منه لزمه القضاء، وإن كان بغير تفريط منه لم يلزمه القضاء.
وهذا هو القياس التام على الإحصار؛ لأن المحصر منع من إتمام النسك بدون اختياره.
مسألة: لم يتعرض المؤلف ـ رحمه الله ـ إلى مسألة ما إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتاً شرعياً أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة، فهل حجهم صحيح أو باطل؟ وهذا في الوقت الحاضر قد يكون متعذراً، ولكن فيما سبق ربما يقف الناس، ثم يثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر، وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟
الجواب: لا؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس؛ ولأنهم فعلوا ما أمروا به، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (1) ، فهؤلاء غم عليهم في هذه الحجة
__________
(1) أخرجه مسلم في الصيام/ باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال (1081) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يوماً، ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين.
وإن وقف يسير منهم فأخطأوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إذا وقف اليسير منهم فإنهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما عليه الجماعة، فلو تعنَّت أناس فقالوا: لا يمكن أن يكون الهلال هَلَّ البارحة، فمنازل الهلال ضعيفة، ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، والعاشر عند الناس التاسع على زعمهم، فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح.
ثم انتقل المؤلف إلى الإحصار فقال: «ومن صده عدو عن البيت أهدى ثم حل» ، أي: منع عن وصوله إلى البيت، سواء في عمرة أو في حج فإنه يهدي، أي يذبح الهدي ثم يحل لقول الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، أي فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا، وأهدى ثم حل» (1) .
وَمَنْ صَدَّهُ عَدُوٌّ عَن البَيْتِ أهْدَى ثُمَّ حَلَّ، فَإِنْ فَقَدَه صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ ثُمَّ حَلَّ وَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ..
وقوله: «ومن صده عدو»، «من» يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وعلى كل تقدير فهي للعموم، فتعم ما إذا كان الصد عاماً أو كان خاصاً، فالعام أن يصد كل الحجيج لا قدر الله
__________
(1) سبق تخريجه ص(13) من حديث مروان المسور بن مخرمة ـ رحمهما الله ـ.
ذلك، والخاص أن يصد واحد من الناس أو جماعة من الناس، فماذا يصنعون؟
قال المؤلف: «أهدى ثم حل» .
قوله: «فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل» ، أي: إذا فقد الهدي، صام عشرة أيام ثم حل، والدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظر من وجهين هما:
الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديبية وهم ألف وأربعمائة نفر (1) أن فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة.
الثاني: أن الهدي الواجب في التمتع هدي شكران للجمع بين النسكين، أما هذا فهو عكس التمتع؛ لأن هذا حُرِم من نسك واحد فكيف يقاس هذا على هذا؟ فلذلك لا يصح القياس، ونقول: من لم يجد هدياً إذا أحصر فإنه يحل ولا شيء عليه.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ هنا أنه لا يجب الحلق ولا التقصير؛ لأنه لم يذكره بل قال: «أهدى ثم حل» ، ولكن الصحيح أنه يجب الحلق أو التقصير؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك بل إنه غضب لما توانى الصحابة في عدم الحلق (2) .
__________
(1) أخرجه البخاري في المغازي/ باب غزوة الحديبية (4154)؛ ومسلم في الإمارة/ باب استحباب متابعة الإمام الجيش عند إرادة القتال (1856) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ
(2) سبق تخريجه ص(13).
وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، فيه إشارة إلى أنه لا بد من الحلق؛ لقوله: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، لكن السنة صرحت بذلك بأنه لا بد من الحلق أو التقصير.
مسألة: المشهور من المذهب أن الحصر خاص بمنع العدو، وأما غير العدو فإنه لا إحصار فيه كضياع النفقة والمرض ونحو ذلك.
ومن حبس بغير حق، فهل هو كمن حصر بعدو؟
يقولون: إنه كمن حصر بالعدو؛ وذلك لأن هذا الذي حبسه بغير حق اعتدى عليه فيكون كالذي منعه العدو.
قوله: «وإن صد عن عرفة تحلل بعمرة» ، الكلام في الأول فيمن صد عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد لها من طواف، ولكن من صد عن عرفة فقط بأن يكون في عرفة عدو يمنع الناس من الوصول إليها، فهنا يقول: «تحلل بعمرة» فيتحلل بعمرة، ولا شيء عليه إن كان قبل فوات وقت الوقوف، وإن كان بعده فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي أحصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعل إحرامه عمرة فلا شيء عليه.
وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة، أو يسق الهدي كما مر بنا في التمتع، هكذا قالوا ـ رحمهم الله ـ: بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوات الوقوف، فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم.
وَإِنْ حَصَرَهُ مَرَضٌ أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ، بَقيَ مُحْرِماً إِنْ لَمْ يَكُن اشْتَرَطَ.
قوله: «وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة، بقي محرماً إن لم يكن اشترط» ، أي: إن حصره مرض بأن أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرماً إلى أن تبرأ من المرض ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة، وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة.
مثاله: رجل سرقت نفقته، ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه، وإن كان حجاً وفاته الوقوف فقد فاته الحج.
وكذلك لو ضل الطريق، أي ضاع فلم يهتد إلى عرفة، فإنه يكون كما قال المؤلف: «فإذا فاته الوقوف فاته الحج» ، وتحلل بعمرة، فإن كان قد اشترط تحلل ولا شيء عليه.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حصر بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] أي عن إتمامهما، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.
وأما قوله تعالى: {نُسُكٍ فَإِذَا} [البقرة: 196] ، فهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة مرت بنا أنه إذا ذكر حكم عام، ثم عطف عليه حكم يختص ببعض أفراده، فإنه لا يقتضي التخصيص، ألم تروا إلى قول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ
بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضاً منهن؟
الجواب: يشمل الرجعية مع أن المطلقة طلاقاً رجعياً أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، وهذه القاعدة تنتقض على المذهب أيضاً بمثال آخر، وهو قول جابر ـ رضي الله عنه ـ: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (1) .
فالحديث أوله عام في كل ما لم يقسم، فكل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق هذا حكم لا يتعلق بكل شيء، وإنما يتعلق بالعقار، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات.
وكذا في الحصر خصوه بالعدو؛ لقوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}، قالوا: فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} يراد به حصر العدو.
ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدو أو بغير عدو.
مسألة: إذا حُصِرَ عن واجب، وليس عن ركن كأن يمنع من الوقوف في مزدلفة فلا يتحلل؛ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة
__________
(1) أخرجه البخاري في البيوع/ باب بيع الشريك من شريكه (2213)؛ ومسلم في المساقاة/ باب في الشفعة (1608) (134) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ، وهذا لفظ البخاري.
إلى التحلل، فنقول تبقى على إحرامك، وتجبر الواجب بدم.
وقوله: «بقي محرماً إن لم يكن اشترط» ، فإن اشترط فإنه يحل بدون شيء.
مسألة: حكم قضاء المحصر: الصحيح أن القضاء ليس بواجب إن كان الحج أو العمرة تطوعاً، وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء المقاضاة، وهي المصالحة التي حصلت بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين قريش (1) ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يلزم الناس بالقضاء، لأن الله لم يفرض الحج والعمرة في العمر إلا مرة، فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثاً أو أكثر.
__________
(1) سبق تخريجه ص(13).

محب الدعوة
11-01-2011, 01:26 PM
بَابُ الهَدِي، والأُضْحِيَةِ، وَالعَقِيقَةِ
أَفْضَلُهَا: إِبلٌ، ثُمَّ بَقرٌ، ثُمَّ غَنَمٌ وَلاَ يُجْزِئُ فِيها إِلاَّ جَذَعُ ضَأنٍ، ....
الهدي: كل ما يهدى إلى الحرم من نَعَم أو غيرها، فقد يهدي الإنسان نَعَماً إبلاً أو بقراً أو غنماً، وقد يهدي غيرها كالطعام، وقد يهدي اللباس، فالهدي أعم من الأضحية؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، وأما الهدي فيكون من بهيمة الأنعام ومن غيرها، فهو كل ما يهدى إلى الحرم، إلا ما نص الشرع على أنه المراد به ما كان من بهيمة الأنعام فإنه يتبع ما دل عليه الشرع، مثل قول الله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}، وقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}، فهنا يتعين أن يكون الهدي من بهيمة الأنعام وأن تتم فيه الأوصاف المطلوبة شرعاً.
والأضحية ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله ـ عزّ وجل ـ وسميت بذلك؛ لأنها تذبح ضحى، بعد صلاة العيد.
وهل الهدي والأضحية متغايران؟
الجواب: نعم متغايران؛ لأن الأضحية في البلاد الإسلامية عامة، والهدي خاص فيما يُهدى للحرم.
فالأضحية سنة، أجمع المسلمون على مشروعيتها، وهي في كل ملة لقول الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 34] ، فهي مشروعة في جميع الملل، لكن هل هي واجبة أو سنة يكره تركها، أو سنة لا يكره تركها؟
في هذا أقوال للعلماء:
المذهب: أنها سنة، ويكره للقادر أن يدعها.
القول الثاني: أن الأضحية واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد ـ رحمهما الله ـ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وأن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *} [الكوثر] ، وفي قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الأنعام] ، وأبدى فيها وأعاد بذكر أحكامها وفوائدها ومنافعها في سورة الحج، وشيء هذا شأنه ينبغي أن يكون واجباً وأن يلزم به كل من قدر عليه.
وهي من نعمة الله على الإنسان أن يشرع الله له ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية، ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيباً مما لأهل المناسك، مثل اجتناب الأخذ من الشعر والظفر في أيام العشر؛ من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى بترك الأخذ من هذه الأشياء؛ ولأجل أن يشاركوا أهل الحج بالتقرب إلى الله ـ تعالى ـ بذبح الأضاحي؛ لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها بدعة، ولنهي الإنسان عنها، ولكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة.
فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة، وأما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله أو
المدين، فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن كان عليه دين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية.
مسألة: هل الأضحية مشروعة عن الأموات أو عن الأحياء؟
الجواب: مشروعة عن الأحياء، إذ لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عن الصحابة فيما أعلم أنهم ضحوا عن الأموات استقلالاً، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مات له أولاد من بنين أو بنات في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يضح عن واحد منهم، فلم يضح عن عمه حمزة ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أولاده ـ رضي الله عنهم ـ، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم في سنته قولاً أو فعلاً، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.
وأما إدخال الميت تبعاً فهذا قد يستدل له بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «ضحى عنه وعن أهل بيته» (1) ، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي مِتْنَ واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحى عن أمته، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن الأضحية عليهم استقلالاً لا أعلم لذلك أصلاً في السنة.
ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عنهم استقلالاً بدعة
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/291 ـ 292)؛ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/177)؛ والبزار (1208) «الكشف»؛ والحاكم (2/391)؛ والبيهقي (9/268)؛ وفي لفظ لأحمد (6/8): «والآخر عنه وعن أهل بيته» وحسنه الهيثمي في «المجمع» (4/24).
ينهى عنها، ولكن القول بالبدعة قول صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عن الميت، وإن كانت الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها، أو الانتفاع به لقول الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا} [الحج: 37] ، ولكن أهم شيء فيها هو التقرب إلى الله بالذبح.
شروط الأضحية: الأضحية لا بد فيها من شروط وهي:
الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقول الله تعالى: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28] ، فلو ضحى الإنسان بحيوان آخر أغلى منها لم يجزه، لو ضحى بفرس تساوي عشرة آلاف ريال عن شاة تساوي ثلاثمائة ريال لم يجزه.
ثم أيهما أفضل؟ الإبل أو البقر أو الغنم؟
أما الهدي فالأفضل فيه الإبل، بلا شك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أهدى إبلاً مائة بعير، وأشرك علياً ـ رضي الله عنه ـ في هديه (1) .
أما الأضاحي فقال المؤلف:
«أفضلها إبل، ثم بقر، ثم غنم» ، ومراده إن أخرج بعيراً كاملاً فهو أفضل من الشاة، وأما لو أخرج بعيراً عن سبع شياه، فسبع الشياه أفضل من البعير، وعللوا ذلك بأنها أكثر نفعاً، إلا في العقيقة فالشاة أفضل من البعير الكامل؛ لأنها التي وردت بها السنة فتكون أفضل من الإبل.
__________
(1) سبق تخريجه ص(204).
وقوله: «ثم غنم» ، الغنم يشمل الضأن والمعز.
وثَنِيٌّ سِواه فَالإبِلُ خَمْسٌ والبَقَرُ سَنَتَانِ، والمَعِزُ سَنَةٌ، والضَّأنُ نِصْفُهَا، وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَن وَاحِدٍ، والبَدَنَةُ والبَقَرَة عَنْ سَبْعَةٍ .........
قوله: «ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن وثني سواه» .
هذا الشرط الثاني من شروط الأضحية أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، فإن كانت دونه لم تجزئ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (1) ، وخص الضأن دون المعز لأنه أطيب لحماً، فقوله: «لا تذبحوا إلا مسنة» أي ثنية «إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» ، فإن كان دون ذلك فإنها لا تجزئ، ولهذا لما قال أبو بردة بن نيار ـ رضي الله عنه ـ: يا رسول الله إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك» (2) ، والعناق الصغيرة من المعز التي لها أربعة أشهر، وهذا يدل على أنه لا بد من بلوغ السن المعتبر شرعاً، واشتراط أن تكون من بهيمة الأنعام، وأن تبلغ السن المعتبر شرعاً يدلنا على أنه ليس المقصود من الأضحية مجرد اللحم، وإلا لأجزأت بالصغير والكبير.
قوله: «فالإبل خمس» ، أي: السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ أضحية ولا هدياً عند الإطلاق؛ لأن الإبل لا تثني إلا إذا تم لها خمس سنين.
قوله: «والبقر سنتان، والمعز سنة» ، فلا يجزئ ما دون
__________
(1) سبق تخريجه ص(89).
(2) أخرجه البخاري في الأضاحي/ باب من ذبح قبل الصلاة أعاد (5563)؛ ومسلم في الأضاحي/ باب وقتها (1961) عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ.
ذلك، فلو قال قائل: لو أثنت البعير قبل الخمس والبقرة قبل السنتين، فهل نعتبر الثنية بكونها أثنت أو نعتبر بالسنين؟ نقول هذا شيء نادر، والنادر لا حكم له، وظاهر كلام العلماء ـ رحمهم الله ـ أن العبرة بالسنوات وأن ما تم لها خمس سنين من الإبل فهي ثنية، أو سنتان من البقر فهي ثنية، أو سنة من المعز فهي ثنية، سواء أثنت الثنية أو لا.
قوله: «والضأن نصفها» ، أي: نصف سنة «ستة أشهر هلالية ولا عبرة بالأشهر غير الهلالية؛ لأن الله يقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] »، فلو سألك سائل هل يجزئ من الغنم ما له ثمانية أشهر؟
الجواب: فيه تفصيل، إن كان من الضأن فنعم، وإن كان من المعز فلا؛ لأنه لا بد أن تكون ثنية.
وذكر بعض العلماء أن من علامات إجزاء الضأن أن ينام الشعر على الظهر؛ لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفاً، فإذا بدأ ينام فهذا علامة على أنه صار جذعاً، ولكن هذه ليست علامة مؤكدة، بمعنى أننا نعتبرها هي بل نعتبر التاريخ، فإذا قال: ولد هذا الخروف أول يوم من محرم فإنه يتم ستة أشهر آخر جمادى الثانية.
فإذا قال قائل: هل يكتفى بقول البائع، أو لا بد أن يقول المشتري للبائع ائت بشهود؟
الجواب: فيه تفصيل: إن كان البائع ثقة فإن قوله مقبول؛ لأن هذا خبر ديني، كالخبر بدخول وقت الصلاة، أو بغروب
الشمس في الفطر وما أشبه ذلك، فيقبل فيه خبر الواحد، وإن كان غير ثقة يقول: أقسم بالله أن لها سنة وشهراً يعني المعز، وأتى بالشهر للدلالة على الضبط، وليكون أقرب للتصديق، فإنه لا يصدق لا سيما إذا وجدت قرينة تدل على كذبه كصغر البهيمة.
وإذا كان الإنسان نفسه يعرف السن بالاطلاع على أسنانها، أو ما أشبه ذلك فإنه كافٍ.
الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، وسيأتي بيانها.
الشرط الرابع: أن تكون في وقت الذبح، وسيأتي بيان ذلك.
فالشروط في الأضحية أربعة، وأما الهدي فإنه لا يشترط له وقت معين إلا من ساق الهدي في الحج، فإنه لا يذبحه قبل يوم النحر، وأما من ساق الهدي في العمرة فيذبحه حين وصوله.
قوله: «وتجزئ الشاة عن واحد» ، أي: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ من حيث الثواب عنه وعن أهل بيته أيضاً؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان «يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته» (1) وعنده تسع نسوة.
__________
(1) سبق تخريجه ص(422).
ولحديث أبي أيوب ـ رضي الله عنه ـ قال: «كان الرجل في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون».
أخرجه مالك (2/486)؛ والترمذي في الأضاحي/ باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت (1505)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب من ضحى بشاة عن أهله (3147)، وقال الترمذي: «حسن صحيح».
قوله: «والبدنة والبقرة عن سبعة» ممن يضحون، والدليل حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: «نحرنا في عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (1) .
وقوله: «عن سبعة» أي: سبعة رجال، فإذا كان الإنسان يضحي بالواحدة عنه وأهل بيته، فإنه بالسُّبْع يضحي عنه وعن أهل بيته؛ لأن هذا تشريك في الثواب، والتشريك في الثواب لا حصر له، فها هو النبي صلّى الله عليه وسلّم ضحى عن كل أمته، وها هو الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، ولو كانوا مائة، أما التشريك في الملك فلا يزيد على سبعة، فلو اشترك ثمانية في بعير قلنا: لا يجوز، فلا بد أن يخرج واحد منكم، فإن رضي واحد منهم أن يخرج فهذا هو المطلوب، وإلا فالأخير هو الخارج، فإن لم يعلم الأخير فالقرعة، لكن لو ذبحوها فبانوا ثمانية فماذا يصنعون؟ قيل: يذبحون شاة واحدة لتكمل للثامن، ويحتمل أن يقال: يقترعون فمن خرج بالقرعة خرج وذبح شاة وحده.
فالبدنة والبقرة هل تجزئان عن سبعة رجال، أو تجزئان عن سبع شياه؟
الجواب: الثاني، فإذا قلنا بالثاني قلنا: إذا كانت الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته في الثواب، فكذلك يجزئ سبع البدنة وسبع البقرة عنه وعن أهل بيته.
وقوله: «والبدنة والبقرة عن سبعة» يستثنى من ذلك العقيقة،
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج/ باب جواز الاشتراك في الهدي (1318).
فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط، ومع ذلك فالشاة أفضل؛ لأن العقيقة فداء نفس، والفداء لا بد فيه من التقابل والتكافؤ، فتفدى نفس بنفس، ولو قلنا: إن البدنة عن سبعة لفديت النفس بسبع أنفس، ولهذا قالوا: لا بد من العقيقة بها كاملة وإلا فلا تجزئ، وإذا كان عند الإنسان سبع بنات وكلهن يحتجن إلى عقيقة فذَبَحَ بدنة عن السبع فلا تجزئ.
ولكن هل تجزئ عن واحدة، أو نقول هذه عبادة غير مشروعة على هذا الوجه، فتكون بعير لحم ويذبح عقيقة لكل واحدة؟
الثاني أقرب، أن نقول: إنها لا تجزئ عن الواحدة منهن؛ لأنها على غير ما وردت به الشريعة، فيذبح عن كل واحدة شاة، وهذه البدنة التي ذبحها تكون ملكاً له، له أن يبيع لحمها؛ لأنه تبين أنها لم تصح على أنها عقيقة.
وَلاَ تُجزئُ العَوْرَاءُ، والعَجْفَاءُ، والعَرْجَاءُ، والهَتْمَاءُ، والجَدَّاءُ، والمَرِيضَةُ والعَضْبَاءُ بَلْ البَتْرَاءُ خِلْقَةً، والجَمَّاءُ، وَخَصِيٌّ غَيْرُ مَجْبُوبٍ وَمَا بِأذُنِهِ أوْ قَرنِهِ قَطْعٌ أقَلُّ مِن النِّصْفِ.
قوله: «ولا تجزئ العوراء، والعجفاء، والعرجاء، والهتماء، والجداء، والمريضة، والعضباء» ، معلوم أن رفع الإجزاء عن البهيمة يحتاج إلى دليل؛ لأن البهيمة إذا توفرت فيها أوصاف القبول فإننا لا نرفع حكم هذه الأوصاف وهو القبول إلا بوجود مانع من الشرع صحيح.
وقوله: «لا تجزئ» ، أي: في الأضحية، وإلا لو ذبحها الإنسان وتصدق بلحمها فيجزئ، أما الأضحية فقربة معينة محددة من قبل الشرع.
وقوله: «العوراء والعجفاء والعرجاء والمريضة»، هذه الأربع نص عليها النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فقد سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ قال: أربع وأشار بأصابعه العوراء» (1) ، لكن النبي صلّى الله عليه وسلّم قيدها بأنها بينة العور فقال: «العوراء البين عورها» (2) ، وهي التي تكون عينها ناتئة أو غائرة، وهل هناك عوراء غير بيِّن عورها؟
الجواب: نعم، فلو فرضنا أنها لا تبصر بعينها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة، فهذه عوراء ولم يتبين عورها، فتجزئ، ولكن السلامة من هذا العور أولى، والحكمة من ذلك تشويه المنظر من وجه، وقلة الغذاء من وجه آخر، فتشويه المنظر ظاهر، وقلة الغذاء؛ لأنها لا تنظر إلا من جانب واحد، فيقل استيعابها للغذاء، فربما ترعى جانب الشجرة ولا ترعى الجانب الآخر. ويقاس عليها العمياء من باب أولى؛ لأنه إذا كان فقد العين الواحدة مانعاً ففقد العينين من باب أولى.
وقال بعض العلماء أهل الاستحسان بالعقول: إن العمياء تجزئ وإن كانت العوراء لا تجزئ؛ لأن العوراء إنما منع منها لكون رؤيتها ناقصة، ترعى من جانب واحد، أما العمياء فإن صاحبها سيأتي لها بالعلف فلا يلحقها نقص، فتكون كالبصيرة.
وهذا قياس غريب، فيقال: هل هذه العمياء معيبة أو غير معيبة؟
__________
(1) سبق تخريجه ص(89).
(2) وفي رسالة الأضحية للمؤلف ـ رحمه الله ـ ص(63): «العوراء البين عورها: وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كانت عوراء لا تبصر بعينها، ولكن عورها غير بين أجزأت، والسليمة من ذلك أولى... فأما العشواء التي تبصر في النهار، ولا تبصر بالليل فصرح الشافعية بأنها تجزئ؛ لأن ذلك ليس عوراً بيناً».
الجواب: معيبة بعيب أقبح من العور، وهذا من باب قياس الأولى،فالصواب أن العمياء لا تجزئ.
وقوله: «والعجفاء» وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، فالمخ مع الهزال يزول، ويبقى داخل العظم أحمر، فهذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر، والهزيلة التي فيها مخ أي: لم يصل الهُزال إلى داخل العظم تجزئ؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «والعجفاء التي لا تنقي» ، قال العلماء: معنى «لا تنقي» أي ليس فيها نقيءُ، والنِقْي المخ، يقول أهل الخبرة: إنه إذا جاء الربيع بسرعة وكانت الغنم هِزالاً ورعت من الربيع فإنها تبني شحماً قبل أن يتكون فيها المخ، فهذه التي بنى الشحم عليها دون أن يكون لها مخ تجزئ، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «العجفاء التي لا تنقي» ، وهذه الآن ليست عجفاء، بل هي سمينة، لكن لم يدخل السمن داخل العظم حتى يتكون المخ، فنقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم وصفها بوصفين: عجفاء، وليس فيها مخ، وهذه ليست بعجفاء فتجزئ.
وقوله: «والعرجاء» ، المراد البين عرجها لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والعرجاء البين ضلعها» .
وهي التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، فهذه عرجها بين، أما إذا كانت تعرج لكنها تمشي مع الصحيحة، فهذه ليس عرجها بيناً، لكن كلما كملت كانت أحسن.
والحكمة من ذلك أن البهيمة إذا كانت على هذه الصفة فإنها قد تتخلف عن البهائم في المرعى ولا تأكل ما يكفيها، ويلزم من ذلك أن تكون هزيلة في الغالب.
مسألة: مقطوعة إحدى القوائم لا تجزئ من باب أولى، والزمنى التي لا تستطيع المشي إطلاقاً لا تجزئ، ولكن يقال: فيها ما يقال في العمياء، فالذين قالوا بإجزاء العمياء يقولون بإجزاء الزمنى؛ لأن الزمنى يؤتى لها بعلفها، ولكن هذا قول ضعيف، وخلاف القياس الصحيح؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ينبه بالأدنى على ما هو أعلى منه، فإذا كانت العرجاء لا تجزئ ـ إذا كان عرجها بيناً، فمقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين أو الزمنى التي لا تمشي إطلاقاً من باب أولى، أما كون العرج اليسير تجزئ معه الأضحية؛ فلأن هذا لا يسلم منه شيء غالباً فسمح فيه.
وقوله: «والهتماء» هي التي سقطت ثناياها من أصلها، فإن انكسرت مع بقاء الأصل فإنها تجزئ؛ وذلك لأنها إذا ذهبت ثناياها من أصلها تشوهت خلقتها من وجه، وصارت غير مستطيعة لخرط الورق من الشجر؛ لأنها ليس لها ثنايا، فلا تكاد تأخذ حظها من الرعي، وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: الهتماء هي التي سقط بعض أسنانها ولم يقيد ذلك بالثنايا وما ذهب إليه المؤلف في الهتماء قول مرجوح.
والصواب أنها تجزئ، ولكن كلما كانت أكمل كانت أفضل؛ ووجه إجزائها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل ماذا يتقى من الضحايا، فقال: «أربع وأشار بيده» (1) ، وليست الهتماء من الأربع، ولا بمعنى واحدة منها.
وقوله: «والجداء» ، أي: لا تجزئ أيضاً، والجداء هي التي
__________
(1) سبق تخريجها ص(89).
نشف ضرعها، أي: مع الكبر صار لا يدر، فضرعها ناشف، حتى وإن كان الضرع باقياً بحجمه لم يضمر فإنها لا تجزئ، ولكن هذا القول مرجوح أيضاً؛ لأنه لا دليل على منع التضحية بها، وإذا لم يكن على ذلك دليل فالأصل الإجزاء، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنها تجزئ.
وقوله: «والمريضة» ، أي: لا تجزئ، ولكن هذا الإطلاق مقيد بما إذا كان المرض بيناً، وبيان المرض إما بآثاره، وإما بحاله.
أما آثاره فأن تظهر على البهيمة آثار المرض من الخمول والتعب السريع، وقلة شهوة الأكل، وما أشبه ذلك.
وأما الحال فأن يكون المرض من الأمراض البينة كالطاعون وشبهه، وإن كانت نشيطة، فإنها لا تجزئ، ولهذا قال علماء الحنابلة: إن الجرب مرض، مع أن الجرب لا يؤثر تأثيراً بيناً على البهيمة ولا سيما إذا كان يسيراً، لكنهم قالوا: إنه مرض بين، ثم إنه مفسد للحم فلا تجزئ.
وعدم إجزاء المريضة للنص والمعنى:
فالنص قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «المريضة البين مرضها» .
والمعنى لأن لحم المريضة يخشى على الإنسان من أكله أن يتأثر به.
وأما المبشومة، وذلك أن بعض الغنم إذا أكل التمر انبشم، أي: انتفخ بطنه، ولم تخرج منه الريح، ولا يُعلم أنه سَلِمَ من الموت إلا إذا ثلط، أي: إذا تبرز، ولهذا نقول: المبشومة مرضها بيِّن ما لم تثلط.
مسألة: من أخذها الطلق هل مرضها بين؟
الظاهر أنه ليس ببين؛ لأن هذا الشيء معتاد إلا أن تصل إلى حالة خطرة، كأن تتعسر الولادة ويخشى من موتها، فحينئذ تلحق بذات المرض البين.
مسألة: المغمى عليها بأن سقطت من أعلى فأغمي عليها فما دامت في إغمائها فإنها لا تجزئ؛ لأن مرضها بيِّن (1) .
وقوله: «والعضباء» ، هي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها طولاً أو عرضاً فإنها لا تجزئ (2) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن أعضب الأذن والقرن» (3) ، والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء، فإذا ضحى بعضباء الأذن أو القرن فإنها لا تجزئ.
وقال بعض العلماء: إنها تجزئ لكنها مكروهة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن في صحة الحديث نظراً، والأصل عدم المنع حتى يقوم دليل على ذلك، إلا أنها تكره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن
__________
(1) وفي رسالة الأضحية ص(63): «ما أصابها سبب الموت كالمختنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ لأن هذه أولى بعدم الإجزاء من المريضة البين مرضها».
(2) وهذا هو المذهب.
(3) أخرجه أحمد (1/101، 127، 129)؛ وأبو داود في الضحايا/ باب ما يكره من الضحايا (2805)؛ والنسائي في الضحايا/ باب العضباء (7/217)؛ والترمذي في الأضاحي/ باب في الضحية بعضباء القرن والأذن (1504)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب ما يكره أن يضحى به (3145)؛ وابن خزيمة (2913)؛ والحاكم (4/224) عن علي ـ رضي الله عنه ـ.
وفيه جري بن كليب، قال أبو حاتم: لا يحتج به».
نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بالمقابَلة، ولا المدابَرة، ولا الخرقاء» (1) .
قوله: «بل البتراء خلقة» ، البتراء التي ليس لها ذَنَب، لكن الماتن قيدها بأن يكون ذلك خلقة، يعني خلقت بلا ذَنَب، فإنها تجزئ، ومفهوم كلام الماتن أنه لو قطع فإنها لا تجزئ قياساً على مقطوعة الأذن، بل أولى من قطع الأذن؛ لأنها تستفيد من الذيل أكثر مما تستفيد من الأذن، وإن كان لكل منهما منفعة، لكن الذيل له منفعة كبيرة، فلهذا فرق بعض العلماء بين أن لا يكون لها ذنب خلقة، وبين أن يكون مقطوعاً، وقال: أما ما ليس لها ذنب خلقة فإنها تجزئ، كما تجزئ الصمعاء وهي صغيرة الأذن، والجمَّاء وهي التي ليس بها قرن، فكذلك البتراء خلقة، وأما ما قطع ذنبها فلا تجزئ.
ولكن الصحيح: أن البتراء التي لا ذنب لها خلقة أو مقطوعاً، تجزئ كالأذن تماماً.
فأما مقطوع الألية فإنه لا يُجزئ؛ لأن الألية ذات قيمة ومرادة مقصودة، وعلى هذا فالضأن إذا قطعت أليته لا يجزئ والمعز إذا قطع ذنبه يجزئ.
__________
(1) أخرجه أحمد (1/108)؛ وأبو داود في الضحايا/ باب ما يكره من الضحايا (2804)؛ والترمذي في الأضاحي/ باب ما يكره من الأضاحي (1498)؛ والنسائي في الضحايا/ باب الخرقاء وهي التي تخرق أذنها (7/217)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب ما يكره أن يضحى به (3142) (3143)؛ والحاكم (4/224)، عن علي ـ رضي الله عنه ـ.
وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه الحاكم.
ولكن هنا إشكال وهو أن بعض أهل الخبرة يقولون: إن قطع الألية من مصلحة البهيمة؛ لأن الشحم الذي يتكدس في الألية إذا لم يكن لها ألية عاد إلى الظهر وانتفعت به البهيمة مع خفة البهيمة، وعدم تعرضها للتعب؛ لأن بعض الضأن تكبر أليتها جداً فيؤثر على رجليها من ثقل هذا الشحم، ولكن ظاهر كلام الفقهاء أنها لا تجزئ مطلقاً ـ أعني مقطوعة الألية ـ وبناء عليه نسأل عن الأسترالي، والأسترالي ليس له ألية، له ذيل كذيل البقرة، فليس فيه شيء مراد، فيشبه ما قاله الفقهاء في البتراء وأنها تجزئ خلقة كانت أو مقطوعة، وقد شاهدنا ذلك من وجهين:
الأول: أنه أحياناً يرد ما لم يقطع ذيله من الأستراليات.
الثاني: أحياناً يكون فيه أنثى أسترالية فينزو عليها الذكر من الضأن هنا وتلد ولداً ليس له ألية، وإنما له ذيل فقط، وهذا يدل على أنه ليس لها ألية خلقة، وإنما لها ذيل.
قوله: «الجماء» الجماء هي التي لم يخلق لها قرن، فتجزئ، وأيهما أفضل ذات القرن أو الجماء؟
الجواب: ذات القرن، ولهذا جاء في الحديث: «بأن من تقدم إلى الجمعة كأنما قرب كبشاً أقرن» (1) ، ولولا أن وصف القرن مطلوب لما وصف الكبش بأنه أقرن.
قوله: «وخصي غير مجبوب» الخصي ما قطعت خصيتاه، فيجزئ مع أنه ناقص الخلقة، وحينئذ يطلب الفرق بين الخصي
__________
(1) أخرجه البخاري في الجمعة/ باب فضل الجمعة (881)؛ ومسلم في الجمعة/ باب الطيب والسواك يوم الجمعة (850) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وبين مقطوع الأذن، فإن مقطوع الأذن كما سبق لا يجزئ، فلماذا أجزأ الخصي مع أن الخصيتين فيهما منافع كثيرة، وهو الإنجاب والفحولة في البهيمة، ولهذا تجد الفرق بين الفحل والخصي، قالوا: لأن ذهاب الخصيتين من مصلحة البهيمة؛ لأنه أطيب للحم، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه ضحى بكبشين موجوءين» (1) ، أي مقطوعي الخصيتين.
فإن قطع الذكر مع الخصيتين؟ فقد قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: «خصي غير مجبوب» ، أي: غير مقطوع الذكر، وذلك أن قطع الذكر لا يفيد في زيادة اللحم وطيبه، وهو قطع عضو فيشبه قطع الأذن.
والخصي بواحدة يجزئ من باب أولى، وعلى هذا فما قطعت خصية واحدة منه أجزأ وخصيتان أجزأ، ومع الذكر لا يجزئ؛ لأنه قال: «خصي غير مجبوب» .
فإذا قال قائل: هل يمكن أن تحيا البهيمة مع الخصاء؟
فالجواب: نعم يمكن، وهذا كثير، لكن بشرط أن يكون المباشر لذلك من أهل الخبرة؛ لأنه قد يباشر الخصاء من ليس من أهل الخبرة فتهلك البهيمة، ـ وسبحان الله ـ هذا الأمر موجود من قبل أن تظهر وسائل الراحة الحديثة كالبنج وشبهه، لكن عرف بالتجارب، أما الآن فالأمر أسهل يمكن أن تخصى البهيمة بدون أن تشعر بألم إطلاقاً.
قوله: «وما بأذنه، أو قرنه قطع أقل من النصف» ، فإنه يجزئ
__________
(1) سبق تخريجه ص(422) وهذا اللفظ عند أحمد (6/8).
لكن مع الكراهة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمرنا أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابَلة، أو مدابَرة، أو شرقاء، أو خرقاء» (1) (2) .
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «نستشرف العين والأذن» ، أي: أن تكون شريفة ليس فيها عيب أو نشرف عليها والمعنى الأول أصح.
وهذا مستثنى من قوله فيما سبق «والعضباء» ، فالعضب إذا كان أقل من النصف فلا يضر.
وقوله: «أقل من النصف» ، مفهوم كلامه أنه لو كان النصف فإنه لا يجزئ.
فإذا قال إنسان: أليس في كلامه تناقض؟ لأنه قال بالأول: «والعضباء» وهنا قال: «وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف» . فنقول: لا تناقض في كلامه؛ لأن العضباء في كلامه الأول تعني التي قطع منها النصف فأكثر ـ على كلام المؤلف ـ وما دون النصف فإنه مجزئ، ولكن المذهب يرون أن النصف مجزئ، وأن الذي لا يجزئ هو ذهاب أكثر الأذن أو أكثر القرن، فإذا كان النصف ذاهباً والنصف الثاني باقياً، فهنا تعارض أصلان، إن نظرنا إلى وصفها بالعضباء قلنا: لا يصح؛ لأنه لم يذهب أكثر
__________
(1) المقابَلة: التي شقت أذنها من الأمام عرضاً.
والمدابَرة: التي شقت أذنها من الخلف عرضاً.
والشرقاء: التي شقت أذنها طولاً.
والخرقاء: التي خرقت أذنها. «رسالة الأضحية» ص(65).
(2) سبق تخريجه ص(434).
الأذن أو القرن، وإن نظرنا إلى السلامة قلنا ليست سليمة؛ لأن السلامة لا بد أن يكون الأكثر هو السليم، لكن نقول: أحد الأصلين مؤيد بأصل، وهو أن الأصل الإجزاء حتى يقوم دليل على عدم الإجزاء، فيكون الصحيح خلاف ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة.
وتبين الآن أن المؤلف ـ رحمه الله ـ خالف المذهب في مسألتين:
الأولى: البتراء التي قطع ذنبها، فالمذهب تجزئ، وعلى قول المؤلف لا تجزئ.
الثانية: العضباء بالنصف على المذهب تجزئ، وعلى كلام المؤلف لا تجزئ.
وعلى كل حال ينبغي أن نقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دلت السنة على عدم إجزائه، وهي أربع: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضَلَعها، والعجفاء التي لا تنقي، فهذه منصوص على عدم إجزائها، ويقاس عليها ما كان مثلها أو أولى منها، أما ما كان مثلها فإنه يقاس عليها قياس مساواة، وأما ما كان أولى منها فيقاس عليها قياس أولوية.
الثاني: ما ورد النهي عنه دون عدم الإجزاء، وهو ما في أذنه أو قرنه عيب من خرق، أو شق طولاً أو شق عرضاً، أو قطع يسير دون النصف، فهذه ورد النهي عنها في حديث علي بن
أبي طالب ـ رضي الله عنه (1) ـ، ولكن هذا النهي يحمل على الكراهة؛ لوجود الحديث الحاصر لعدم المجزئ بأربعة أصناف.
الثالث: عيوب لم يرد النهي عنها، ولكنها تنافي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، ولا تكره التضحية بها ولا تحرم، وإن كانت قد تعد عند الناس عيباً، مثل العوراء التي عورها غير بيِّن، ومثل مكسورة السن في غير الثنايا وما أشبه ذلك، ومثل العرجاء عرجاً يسيراً، فهذه عيوب لكنها لا تمنع الإجزاء، ولا توجب الكراهة لعدم وجود الدليل، والأصل البراءة.
وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولةً يَدُهَا اليُسْرَى فَيَطعَنُهَا بِالحَرْبَةِ فِي الوَهْدَةِ التَّي بَيْنَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، وَيَذْبَحَ غَيْرَهَا، وَيَجُوُز عكسُهَا
قوله: «والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى» ، هذه هي السنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يفعل ذلك، ويدل لهذا قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36] ، «وجبت» يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة؛ لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى، وسيمسك الحربة بيده اليمنى، ولو عقلت اليد اليمنى لضَرَبَتْ الناحرَ بركبتها إذا أحست ويكون عليه خطر، لكن إذا كانت المعقولة هي اليسرى واليمنى قائمة فإنها لا تستطيع أن تتحرك باليد اليمنى، وإذا نحرها فهي سوف تسقط على الجانب الأيسر الذي به اليد المعقولة.
هذه هي السنة (2) ، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع ذلك،
__________
(1) سبق تخريجه ص(434).
(2) لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «أنه أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلّى الله عليه وسلّم»، أخرجه البخاري في الحج/ باب نحر الإبل مقيدة (1713)؛ ومسلم في الحج/ باب استحباب نحر الإبل قياماً معقولة (1320)..
كما هو المعروف عندنا الآن في بلادنا فإنهم يبرِّكونها، ويعقلون يديها ورجليها، ويلوون رقبتها، ويشدونها بحبل على ظهرها ثم ينحرونها.
فنقول: إذا لم يستطع الإنسان أن يفعل السنة، وخاف على نفسه، أو على البهيمة أن تموت فإنه لا حرج أن يعقلها وينحرها باركة.
قوله: «فيطعنها بالحربة» ، بيَّن المؤلف كيفية النحر، وذلك بأن يطعنها بالحربة ـ يعني على سبيل التمثيل ـ أو بالسكين، أو بالسيف، أو بأي شيء يجرح، وينهر الدم.
قوله: «في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر» ، وهي قريبة من أن تكون بين يديها، وهي معروفة، فإذا طعنها جر الحربة من أجل أن يقطع الحلقوم والمريء.
قوله: «ويذبح» بالنصب لأنه معطوف على المصدر في قوله: «والسنة نحر الإبل» ، ليكون عطف مصدر على مصدر، والتقدير: فالسنة نحر الإبل وذبح غيرها ومنه:
ولبس عباءةٍ وتقرَّ عيني
أحبُّ إليَّ من لبس الشفوف
قوله: «غيرها» أي غير الإبل، والذبح يكون في أعلى الرقبة لا في أسفلها، والنحر يكون في أسفلها، ولهذا تموت الإبل أسرع من موت الضأن والمعز والبقر؛ وذلك لأن النحر قريب من القلب، فيتفجر الدم من القلب بسرعة، ولو أنها ذبحت من عند الرأس لكانت تتألم من الذبح؛ لأن الدم سيكون مجراه ما بين
القلب إلى محل الذبح بعيداً فيتأخر موتها، فكان من الحكمة أن تنحر، ويخرج الدم بسرعة، ثم تموت بسرعة، أما غيرها فالسنة أن تذبح من عند الرأس، ويكون على الجنب الأيسر؛ لأنه أيسر للذابح، إذ إن الذابح سوف يذبح باليد اليمنى فيضجعها على الجنب الأيسر، ثم يضع رجله على رقبتها، ثم يمسك برأسها ويذبح (1) (2) ، ولكن إذا كان الرجل لا يعمل باليد اليمنى، ـ وهو الذي يسمى أعسر ـ فإنه يضجعها على الجنب الأيمن؛ لأن ذلك أسهل له، ثم إن الأفضل أن تبقى قوائمها مطلقة، أي: اليدان والرجلان لا تقيد ولا يمسك بها، وذلك لوجهين هما:
الأول: أنه أريح للبهيمة أن تكون طليقة تتحرك.
الثاني: أنه أشد في إفراغ الدم من البدن.
لأنه مع الحركة يخرج الدم كله، ومعلوم أن تفريغ الدم أطيب للحم، وأحسن وأكمل، ومن ثم صارت الميتة حراماً؛ لأن الدم يحتقن بها فيفسد اللحم.
قوله: «ويجوز عكسها» ، أي نحر ما يذبح وذبح ما ينحر، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
__________
(1) لحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: «ضحى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكبشين أملحين، فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر، فذبحهما بيده».
أخرجه البخاري في الأضاحي/ باب من ذبح الأضاحي بيده (5558)؛ ومسلم في الأضاحي/ باب استحباب استحسان الضحية (1966).
(2) وفي «رسالة الأضحية» ص(98): «وينبغي أن يمسك برأسها ويرفعه قليلاً ليبين محل الذبح».
فكلوا» (1) ، ولم يفرق بين النحر والذبح.
وما دام الكل في الرقبة فهو مجزئ، فيجزئ أن يذبح الشاة من نصف الرقبة ومن أسفلها ومما يلي صدرها ومن أعلاها مما يلي رأسها كل هذا محل للذبح.
وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، واللهُ أكْبَرُ اللَّهُمَ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ ....
قوله: «ويقول: بسم الله، والله أكبر» ، أي: يقول: «بسم الله» وجوباً؛ لأن من شرط حل الذبيحة أو النحيرة التسمية، و «الله أكبر» استحباباً، وكان أحد الخطباء يخطب يوم العيد ويقول: السنة أن يقول عند الذبح: بسم الله وجوباً والله أكبر استحباباً، فذهبت العامة وصار الواحد منهم يقول: بسم الله وجوباً والله أكبر استحباباً، يظن أن هذا هو المشروع، ولهذا ينبغي للخطيب أن يكون عنده انتباه؛ لأن العامة ليسوا كطلبة العلم فيقول: بسم الله والله أكبر، أما: «بسم الله» فواجبة، وأما الله أكبر فمستحبة، حتى لا يختلط الأمر على الناس.
والتسمية على الذبيحة شرط من شروط صحة التذكية، ولا تسقط لا عمداً ولا سهواً ولا جهلاً؛ وذلك لأنها من الشروط، والشروط لا تسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً؛ ولأن الله قال: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] ، فقال: {مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ولم يقيد ذلك بما إذا ترك اسم الله عليه عمداً، وهنا يلتبس على بعض الناس فيقول: أليس الله قد
__________
(1) أخرجه البخاري في الذبائح/ باب ما ند من البهائم (2488)؛ ومسلم في الأضاحي/ باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم (1968) عن رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ.
قال: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ؟ فنقول: بلى قال الله ذلك، ولكن هنا فعلان:
الأول: فعل الذابح.
الثاني: فعل الآكل.
وكل واحد منهما يتميز عن الآخر، ولا يلحق هذا حكم هذا، ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيمن سألوه عن قوم حديثي عهد بالكفر يأتون باللحم، ولا يدرى أحدهم هل ذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سموا أنتم وكلوا» (1) ؛ لأن الإنسان مطالب بتصحيح فعله، لا بتصحيح فعل غيره، فإن الفعل إذا وقع من أهله فإن الأصل السلامة والصحة، ونقول: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فإذا أكلنا نسياناً أو جهلاً فليس علينا شيء لقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، أما أن نعرف أن هذه الذبيحة لم يسم عليها، فلا يجوز أكلها.
وأما فعل الذابح: فإذا نسي التسمية، فقد قال الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .
فإذا قال قائل: كيف تؤاخذونه وقد نسي؟! قلنا: لا نؤاخذه، فنقول: ليس عليك إثم بعدم التسمية، ولو تعمدت ترك التسمية لكنت آثماً لما في ذلك من إضاعة المال وإفساده، وأما الآن فلا شيء عليك؛ لأنك ناسٍ، ويظهر ذلك بالمثال المناظر تماماً لهذا:
__________
(1) أخرجه البخاري في البيوع/ باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات (2057) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
لو صلى الإنسان وهو محدث ناسياً فليس عليه إثم، وصلاته باطلة يجب أن تعاد؛ لأن الطهارة من الحدث شرط، وإذا كانت شرطاً، فإنها لا تسقط بالنسيان، ولكن يعذر الفاعل فلا يأثم، وهذا واضح، وكذلك التسمية أيضاً.
وهذه المسألة أعني التسمية على الذبيحة، أو على الصيد اختلف فيها العلماء على أقوال هي:
الأول: أن التسمية لا تجب لا على الصيد، ولا على الذبيحة وإنما هي سنة، واستدلوا بحديث لا يصح: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليها» (1) .
الثاني: أن التسمية واجبة وتسقط بالنسيان والجهل في الذبيحة والصيد.
الثالث: أن التسمية شرط في الذبيحة والصيد، وتسقط سهواً في الذبيحة، ولا تسقط في الصيد.
وهذا هو المشهور عند فقهاء الحنابلة، أنه إذا ترك التسمية في الصيد ولو سهواً فالصيد حرام، وإن ترك التسمية سهواً في الذبيحة فهي حلال، ما هو الدليل؟
قالوا: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني ـ رضي الله عنهما ـ في إرسال السهم: إذا أرسلت
__________
(1) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (378)؛ ومن طريقه البيهقي (9/240)؛ وأخرجه بنحوه الدارقطني (4/295)؛ والبيهقي (9/240)، وضعفاه وضعفه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (1369).
سهمك وذكرت اسم الله عليه فكل» (1) ، فجعل لحِلِّ الأكل شرطين هما:
الأول: القصد وهو إرسال السهم.
الثاني: التسمية.
ونقول: وقد قال أيضاً في الذبيحة: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» (2) ، فاشترط شرطين هما:
الأول: إنهار الدم.
الثاني: التسمية.
ولا فرق، ثم نقول: إذا كنا نعذره بالنسيان على الذبيحة، فعلى الصيد من باب أولى، لأن الصيد يأتي بغتة بعجلة وسرعة، وأهل الصيود يذهلون إذا رأوا الصيد، حتى إنه أحياناً يسقط في حفرة أو تضربه نخلة أو شجرة، وهو لا يشعر، فهذا أحق بالعذر من إنسان أتى بالبهيمة بتأنٍ وأضجعها، ونسي أن يقول بسم الله.
القول الرابع: أن التسمية شرط في الذبيحة وفي الصيد، ولا تسقط بالنسيان والجهل، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الذي تدل عليه الأدلة.
فإن قال قائل: أرأيتم لو نسي أن يسمي على بعير، قيمته خمسة آلاف ريال وقلنا: لا تحل، فتضيع خمسة آلاف ريال.
فيقال: هذا من جملة ما يقدر الله للإنسان أن يضيع عليه.
__________
(1) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح/ باب الصيد بالكلاب المعلمة (1929) عن عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ.
(2) سبق تخريجه ص(442).
فإن قيل: تتلفون أموال الناس بهذا.
قلنا: هذا كقول من قال: إذا قطعتم يد السارق أصبح نصف الشعب أشل ليس عنده يد، مع أنه لو قطعت يد السارق قلَّت السرقة ولم يسرق أحد، وكذلك إذا قلنا لهذا الرجل ـ الذي نسي أن يسمي على الذبيحة ـ: ذبيحتك حرام، فإذا جاء يذبح مرة ثانية: فيمكن أن يسمي عشر مرات لا ينسى أبداً، فقد اكتوى بنار النسيان، وبهذا نحمي هذه الشعيرة، وأنه لا بد من ذكر اسم الله على المذبوح.
شروط الذكاة:
الأول: التسمية، وقد سبق خلاف العلماء في حكمها.
والتسمية عند إرادة الفعل، وليس عند شحذ الشفرة يعني السكين، وليس عند وضع السهم في القوس، وليس عند وضع الرمية في البندقية، بل عند الفعل، ولهذا جاءت «على» في قول الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، إشارة إلى أن هذا الفعل هو الذي لا بد أن تكون التسمية عليه.
الثاني: إنهار الدم ـ يعني تفجيره ـ حتى يكون كالنهر، أي: يندفع بشدة، وهذا لا يتحقق إلا بقطع الودجين، ويعرفان عند الناس بالشرايين، وأناس يسمونها الأوراد، وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم معروفان، ولا يمكن إنهار الدم إلا بهذا، والدليل على ذلك:
أولاً : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أنهر الدم» (1) ، ولم يتعرض
__________
(1) سبق تخريجه ص(442).
لذكر الحلقوم والمريء، ولهذا كان القول الصحيح أنه إذا قطع الودجان حلت الذبيحة وإن لم يقطع الحلقوم والمريء؛ لأنه لا دليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء.
ثانياً: ما أخرجه أبو داود بإسناد فيه مقال أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن شريطة الشيطان ـ وهي التي تذبح ولا تفرى أوداجها ـ» (1) وهذا نص في الموضوع.
وفي الرقبة أربعة أشياء إذا قطعت كلها فهذا تمام الذبح: الودجان، والمريء ـ وهو مجرى الطعام والشراب ـ والحلقوم مجرى النفس، ولهذا يكون دائماً مفتوحاً لتسهيل النفس، وجعله الله ـ عزّ وجل ـ عظاماً لينة لتسهل حركة الرقبة، ولهذا ترفع رقبتك لترفع رأسك وتنزله ولا تجد كلفة، والمريء من ورائه، أي: بينه وبين الرقبة، وهو مجرى الطعام والشراب، وليس كالحلقوم مفتوحاً بل إن استأذن أحد فتح الباب له، وإن لم يستأذن فالباب مغلق.
القول الثاني: مذهب الحنابلة ـ رحمهم الله ـ، قالوا: يجزئ إذا قطع الحلقوم والمريء، وإن لم يقطع الودجين ولا واحداً منهما، ومن المعلوم أنه لو قطع الحلقوم والمريء ولم يقطع الودجين، فإن الدم سوف يكون باقياً لا يخرج؛ لأن الدم الذي يخرج من الحلقوم والمريء سيكون ضعيفاً جداً، كما يخرج من أي عرق يكون في اليد أو في الرجل، أو ما أشبه ذلك.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/289) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ؛ وأخرجه أبو داود في الضحايا/ باب في المبالغة في الذبح (2826)؛ وابن حبان (5888) إحسان؛ والحاكم (4/113)؛ وابن عدي (5/1794) عن ابن عباس وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ وضعفه ابن عدي وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (2133).
القول الثالث: لا بد من قطع ثلاثة من أربعة.
مسألة: لو كانت البهيمة تصعق أولاً ثم تنحر ثانياً، فإن أدركها وفيها حياة حلَّت، وعلامة الحياة أنه إذا ذبحها انبعث منها الدم، الأحمر المعروف الذي يجري بخلاف الدم الأسود الذي يخرج من الميتة فهذا لا عبرة به، ودليل هذا قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] ، وهذه كالمنخنقة تماماً فإذا ذكيت وفيها حياة حلَّت.
ولكن هل يشترط أن ترفس برجلها أو بيدها أو تمصع بذنبها أو لا يشترط؟
الجواب: قال بعض العلماء يشترط؛ لأننا لا نعلم حياتها إلا بذلك، ولكن الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام في هذه المسألة أنه لا يشترط.
الشرط الثالث: لا بد أيضاً أن يكون الذابح عاقلاً، فإن كان مجنوناً فإنه لا تصح تذكيته ولو سمى؛ لأنه لا قصد له.
الشرط الرابع: أن يكون مسلماً، أو كتابياً.
فالمسلم ظاهر، والكتابي، لقول الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] ، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: «طعامهم ذبائحهم» (1) ، وهذا متواتر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يأكل مما ذبح اليهود.
__________
(1) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في الذبائح والصيد/ باب ذبائح أهل الكتاب، ووصله البيهقي (9/282) عن علي بن أبي طلحة عنه.
واختلف العلماء هل يشترط أن يكون ذبحه كذبح المسلمين؟ أو نقول ما عدوه ذبحاً وتذكية فهو ذكاة، وإن لم يكن على طريقة المسلمين؟ في هذا قولان هما:
الأول: وهو قول الجمهور: أنه لا بد أن ينهر الدم، أعني ذبح الكتابي، كما أنه لا بد من أن ينهر الدم في ذبح المسلم.
الثاني: وهو وجه في مذهب الإمام مالك أن ما عدوه ذكاة فهو ذكاة، وإن كان بالخنق؛ لعموم قول الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}، وهذا طعام عندهم فيكون حلالاً.
ولكن نقول في الرد على هذا: إن قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مطلق مقيد بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» (1) ، فإذا كان إنهار الدم شرطاً في ذبيحة المسلم، وهو خير من اليهودي والنصراني، فكونه شرطاً في ذبيحة اليهودي والنصراني من باب أولى، وهذا هو الحق.
ولكن هل يجب علينا أن نعلم أن الكتابي ذبحه على هذا الوجه؟ الجواب: لا يشترط.
وهل يجب أن نعلم أنه سمى عليه؟ الجواب: لا، والدليل على هذا ما رواه البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أن قوماً سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سموا أنتم وكلوا» ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر» (2) ، ومن هو حديث عهد
__________
(1) سبق تخريجه ص(442).
(2) سبق تخريجه ص(443).
بالكفر يشك في كونه سمى؛ لأنه لم يعرف أحكام الإسلام ومع ذلك قال: «سموا أنتم وكلوا» ، أي: سموا على الأكل لا على الذبح؛ لأنه لا تمكن التسمية؛ ولأن الإنسان لا يُسأل إلا عن فعل نفسه، وفعلكم أنتم هو الأكل فسموا عليه، أما فعل غيركم فليس عليكم منه شيء، وقد ترجم مجد الدين ابن تيمية ـ رحمه الله ـ على هذا الحديث: بأن الفعل إذا صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة (1) ، ولو أننا كلفنا أن نبحث عن كيفية الذبح وهل سمى الذابح أم لا؟ للحقنا بذلك حرج شديد لا يحتمل، حتى المسلم يمكن أنه لم يسم، أو أنه خنق، فكل شيء محتمل، لكن الأصل في الفعل الواقع من أهله السلامة، وبهذا يستريح الإنسان، ويسلم من القلق الذي يحصل فيما لو ذبح الكتابي اليهودي والنصراني الذبيحة وأهدى له، والحمد لله على التيسير، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] .
وقد أخبرني بعض الإخوة الذين في أمريكا أنهم الآن رجعوا إلى الشرط الإسلامي، وهو إنهار الدم بشق الودج ثم يدخلون آلة مع الودج الثاني وينفخونها بشدة، من أجل أن يخرج الدم مندفعاً من الودج الأول الذي فروه، أي: أنهم أشد منا، فيتعجلون أن يخرج الدم؛ لأنه إذا جاءه ما يدفعه من أحد الودجين اندفع إلى الآخر، لكننا ـ ولله الحمد ـ لا يكلفنا الله ـ عزّ وجل ـ مثل هذا، فذبحنا يسير، امرر السكين على الودجين، وهذا كافٍ.
__________
(1) في منتقى الأخبار.
الشرط الخامس: أن لا يكون الحيوان محرماً لحق الله، كالصيد في الحرم، أو الصيد في الإحرام.
فلو ذبح الإنسان أو صاد صيداً في الحرم فإنه حرام حتى لو سمى وأنهر الدم، ولو صاد صيداً أو ذبحه وهو محرم فهو حرام، ولو سمى وأنهر الدم؛ لأنه محرَّم لحق الله، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للصعب بن جثامة ـ رضي الله عنه ـ قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم» (1) ، وهذا يتبين بالتعبير القرآني: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] ، ولم يقل لا تصيدوا الصيد، فدل هذا على أن صيد الصيد والإنسان محرم يعتبر قتلاً، لا صيداً، والقتل لا تحل به المقتولة.
فإن كان مُحرَّماً لحق الغير كالمغصوب مثلاً، فهل يكون كالمحرم لحق الله ويحرم أو لا يحرم؟
الصحيح أنه لا يحرم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة ـ رحمهم الله ـ، وفرقوا بينهما بأن الغير حقه يمكن ضمانه، أو إرضاؤه، ويمكن أن يسمح، بخلاف حق الله ـ عزّ وجل ـ.
وفيه رواية أخرى في المذهب أن المحرَّم لحق الغير كالمحرَّم لحق الله لا تصح تذكيته.
فلو رأينا من باب التأديب والتعزير والتوجيه أن نقول لمن غصب شاة وذبحها: لا يحل لك أكلها ولا لغيرك، وعليك ضمانها، لو رأينا أن هذا من باب التعزير بحرمانه هذا المال الذي تعجله على وجه محرم لكان هذا متوجهاً.
__________
(1) سبق تخريجه ص(142).
مسألة: هل يشترط أن يكون الذبح في وقت يحل فيه الذبح بالنسبة للأضاحي؟
الجواب: لا يشترط ذلك لحل الذبيحة، لكن يشترط لوقوعها أضحية.
وقوله: «يقول: بسم الله، والله أكبر» ، لو قال بسم الرحمن، أو بسم فاطر السموات والأرض، أو بسم الخلاق العليم، هل يقوم مقام بسم الله؟ الجواب: قال بعض أهل العلم يقوم مقامه إذا أضاف «اسم» إلى ما لا يصح إلا لله، فهو كما لو أضافه إلى لفظ الجلالة، ولا فرق؛ لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، ولو قال: بسم الرؤوف الرحيم لا يجزئ، لأن هذا الوصف يصدق لغير الله، قال الله تعالى في وصف النبي: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 182] ، ولو قال: باسمك اللهم أذبح هذه الذبيحة، يجزئ؛ لأن هذا مثل قوله بسم الله، ودليل التكبير حديث أنس في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمى الله وكبر (1) .
وهل يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا المقام؟ الجواب: لا يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم، والتعليل:
أولاً: أنه لم يرد، والتعبد لله بما لم يرد بدعة.
ثانياً: أنه قد يتخذ وسيلة فيما بعد إلى أن يذكر اسم الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الذبيحة، ولهذا كره العلماء أن يصلى على النبي صلّى الله عليه وسلّم على الذبيحة.
__________
(1) سبق تخريجه ص(441).
قوله: «اللهم هذا منك ولك» (1) ، المشار إليه المذبوح أو المنحور، «منك» عطاءً ورزقاً، «لك» تعبداً وشرعاً وإخلاصاً وملكاً، هو من الله، وهو الذي منَّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه، فيكون الفضل لله تعالى قدراً، والفضل لله شرعاً، إذ لولا أن الله تعالى شرع لنا أن نتقرب إليه بذبح هذا الحيوان أو نحره لكان ذبحه أو نحره بدعة، ولهذا نقول: إن الله أنعم علينا بنعمتين:
الأولى: نعمة قدرية.
الثانية: نعمة شرعية.
أما القدرية فكونه يسره لنا وذلله لنا حتى إن الرجل يقود هذا البعير الكبير لينحره وينقاد له، قال الله تعالى: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *} [يس] .
وأما الشرعية فكون الإنسان في هذه الحال متذكراً لنعمة الله تعالى متقرباً إليه بالتعبد له، وفي هذه الحال ينبغي أيضاً أن يقول: «اللهم تقبل (2) مني، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي» (3) . وتكون تسمية المضحى له عند الذبح، وأما ما يفعله بعض العامة عندنا
__________
(1) لما أخرجه الإمام أحمد (3/375)؛ وأبو داود في الضحايا/ باب ما يستحب من الضحايا (2795)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب أضاحي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (3121)؛ وصححه ابن خزيمة (2899)؛ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
(2) أخرجه مسلم في الأضاحي/ باب استحباب استحسان الضحية (1967) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما جاء ليذبح أضحيته قال: «باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد».
(3) سبق تخريجه ص(422).
يسميها في ليلة العيد ويمسح ظهرها من ناصيتها إلى ذنبها، وربما يكرر ذلك: هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي، وما أشبه ذلك، فهذا من البدع، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح.
وَيَتَولاّهَا صَاحِبُهَا، أَوْ يُوكِّل مُسْلِماً وَيَشْهَدَهَا، وَوَقْتُ الذَّبحِ بَعْدَ صَلاَةِ العِيدِ أوْ قَدْره إِلى يَوْمَينِ بَعْدَه. وَيُكْرَهُ فِي لَيلَتِهِمَا فَإِنْ فَاتَ قَضَى وَاجِبَهُ.
قوله: «ويتولاها صاحبها» ، الضمير «ها» يعود على الأضحية، يعني أن الأفضل أن يتولاها صاحبها ولو امرأة بدليل أن جارية كانت ترعى غنماً عند سلع بالمدينة، فأبصرت شاة من غنمها موتاً فأخذت حجراً له حد فذبحت الشاة، فاستفتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك فقال: كلوا (1) ، وأذن لهم في أكلها مع أن الذي ذبح امرأة، هذا الحديث فيه فوائد كثيرة استنبط منه بعض العلماء نحو اثنتي عشرة مسألة، منها جواز ذبح المرأة ولو كانت حائضاً أو نفساء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يستفصل، ومنها جواز تصرف الإنسان في مال الغير بإتلاف إذا كان لمصلحة، ومنها جواز الذبح بالحجر ولكن بشرط أن ينهر الدم، والمهم من ذلك هو نحرها أو ذبحها، فإذا ذبحها وأعطى آخر ليكمل سلخها وتوزيعها فقد أدرك السنة، وهذا مشروط بما إذا كان قادراً، أما إن كان عاجزاً أو جاهلاً بما يجب في الذبح فلا ينبغي أن يخاطر ويذبح، بل يوكل غيره.
قوله: «أو يوكل مسلماً ويشهدها» ، أي: يوكل مسلماً يذبح هذه الأضحية، ويشهدها، أي: صاحبها فيكون حاضراً عنده، والذي يسمي الذابح؛ لأنه فعله فهو يسمي على فعله.
__________
(1) أخرجه البخاري في الوكالة/ باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت (2304) عن كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
وقوله: «أو يوكل مسلماً» ، علم منه أنه لا يصح أن يوكل كتابياً، مع أن ذبح الكتابي حلال، لكن لما كان ذبح هذه الذبيحة أو نحر هذه النحيرة عبادة لم يصح أن يوكل فيه كتابياً؛ وذلك لأن الكتابي ليس من أهل العبادة والقربة؛ لأنه كافر ولا تقبل عبادته، أما لو وكل كتابياً ليذبح له ذبيحة، أو ينحر له نحيرة للأكل فذلك لا بأس به، فالتضحية أو الهدي لا يجوز من غير المسلم، وذلك لأنه ليس من أهل القربة، فإذا كان لا يصح ذلك منه لنفسه فلا يصح منه لغيره، ولهذا اشترط المؤلف أن يوكل مسلماً ويشهدها، ولكن لما كان الكتابي نائباً عن مسلم في هذه العبادة خف الوطء وصارت مباشرته للأضاحي والهدايا والعقائق مكروهة، ولكنها لا تمنع حل الذبيحة.

محب الدعوة
11-01-2011, 01:26 PM
قوله: «ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره إلى يومين بعده» ، أي: الوقت الجائز فيه الذبح يوم العيد بعد الصلاة، «أو قدره» أي: قدر زمن الصلاة لمن ليس عندهم صلاة عيد إلى آخر يومين بعده.
فتكون أيام الذبح ثلاثة فقط، يوم العيد ويومان بعده، وليس في المسألة دليل على أن الذبح يكون في يومين بعد العيد، لكن إما أن نقول: إن الذبح يوم العيد فقط، أو أيام التشريق كلها.
أما وجه الأول فلأن الذي يسمى من هذه الأيام يوم النحر هو يوم العيد، فيختص النحر به، وقد قال بذلك بعض أهل العلم: إن يوم الذبح هو يوم العيد فقط.
أما وجه الثاني فله دليل سنذكره بعد، وأما تخصيصه بيومين
فلا أعلم في ذلك أصلاً من السنة، لكنه ورد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ تخصيصه بيومين بعد العيد (1) .
وقوله: «ووقت الذبح بعد صلاة العيد» ، علم من كلامه ـ رحمه الله ـ أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ؛ لأنه قبل الوقت، فكما أنه لو صلى الظهر قبل زوال الشمس لم تجزئه عن صلاة الظهر، كذلك لو ضحى قبل الصلاة فإنه لا يجزئه، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم الحديث العام الذي يعتبر قاعدة عامة في الشريعة: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) ، وثبت في هذه المسألة بخصوصها «أن من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء» (3) ، ثبت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأعلنه في خطبة عيد الأضحى.
وقد أورد عليه أبو بردة ـ رضي الله عنه ـ قصة وقعت له وهي أنه أحب أن يأكل أهل بيته اللحم قبل أن يصلي في أول النهار، فذبح أضحيته قبل أن يصلي، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال له: «شاتك شاة لحم» مع أن الرجل جاهل، لكن الأوامر لا يعذر فيها بالجهل بخلاف النواهي، فالنواهي إذا فعلها الإنسان جاهلاً عذر بجهله، أما الأوامر فلا، ولهذا لم يعذره النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل قال: «شاتك شاة لحم» ، وقال: «من ذبح قبل
__________
(1) منهم ابن عمر وعمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ، انظر: «الموطأ» (2/487)، و«المحلى» (7/377)؛ والبيهقي (9/297)؛ والجوهر النقي (9/297).
(2) سبق تخريجه ص(158).
(3) سبق تخريجه ص(424).
الصلاة فليذبح مكانها أخرى» (1) ، فقال أبو بردة: إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين ـ والعناق الصغيرة من المعز لها نحو أربعة أشهر ـ أي: فهل أذبحها وتجزئ عني، قال: «نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك» (2) ، مع أن هذه العناق لا تجزئ في الأضحية، لعدم بلوغها السن المعتبرة شرعاً، لكن النبي صلّى الله عليه وسلّم أذن له وقال: «إنها لا تجزئ عن أحد بعدك» ، هل المراد بقوله: «لا تجزئ عن أحد بعدك» عيناً أو حالاً؟ أكثر العلماء على الأول، والصحيح الثاني، وأن من وقع له مثل ما وقع لأبي بردة فلا حرج أن يذبح عناقاً؛ وذلك أن القاعدة الشرعية أن التكاليف لا تتعلق بالشخص لشخصيته؛ لأن الله لا يحابي أحداً وإنما تعلق الأحكام بالمعاني والعلل حتى خصائص الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليست خصائص له شخصية لكن من أجل أنه رسول ولا يتصف بهذا الوصف سواه، وهذا الذي نراه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق.
فإن قيل هل تجزئ العناق وإن لم تكن ذات بال وقيمة عند صاحبها ولا يحبها؛ لأن أبا بردة: قال عندي عناق هي أحب إلى من شاتين؟ فالجواب أن هذا وصف طردي لأن محبة الإنسان للشيء لا ترفعه إلى أن يجزئ وهو على وصف لا يجزئ، ولهذا لو كان للإنسان عناق ولم تحدث له هذه الحال، وقال: إن هذه
__________
(1) سبق تخريجه ص(424).
(2) أخرجه البخاري في الأضاحي/ باب الذبح بعد الصلاة (5562)؛ ومسلم في الأضاحي/ باب وقتها (1960) عن جندب بن سفيان البجلي ـ رضي الله عنه ـ.
العناق أحب إلى من شاتين فنقول: لا تجزئ، فليست العلة هي كونها أحب إليه فهذا وصف طردي لا يعلل به.
فقوله: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى» ، هو الدليل على أنه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، فإذا كان في مكان ليس فيه صلاة عيد فليعتبر ذلك بمقدار صلاة العيد، ولا يعتبر ما حوله، أي: لو فرض أنه في بادية قريبة من عنيزة مثلاً فليس المعتبر صلاة عنيزة، بل المعتبر قدر الصلاة؛ فإذا كانت صلاة العيد تحل بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وعيد الأضحى يسن فيه التبكير في الصلاة فيقدر بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، نحو ربع ساعة تتم فيها الصلاة، وإذا كان ارتفاع الشمس قدر رمح مقداره ثلث ساعة، أو ربع ساعة فيكون ابتداء الذبح بعد طلوع الشمس بنحو نصف ساعة أو خمس وثلاثين دقيقة.
وعلم من قوله: «صلاة العيد» أنه لا يشترط أن يكون بعد خطبة العيد، فلو أن الإنسان انطلق من حين صلى صلاة العيد وذبح والإمام يخطب صحت الأضحية، وظاهر كلامه أن ذلك صحيح وإن لم يذبح الإمام لأن المؤلف أطلق، وهو كذلك ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له» ، فمفهومه أن من ذبح بعد الصلاة فله نسك، سواء انتهت الخطبة أو لم تنته، وسواء ذبح الإمام أم لم يذبح، ولكن الأفضل ألا يذبح قبل الإمام، وهذا الذي قاله العلماء صحيح فيما لو كان الناس يفعلون بالأضاحي ما كان يفعل بها في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهنا ننتظر الإمام لأنه إمامنا في الصلاة فكان إمامنا في النسك، وكانوا فيما سبق
يخرجون بضحاياهم إلى مصلى العيد، لكن في غير مكان الصلاة فيذبحون هناك من أجل أن يكون نفعها أعم، فكل من حضر يمكن أن يأخذ منها، فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرج بأضحيته ويضحي والناس أيضاً يخرجون بضحاياهم ويضحون، لكن هذا نسي من زمن، فإذا كان الناس يضحون في مصلى العيد قلنا لا تضحوا قبل إمامكم، هذا هو الأفضل.
وقوله: «إلى يومين بعده» ، أي: إلى آخر يومين، ودليل ذلك ما روي عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم حددوا الوقت بذلك (1) .
وقال بعض أهل العلم: إن وقت الذبح يوم العيد فقط (2) ، لأنه اليوم الذي يسمى يوم النحر.
وقال بعض العلماء: بل أيام التشريق الثلاثة تبع ليوم العيد، وقال آخرون: بل شهر ذي الحجة كله وقت للذبح، فالأقوال إذاً أربعة.
ولكن أصح الأقوال: أن أيام الذبح أربعة، يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، والدليل على هذا ما يلي:
أولاً: أنه قد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كل أيام التشريق ذبح» (3) ، وهذا نص في الموضوع، ولولا ما أعل به من الإرسال والتدليس لكان فاصلاً في النزاع.
__________
(1) سبق تخريجها ص(456).
(2) وهو قول محمد بن سيرين وغيره، انظر: المحلى (7/377).
(3) أخرجه الإمام أحمد (4/82)؛ وابن حبان (3854) إحسان، والدارقطني (4/284)؛ والبزار (1206)؛ «الكشف»، والبيهقي (9/296) عن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ وضعفه البيهقي والزيلعي في «نصب الراية» (3/61)، (4/213).
ثانياً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ـ عزّ وجل ـ» (1) ، فجعل حكمها واحداً أنها أيام أكل لما يذبح فيها، وشرب، وذكر لله ـ عزّ وجل ـ.
ثالثاً: أن هذه الأيام الثلاثة كلها تتساوى في تحريم صيامها لقول عائشة، وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (2) .
رابعاً: أن هذه الأيام الثلاثة كلها أيام لرمي الجمرات، فلا يختص الرمي بيومين، بل كل الأيام الثلاثة.
خامساً: أنها كلها يشرع فيها التكبير المطلق والمقيد، أو المقيد على قول بعض العلماء، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير، فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن نُخْرِجَ عن هذا الاشتراك وقت الذبح، بل نقول: إن وقت الذبح يستمر من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق.
وهذا هو القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ.
__________
(1) أخرجه مسلم في الصيام/ باب تحريم صيام أيام التشريق (1141) عن نبيشة الهذلي ـ رضي الله عنه ـ.
(2) سبق تخريجه ص(178).
مسألة: هل يجزئ الذبح من حين الصلاة أو لا بد من الخطبة وذبح الإمام؟
الصحيح أنه يكتفي بالصلاة، ولكن الأفضل أن يكون الذبح بعد الخطبة وبعد ذبح الإمام، وهذا إن فعل الإمام السنة في الذبح، وهو أن يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها في مصلى العيد؛ لأن هذه هي السنة الثابتة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ينحر ويذبح بالمصلى (1) إظهاراً للشعيرة وتعميماً للنفع؛ لأنه إذا كانت هناك في مصلى العيد حضرها الفقراء والأغنياء أيضاً، فيعطى الفقراء منها صدقة، ويعطى الأغنياء منها هدية، ومعنى قوله: «ينحر بالمصلى» ، أي خارج حدود المسجد مثل ما لو خرج إنسان بأضحيته، وذبحها أمام مصلى العيد أو عن يمينه أو شماله قيل: ذبحها بالمصلى ؛ لقربه منه وليس في نفس المصلى؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر» (2) وهذا أذى وقذر، لكن عمل الناس اليوم أن الإمام وغيره لا يذبحون في المصلى، وعلى هذا فتكون في مراعاة ذبح الإمام فيه مشقة عظيمة، وقد ينازع في استحبابه؛ لأن تأخر الذبح عن ذبح الإمام فيما إذا أعلنه الإمام وتبين للناس، ولكن مراعاة انتهاء الخطبة أمر سهل، فيقال للناس: لا تذبحوا حتى تنتهي الصلاة والخطبة؛ لأن هذا هو الأفضل، وكما جاء في بعض الأحاديث.
__________
(1) أخرجه البخاري في العيدين/ باب النحر والذبح بالمصلى يوم النحر (982) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(2) أخرجه مسلم في الطهارة/ باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات (285) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر بانتظار الخطبة (1) .
قوله: «ويكره في ليلتهما» ، أي: ليلتي أيام التشريق، لكن المؤلف يرى أن أيام الذبح يومان، ولهذا جاءت بالتثنية «في ليلتهما» ، أي ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل أيام التشريق ذبح» (2) ، وقال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله ـ عزّ وجل ـ» (3) ، وهذا يدل على أن محل الذبح هو اليوم، وعلى هذا فيكره الذبح في الليل، ولأن الذبح في الليل ربما يعمد إليه البخلاء من أجل أن لا يتصدقوا، فلهذا كره.
وقيل في علة الكراهية خروجاً من الخلاف، أي: خلاف من قال من العلماء: إنه لا يجزئ الذبح ليلاً؛ لأن الله تعالى قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] ، والجواب عن هذا الاستدلال أن يقال: إن العرب يطلقون الأيام على الليالي، فيقال: أيام ويشمل الليالي، ويطلقون الليالي ويريدون الليل والنهار مثل قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] ، أي عشر ليال والمراد الليالي والأيام، والتعليل بالخلاف فيه خلاف، والصحيح أنه لا تعليل
__________
(1) لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما ذبح بعد الخطبة، كما في حديث أبي بردة، وقد سبق تخريجه ص(424)، ولحديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلى بهم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد نحر، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلّى الله عليه وسلّم»، أخرجه مسلم في الأضاحي/ باب سن الأضحية (1964).
(2) سبق تخريجه ص(459)
(3) سبق تخريجه ص(460).
بالخلاف، وهو اختيار شيخ الإسلام، ولو أننا أخذنا بهذا القول، أي بالتعليل بالخلاف ما بقي مسألة مباحة إلا وفيها كراهة؛ لأنه لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف، فإذا قلنا إن مراعاة الخلاف لازمة، وأنه يجب أن ندع ما فيه الخلاف من باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، لم يبق مسألة إلا وهي مكروهة.
ولكن يقال: إن كان الخلاف له حظ من النظر، أي: من الدليل فإننا نراعيه، لا لكونه خلافاً، ولكن لما يقترن به من الدليل الموجب للشبهة، ولهذا قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً
إلا خلافاً له حظ من النظر
فالصواب أن الذبح في ليلتهما لا يكره إلا أن يخل ذلك بما ينبغي في الأضحية فيكره من هذه الناحية، لا من كونه ذبحاً في الليل.
قوله: «فإن فات» ، أي: وقت الذبح، وذلك بغروب الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق على ما ذهب إليه المؤلف، أو بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق على ما رجحناه.
قوله: «قضى واجبه» ، أي: فعل به كالأداء.
وقوله «واجبه» ، أي واجب الهدي والأضحية، والمراد ما وجب قبل التعيين.
مثال ذلك: رجل قال: لله علي نذر أن أضحي هذا العام، ولكنه لم يضح حتى غابت الشمس، فنقول: اقض هذه الأضحية.
والصواب في هذه المسألة أنه إذا فات الوقت، فإن كان
تأخيره عن عمد فإن القضاء لا ينفعه، ولا يؤمر به؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ، وأما إذا كان عن نسيان أو جهل أو انفلتت البهيمة، وكان يرجو وجودها قبل فوات الذبح حتى انفرط عليه الوقت، ثم وجد البهيمة ففي هذه الحال يذبحها؛ لأنه أخرها عن الوقت لعذر، فيكون ذلك كما في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» (2) .
وإن كانت وصية ليست له، فهل تدخل في عموم قوله: «قضى واجبه» ؟ الجواب: لا، فالوصية تعتبر تطوعاً من الموصي، والواجب على الموصى إليه هو التنفيذ.
فنقول: إن الموصى إليه قائم مكان الموصي، والموصي لو أخرها إلى ما بعد غروب الشمس، أي: بعد فوات الوقت فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنها في حقه تطوع وليست بواجبة، وعلى هذا فإذا قدر أن الوصي لم يضحِّ هذا العام لعذر مثلاً، قلنا له: أخرها إلى العام القادم واذبحها في أيام الذبح، فيذبح على هذا أضحيتين، أضحية قضاء العام الماضي، والثانية أداء لهذا العام.
__________
(1) سبق تخريجه ص(158).
(2) سبق تخريجه ص(202).
فَصْلٌ
وَيَتَعَيَّنَانِ بِقَوْلِه: هَذَا هَدْي أو أضْحِيَةٌ لاَ بِالنِّيَّةِ ...........
قوله: «ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية لا بالنية» ، أي: الهدي والأضحية بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو أضحية بالنسبة للأضحية، فيتعينان بالقول، ولا يتعينان بالنية، ولا بالشراء، فلو اشترى شاة بنية أن يضحي بها فإنها لا تتعين ما دامت في ملكه، إن شاء باعها وإن شاء فسخ النية، وإن شاء تصدق بها، وإن شاء أهداها.
وكذلك لو اشترى شاة يريد أن تكون هدياً كهدي متعة ـ مثلاً ـ، وفي أثناء الطريق قبل أن يقول: هي هدي، أراد أن يبيعها فلا بأس، وهنا فرق بين أن يقول: هذا هدي، أو هذه أضحية على سبيل الإخبار، وبين أن يقول: هذا هدي أو أضحية على سبيل الإنشاء، ويظهر الفرق بينهما بالمثال:
رجل يجر شاة فقال له من رآه: ما هذه؟ قال: هذه شاة للأضحية، يعني أنها شاة يريد أن يضحي بها، فهذا خبر وليس بإنشاء، بخلاف ما إذا قال: هذه أضحية لله، وأنشأ أن تكون أضحية فإنها حينئذ تتعين.
وعلم من كلام المؤلف أنها لا تتعين بالفعل، أي لا يتعين الهدي، ولا الأضحية بالفعل، ولكن في هذا نظر، فإنهم نصوا على أن الهدي إذا قلده أو أشعره بنية أنه هدي، فإنه يكون هدياً، وإن لم ينطق به.
والتقليد هو أن يُقَلِّد النعال، وقطع القرب، والثياب الخَلِقة، وما أشبه ذلك في عنق البهيمة، فإنه إذا علق هذه الأشياء في
عنقها فهم من رآها أنها للفقراء، وهذا كان معتاداً في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وعهد من بعده، حتى تضاءل سَوْق الهدي بين الناس، وصار لا يعرف هذا الشيء.
وأما الإشعار فهو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن من رآه يعرف أن هذا معد للنحر.
والإشعار مع أنه سوف يتأذى به البعير، ولكن لما كان لمصلحة راجحة سمح فيه كما سمح في وسم الإبل في رقبتها أو في أذنها أو فخذها أو عضدها وما أشبه ذلك، مع أن الوسم كي بالنار، لكن للمصلحة، وأحياناً يجب وسمها إذا كان يتوقف حفظ إبل الصدقة أو خيل الجهاد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فنقول: الهدي يتعين بالقول وبالفعل مع النية.
فالقول قوله هذا هدي.
والفعل الإشعار، أو التقليد مع النية يكون هدياً بذلك. ويترتب على التعيين وعدمه مسائل ستذكر فيما بعد.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: أنه إذا اشتراه بنية الأضحية، أو بنية الهدي أنه يكون هدياً أو يكون أضحية، وأنه لا يشترط لذلك لفظ؛ لأن المقصود أن يتعين هذا أضحية أو هدياً، وهذا يحصل بالنية لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) ، ولكن الأظهر ما ذهب إليه
__________
(1) سبق تخريجه ص(70).
المؤلف ـ رحمه الله ـ وهو المشهور من المذهب، بدليل أن الإنسان لو اشترى عبداً ليعتقه في كفارة أو غيرها فلا يعتق، أو اشترى بيتاً ليوقفه على الفقراء أو المساكين، أو طلبة العلم، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يكون البيت وقفاً بمجرد الشراء حتى يفعل ما يختص بهذا الشيء، ولهذا قلنا في الهدي لما كان يشرع تقليده أو إشعاره: إن تقليده أو إشعاره مع النية يعتبر تعييناً.
وقوله: «لا بالنية» ، أي لا يتعين بالنية، كما لو أخرج الإنسان دراهم؛ ليتصدق بها فلا تتعين الصدقة إن شاء أمضاها، وإن شاء أبقاها؛ لأنه لم يدفعها للفقراء، فالحاصل أننا إذا سئلنا بماذا تتعين الأضحية؟ قلنا: بالقول، وبماذا يتعين الهدي؟ قلنا: بالقول وبالفعل، وإنما زاد الهدي بالفعل؛ لأن له فعلاً خاصاً وهو التقليد أو الإشعار، أما الأضحية فليس لها فعل خاص، ولهذا لا تكون أضحية إلا بالقول ولو فرض أن الناس جعلوا علامة على الأضحية، بمعنى أن الشاة إذا فعل فيها كذا وكذا فهي أضحية، فهل نقول إنه كالإشعار والتقليد؟
الجواب: نعم، وكانوا فيما سبق إذا اشتروا الضحايا ـ الغنم ـ وضعوا على رأسها الحناء أو على جنبها أو على أليتها، لكنهم لا يجعلون هذا علامة على أنها أضحية، بل علامة على أنها ملك فلان لئلا تختلط بغيرها، فهذه لا تتعين، لكن إذا كان هناك علامة معروفة عند الناس أنه إذا عُلِّمت الشاة أو البعير بهذه العلامة فهي هدي أو أضحية فإنها تتعين بذلك.
وَإِذَا تَعَيَّنت لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، ولاَ هِبَتُهَا إِلاَّ أن يُبْدِلَهَا بِخَيرٍ مِنْهَا وَيَجُزُّ صُوفَها وَنَحْوَه إِنْ كَانَ أنْفَعَ لَهَا ....
قوله: «وإذا تعينت لم يجز بيعها» ، شرع في الأحكام التي
تترتب على تعيينها، فإذا تعينت لم يجز بيعها؛ لأنها صارت صدقة لله، كالوقف لا يجوز بيعه، والعبد إذا أعتق لا يجوز بيعه فلا يجوز بيعها بأي حال من الأحوال، حتى لو ضعفت وهزلت فإنه لا يجوز له بيعها.
قوله: «ولا هبتها» ، أي: لا يجوز أن يهبها لأحد، والفرق بين البيع والهبة أن البيع بعوض، والهبة تبرع بلا عوض.
وهل يجوز أن يتصدق بها؟
الجواب: لا يجوز أن يتصدق بها، بل لا بد أن يذبحها، ثم بعد ذبحها إن شاء وهبها وتصدق بما يجب التصدق به، وإن شاء أبقاها، وإن شاء تصدق بها كلها، لكن لا بد أن يتصدق منها بجزء كما سيأتي ذكره إن شاء الله (1) . وينبني على ذلك وجوب ذبحها ولا بد، وعلى هذا لو أن الإنسان يقود هديه فلقي فقراء وقالوا: أعطنا إياه فأعطاهم إياه، فهل يجزئه الهدي؟
الجواب: لا يجزئه.
فإن قالوا: نذبحه لك ووكلهم بذلك فهل يجزئ.
الجواب: فيه تفصيل: إن كان يثق بهم، وأنهم سوف يذبحونه فلا بأس، ويكونون وكلاء له، أما إذا لم يثق بهم بحيث يخشى أنهم سيأخذونه ثم يذهبون فيبيعونه، فهذا لا يجزئه.
مسألة: لو قال قائل: هذا جار لي فقير وطلب مني أن أعطيه أضحيتي يذبحها ويتصدق بها، فهل الأفضل أن يُعطيه إياها أو الأفضل أن يعطيه غيرها ليضحي بها لنفسه؟
__________
(1) عند قول الماتن: «وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز».
الجواب: الثاني أفضل، ويكتب لك أجر أضحيته؛ لأنك ساعدته على ذلك.
قوله: «إلا أن يبدلها بخير منها» أي: فيجوز، والإبدال نوع من البيع، لكن الغالب أن البيع يكون بنقد، ثم يشتري بدلها أضحية، لكن إذا أبدلها بخير منها مثل أن يكون عَيَّن هذه الشاة أضحية، ثم وجد مع شخص آخر شاة خيراً منها في السمن والكبر والطيب، وأراد أن يبدلها بخير منها، فإن ذلك لا بأس به؛ لأنه زاد خيراً ولم يتهم برد شيء من ملك هذه الأضحية إلى نفسه وربما يستدل لذلك بحديث الرجل الذي قال: يا رسول الله، «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صلِّ هاهنا فأعاد عليه، قال: صلِّ هاهنا، فأعاد عليه ثالثة، فقال: شأنك إذاً» (1) ، فدل ذلك على أن الإنسان إذا أبدل العبادة بما هو خير منها جاز ذلك، ولا بأس به، وعلى هذا فإذا أبدلها بخير منها فلا حرج: للدليل الأثري وهو قصة الرجل الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلِّ هاهنا» .
والدليل النظري: فيقال: إنه زاد خيراً منها؛ لأن هذا أفضل وأنفع للفقراء وأثمن غالباً.
وعلم من قوله: «إلا، أن يبدلها بخير منها» ، أنه لو باعها ليشتري خيراً منها فإن ذلك لا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى مسألة واحدة وهي الإبدال، وعلى هذا فلو قال أنا أريد أن أبيعها ثم أشتري خيراً منها قلنا: لا يجوز.
__________
(1) سبق تخريجه ص(96).
وقال بعض العلماء: يجوز؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل باعها بنية أن يبدلها بخير منها فيكون جائزاً، كما لو أبدلها رأساً بخير منها.
ولكن الأولى سد الباب، وأن لا يتصرف فيها ببيع؛ لأنه ربما يتصرف فيها ببيع ليشتري خيراً منها، ثم لا يتيسر له أن يشتري أو يأخذه الطمع، أو ما أشبه ذلك، وعليه فلا يستثنى إلا الإبدال فقط.
قوله: «ويجز صوفها» ، هذا أيضاً مما يترتب على التعيين أنه لا يأخذ منها شيئاً لا صوفاً ولا لبناً إذا كان لها ولد يضره أخذ اللبن؛ لأنها الآن أصبحت خارجة عن ملكه.
ولو قال: أنا أريد أن أجز صوفها؛ لأنتفع به، قلنا: لا يجوز إلا إذا كان أنفع لها فلا بأس، وكيف يمكن أن يكون أنفع لها؟
الجواب: يمكن إذا كان عليها صوف كثير يؤذيها، وكان في جزه راحة لها، أو حصل فيها جرح وجز الشعر من أجل إبراز الجرح للهواء حتى ينشف ويبرد أو من أجل مداواته.
والخلاصة أنه إذا كان جز الصوف أنفع فإنه يجزه، وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر فلا يجوز؛ لأن المؤلف قيده بما إذا كان أنفع.
وقوله: «ونحوه إن كان أنفع لها» ، أي: نحو الصوف كالشعر والوبر، قال الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] الشعر يكون للبقر والمعز، وللإبل الأوبار، وللضأن الأصواف.
وَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَلاَ يُعْطِي جَازِرَهَا أجرَتَه مِنْهَا، وَلاَ يَبِيعُ جِلْدَهَا، ولاَ شَيْئاً مِنْهَا، بَلْ يَنْتَفعُ بِهِ ..
وقوله: «ويتصدق به» ، أي بهذا الذي جزه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا ينتفع به، وأنه يجب أن يتصدق به، فلو قال: أريد أن أجعله ثياباً أو أجعله حبالاً قلنا: لا يجوز، بل يجب أن تتصدق به.
وقال بعض العلماء: يجوز أن ينتفع به؛ لأنه إذا كان له أن ينتفع بالجلد كاملاً فالشعر من باب أولى، وهذا هو الصحيح أنه لا يجب عليه أن يتصدق به، لكن يجب أن يلاحظ الشرط وهو أنه لا يجزه إلا إذا كان ذلك أنفع لها، فإذا كان أنفع لها وجزه فنقول: إن شئت تصدقت به، وإن شئت وهبته وإن شئت فانتفعت به؛ لأن انتفاعك بالجلد والصوف، بل وبالشحم وباللحم والعظام جائز، ولا يلزمك أن تخرج إلا ما يصدق عليه اسم اللحم كما سيأتي.
قوله: «ولا يعطي جازرها أجرته منها، ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها بل ينتفع به» .
الجازر الذابح والناحر، فالناحر للإبل، والذابح لغيرها، وقوله: «لا يعطي جازرها أجرته منها» ؛ لحديث علي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها، لحومها وجلودها وجلالها ولا يعطي في جزارتها شيئاً (1) ؛ ولأن هذا الجازر نائب عنه، وهو ملزم بأن يذبحها هو بنفسه، فإذا كان
__________
(1) سبق تخريجه ص(204).
ملزماً بأن يذبحها؛ من أجل أن تكون قربة فإنه لا يمكن أن يعطي الجازر منها أجرته، وهو وكيل عنه.
وقد يقول قائل: ألستم تجيزون أن يعطى العامل على الزكاة من الزكاة، فلماذا لا يجوز أن نعطي جازر الأضحية والهدي من الهدي كما نعطي العامل على الزكاة؟
قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن هذا الجازر وكيل عن المالك، ولهذا لو وكل الإنسان شخصاً يفرق زكاته، فإنه لا يجوز أن يعطيه من سهم العاملين عليها.
فمثلاً لو أن إنساناً أرسل إلى شخص عشرة آلاف ريال، وقال له: خذ هذه وزعها زكاة، فهذا الذي أخذ العشرة آلاف لا يجوز أن يأخذ منها شيئاً؛ لأن العامل عليها هو الذي يتولاها من قبل ولي الأمر.
وهل يجوز أن يعطيه شيئاً من الأجرة؟
الجواب: لا، يعني لو قال اذبحها لي وكانت تذبح بعشرة ريالات، وقال: أعطيك خمسة من لحمها وخمسة نقداً، فلا يجوز؛ لأنه بذلك يكون قد باع ما تقرب به إلى الله وهو اللحم؛ لأن عوض الأجرة بمنزلة عوض المبيع فيكون قد باع لحماً أخرجه لله، وهذا لا يجوز.
وهل يجوز أن يعطيه هدية أو صدقة؟
الجواب: يجوز كغيره إن كان فقيراً يعطيه صدقة، وإن كان غنياً يعطيه هدية.
وقوله: «ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها» ، فكما سبق أنه لا
يبيعها إذا تعينت، فكذلك إذا ذبحت فإنها تتعين بالذبح، ويحسن أن نضيف هذا ـ أيضاً ـ إلى ما سبق من أنها تتعين بالقول، وبالفعل الدال على التعيين، وبالذبح؛ لأنها إذا ذبحت لم يعد يملك التصرف فيها.
وقوله: «ولا يبيع جلدها» بعد الذبح؛ لأنها تعينت لله بجميع أجزائها، وما تعين لله فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: أنه حمل على فرس له في سبيل الله يعني أعطى شخصاً فرساً يجاهد عليه، ولكن الرجل الذي أخذه أضاع الفرس ولم يهتم به، فجاء عمر يستأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم في شرائه حيث ظن أن صاحبه يبيعه برخص، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم» (1) ، والعلة في ذلك أنه أخرجه لله، وما أخرجه الإنسان لله فلا يجوز أن يرجع فيه، ولهذا لا يجوز لمن هاجر من بلد الشرك أن يرجع إليه ليسكن فيه؛ لأنه خرج لله من بلد يحبها فلا يرجع إلى ما يحب إذا كان تركه لله ـ عزّ وجل ـ، ولأن الجلد جزء من البهيمة تدخله الحياة كاللحم.
وقوله: «ولا شيئاً منها» ، أي لا يبيع شيئاً من أجزائها، ككبد، أو رجل، أو رأس، أو كرش، أو ما أشبه ذلك، والعلة ما سبق.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع شيئاً من ذلك ولو صرفه
__________
(1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب هل يشتري صدقته (1490)، ومسلم في الهبة/ باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به (1620).
فيما ينتفع به، وعلى هذا يمكن أن يلغز بهذه المسألة فيقال: شيء يجوز الانتفاع به، ولا يجوز بيعه ليشتري ما ينتفع به بدله؟
الجواب: الجلد لو أراد المضحي أن يدبغه، ويجعله قِربَةً للماء يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ويشتري بدلاً من القربة وعاءً للماء كالترمس مثلاً فلا يجوز، كل هذا حماية لما أخرجه لله أن يرجع فيه.
وَإِنْ تَعَيَّبَتْ ذَبَحَهَا وَأجْزَأتْه إِلاَّ أن تَكُونَ وَاجِبَةً فِي ذِمَّتِهِ قَبل التَّعيِين..
قوله: «وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين» ، «وإن تعيبت» الفاعل يعود على المتعيِّن من هدي أو أضحية، وهذا مما يترتب على قولنا: إنها تتعين، أنها لو تعيبت بعيب يمنع من الإجزاء فإنه يذبحها وتجزئ.
مثال ذلك: اشترى شاة للأضحية ثم انكسرت رجلها، وصارت لا تستطيع المشي مع الصحاح بعد أن عينها، فإنه في هذه الحال يذبحها وتجزئه؛ لأنها لما تعينت صارت أمانة عنده كالوديعة، وإذا كانت أمانة ولم يحصل تعيبها بتعديه أو تفريطه، فإنه لا ضمان عليه فيذبحها وتجزئه، وربما يستدل لذلك بقصة الرجل الذي اشترى أضحية فعدا الذئب على أليتها فأكلها فأذن له النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يضحي بها (1) ، وذلك لأن فقد الألية عيب يمنع الإجزاء، لكنه لما كان هذا العيب بعد التعيين، وليس بتفريط منه ولا بفعله فإنه أمين، ولا ضمان عليه.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (3/32، 78، 76)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب من اشترى أضحية صحيحة فأصابها عنده شيء (3146) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال البوصيري: «إسناده ضعيف».
وقوله: «وإن تعيبت ذبحها وأجزأته» ، يستثنى من ذلك ما إذا تعيبت بفعله، أو تفريطه: بأن تكون بعيراً حمل عليها ما لا تستطيع أن تحمله، ثم عثرت وانكسرت، ففي هذه الحال يضمنها بمثلها أو خير منها، وكذلك لو كان بتفريطه، كأن يترك الأضحية في مكان بارد، في ليلة شاتية، فتأثرت من البرد، ففي هذه الحال يجب عليه ضمانها بمثلها أو خير منها؛ لأنه فرط، فلتفريطه يجب عليه الضمان.
وقوله: «إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين» ، فيجب عليه البدل.
مثال ذلك: رجل عليه هدي تمتع، وهدي التمتع واجب في ذمته وليس واجباً بالتعيين، لكن هدي التطوع لا يجب عليه إلا إذا عينه فيجب عليه ذبحه، والفرق أن الواجب في الذمة قبل التعيين يطالب به الإنسان كاملاً، والواجب بالتعيين وأصله تطوع فيه هذا التفصيل الذي سبق وهو أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون ذلك بفعله أو تفريطه.
مثال الواجب في الذمة قبل التعيين: اشترى رجل هدي تمتع وعينه، ثم بعد ذلك عثر هذا الهدي وانكسر، فلا يجزئه أن يذبحه لما كان منكسراً؛ لأنه قد وجب في ذمته قبل التعيين أن يذبح هدياً لا عيب فيه، وهذا الهدي فيه عيب فليزمه أن يبدله بمثله.
مسألة: لو أنه عين هذه أضحية ثم هربت ولم يحصل عليها، فإن كانت واجبة قبل التعيين كأن يكون نذر أضحية، لزمه
البدل مثلها أو خير منها؛ لأنه لم يوف بما عليه؛ وإن لم تكن واجبة قبل التعيين نظرنا إن فرط فعليه ضمان، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه.
مثال آخر: اشترى هدياً ثم هرب ولم يمسكه وعجز عنه ـ بعد أن عينه ـ فيلزمه بدله؛ لأنه واجب في ذمته قبل التعيين، أما هدي التطوع فإنه لا يلزمه.
وإذا قلنا يجب عليه بدله فاشترى البدل وذبحه وبعد ذبحه وجد الضال الذي هرب فهل يلزمه أن يذبحه، أو يكتفي بالبدل؟
القول الراجح أنه يكتفي بالبدل؛ لأن الرجل ضمن ما هرب وأدى الواجب بدلاً عن الذي هرب، وإذا كان يجوز أن يبدلها بخير منها وهي حاضرة، فكذلك إذا كانت هاربة من باب أولى، ولكن المذهب ليس له أن يسترجع الضال إذا وجده بل يذبحه؛ قالوا: لأن هذا الضال تعين بالتعيين فيجب عليه أن يذبحه، لكن هذا التعليل عليل، هو تعين بالتعيين ولكن أقام مقامه البدل فبرئت ذمته، فإذا عاد هذا الذي ضل فإنه يعود على ملك صاحبه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
وكذلك إذا نذر أن يذبح أضحية فاشترى شاة، وقال هذه أضحية للنذر ثم تعيبت بكسر أو عرج أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يذبحها لأنه عينها ويذبح بدلها لأنها لا تجزئ، فلا بد أن يذبحها ويقضي ما وجب بالنذر، والصواب خلاف ذلك كما سبق وأنها إذا تعيبت ولو كانت واجبة في ذمته قبل التعيين فإنه يذبح بدلها خيراً منها أو مثلها وتجزئ، فالله لم يوجب على العباد عبادتين بدون سبب.
إذاً قوله: «إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين» ، هذا الاستثناء على القول الراجح لا حاجة إليه إذا ذبح بدلها.
والأضْحِيَةُ سُنَّةٌ وَذَبْحُهَا أفْضَلُ مِن الصَّدَقَة بِثَمَنِهَا وَيُسَنُّ أنْ يَأكُلَ وَيَهْدِي وَيَتَصدَّقَ أثْلاَثاً وَإنْ أكَلَهَا إِلاَّ أوقيةً تَصَدَّقَ بِهَا جَاز، وَإلاَّ ضَمنها.
قوله: «والأضحية سنة» ، الأضحية هي: ما يذبح من النعم في أيام الأضحى تقرباً إلى الله ـ عزّ وجل ـ.
فقولنا: «ما يذبح في أيام الأضحى» خرج به ما يذبح في غير أيام الأضحى، فإنه ليس بأضحية حتى ولو ذبح ضحى، فالعقيقة ـ مثلاً ـ إذا ذبحناها في الضحى في غير أيام الأضاحي لا تسمى أضحية.
وقولنا: «تقرباً إلى الله» خرج به ما لو ذبح لوليمة عرس في أيام الأضحى فإنها ليست بأضحية، فلا بد أن ينوي بذلك التقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ بهذا الذبح.
وقوله: «سنة» ، أي: سنة مؤكدة جداً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم داوم عليها وضحى عشر سنوات، وحث عليها حتى قال: «من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» (1) ، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بالمصلى، ولهذا اختلف العلماء هل هي سنة مؤكدة لا يكره تركها، أو سنة يكره تركها للقادر، أو واجبة؟
فذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ وأصحابه إلى أنها واجبة،
__________
(1) أخرجه أحمد (2/321)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب الأضاحي واجبة هي أم لا (3123)؛ والدارقطني (4/276)؛ والحاكم (2/389) و(4/231) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
وصححه الحاكم، وقال الحافظ في البلوغ (1348): صحح الأئمة وقفه.
وأن القادر يأثم إذا لم يضح، ومال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ إلى هذا؛ لأنها شعيرة ظاهرة قرنها الله تعالى بالصلاة في قوله: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *} [الكوثر] ، وفي قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الأنعام] .
والقول بالوجوب للقادر قوي؛ لكثرة الأدلة الدالة على عناية الشارع بها، واهتمامه بها فالقول بالوجوب قوي جداً، فلا ينبغي للإنسان إذا كان قادراً أن يدعها، ولكن إذا كان الناس في بيت واحد، وقيم البيت واحد فإنه يجزئ عن الجميع ولا حاجة إلى أن يضحي كل واحد، خلافاً لما اعتاده بعض الناس الآن تجد الأب يضحي، والزوجة تقول سأضحي والبنات الموظفات يقلن سنضحي، والبنين الموظفين يقولون: سنضحي، فهذا خلاف السنة، ما دام في المسألة سنة واضحة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فلا ينبغي أن نتجاوز، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم ضحى بواحدة عنه وعن أهل بيته (1) وعنده تسع زوجات، كل واحدة في بيت واقتصر على ذلك، والمطالب بالتضحية هو رب البيت لأنه من الإنفاق بالمعروف.
ولكن لمن تسن للأحياء أم للأموات؟
الجواب: أنها سنة للأحياء، وليست سنة للأموات، ولذلك لم يضح النبي صلّى الله عليه وسلّم عن أحد ممن مات له، لا عن زوجته خديجة ـ رضي الله عنها ـ وهي من أحب النساء إليه، ولا عن عمه حمزة ـ رضي الله عنه ـ وهو من أحب أعمامه إليه، ولا عن أحد من أولاده ـ رضي الله عنهم ـ الذين كانوا في حياته، وأولاده بضعة
__________
(1) سبق تخريجه ص(422).
منه، وإنما ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن أراد أن يدخل الأموات في العموم فإن قوله قد يكون وجيهاً، ولكن تكون التضحية عن الأموات هنا تبعاً لا استقلالاً؛ ولهذا لا يشرع أن يضحى عن الإنسان الميت استقلالاً؛ لعدم ورود ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن ضُحي عنه:
قيل: تكون أضحية.
وقيل: تكون صدقة.
والفرق بينهما ظاهر، فإن الأضحية أجرها أكثر من أجر الصدقة.
قوله: «وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها» .
فلو قال شخص: أنا عندي خمسمائة ريال، هل الأفضل أن أتصدق بها أو أن أضحي بها؟ قلنا: الأفضل أن تضحي بها.
فإن قال: لو اشتريت بها لحماً كثيراً أكثر من قيمة الشاة أربع مرات، أو خمس مرات، فهل هذا أفضل أو أن أضحي؟
قلنا: الأفضل أن تضحي، فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها أو أكثر ليتصدق به؛ وذلك لأن المقصود الأهم في الأضحية هو التقرب إلى الله ـ تعالى ـ بذبحها لقول الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] ، كما أن عتق العبد أفضل من الصدقة بثمنه.
فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مسغبة، وكانت الصدقة بالدرهم أنفع تسد ضرورة المسلمين فأيهما أولى؟
الجواب: في هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أولى؛ لأن فيها إنقاذاً للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، فقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
قوله: «ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً» ، أي: يشرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب أن يقسمها أثلاثاً، فيأكل الثلث، ويهدي بالثلث، ويتصدق بالثلث.
والفرق بين الهدية والصدقة: أن ما قصد به التودد والألفة فهو هدية؛ لما جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا» (1) ، وما قصد به التقرب إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني.
وقوله: «أثلاثاً» أي ثلثاً للأكل، وثلثاً للهدية، وثلثاً للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، وقدم الأكل؛ لأن الله قدمه فقال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] .
وقوله: «ويسن أن يأكل» .
ظاهره: أنه لو تصدق بها كلها فلا شيء عليه ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سنّة كما هو قول جمهور العلماء.
وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛
__________
(1) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (594)؛ والبيهقي (6/169) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وعزاه الحافظ في البلوغ (935) إلى أبي يعلى وحسن إسناده.
لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع «أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها» (1) ، قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مائة بعير مائة قطعة تطبخ في قدر، ويأكل منها يدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله ـ عزّ وجل ـ فيدخل في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ـ عزّ وجل ـ (2) .
وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته.
واستحب بعض العلماء : أن يأكل من كبدها.
وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجاً؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كثير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيهم، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.
وقوله: «يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً» ، هذا ما اختاره أصحاب الإمام أحمد ـ رحمهم الله ـ وهذا ما ورد عن السلف ـ رحمهم الله ـ وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافاً لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}، وقوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة يحصل بهذا أو بغيره، وهذا القول أقرب إلى ظاهر
__________
(1) سبق تخريجه ص(76).
(2) سبق تخريجه ص(460).
القرآن والسنة، ولكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة؛ لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعاً أعظم مما لو أهديت له ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذا مصلحة فهي مطلوبة، ولكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة.
والرسول صلّى الله عليه وسلّم تصدق بكل لحم الإبل في الهدي، إلا القطع التي اختارها صلّى الله عليه وسلّم أن تجمع في قدر وتطبخ (1) .
وقوله: «ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق» ، ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية حتى الواجب بالنذر فإنه يأكل منها، ويهدي ويتصدق، وهو صحيح، بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبراناً، ويأكل منه إذا كان شكراناً، فدم هدي التمتع والقران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفارة والأول شكر، فلذلك أكل النبي صلّى الله عليه وسلّم من هديه، وهو واجب بالقران.
إذاً الأضحية يأكل منها، سواء كانت واجبة بالنذر أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه تفصيل كما يلي:
أولاً: ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة.
__________
(1) سبق تخريجه ص(76) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
ثانياً: ما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران، فإنه يأكل منه، كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا إشكال أنه يأكل منه ويتصدق ويهدي.
وظاهر كلام المؤلف ـ أيضاً ـ أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به.
ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في مال اليتيم فإنه يعمل فيها ما جاءت به الشريعة، فيؤكل منها، ويهدى، ويتصدق.
مسألة: هل يشرع أن يُضحى من مال اليتيم؟ في هذا تفصيل:
إن جرت العادة بأنه يضحي من أموال اليتامى، وأنه لو لم يضح من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أن يضحى من ماله، كما أننا نشتري له ثوباً جديداً للعيد مع أن عنده ثوباً يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يوازي غيره من الناس.
فهي إذاً ـ أعني الأضحية ـ من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فإنه يضحي ولو من ماله، وهذا يقع.
مثال ذلك: أن يكون في هذا البيت أيتام ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم أو أعمامهم، أو من أي أنسان، المهم عنده مال، فهل نضحي
من أموالهم وندفع لهم الأضحية ليضحوا بها ويفرحوا مع الناس؟ أو نقول هذه أموال يتامى لا يجوز أن يتبرع منها بشيء؟
الجواب: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس، لانكسرت قلوبهم فإنه يضحى عنهم من مالهم.
قوله: «وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز وإلا ضمنها» ، الضمير «ها» يعود على الأضحية، أي أكلها كلها ولم يتصدق بمقدار أوقية، فإنه يضمن الأوقية، وهي معيار معروف صنجة يوزن بها. لأن الله قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}، أي: وأطعموا منها، ومن للتبعيض، وأدنى جزء من الأضحية يصدق عليه أنه بعض.
وقال بعض العلماء: إن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم، فإنه لا حرج عليه، ولكن لو أكلها جميعاً فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم.
مثال ذلك: رجل ضحى بشاة وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، نقول له الآن: يجب عليك أن تتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، فاشتر لحماً من السوق، وتصدق به من أجل حق الفقراء، فإن أكلها إلا عضدها ـ مثلاً ـ أجزأه ذلك؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم.
وَيَحْرُمُ عَلَى مَن يُضَحِّي أن يَأخُذَ فِي العَشْرِ مِن شَعْرِهِ أوْ بَشَرتِهِ شيئاً.
قوله: «ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً» ، الحرام من تركه لله أثيب، وإن فعله استحق العقاب على فعله.
والدليل على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئاً» (1) ، والأصل في النهي التحريم.
والحكمة من ذلك أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لنسك الحج محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أثيب عليها، والذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شرع لهم أن يضحوا في مقابل الهدي، وشرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئاً، يعني لا يترفه، فهؤلاء ـ أيضاً ـ مثله، وهذا من عدل الله ـ عزّ وجل ـ وحكمته، كما أن المؤذن يثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، فشرع له أن يتابع.
وقوله: «يحرم» ، هذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: أنه يكره وليس بحرام.
ولكن الذي يظهر أن التحريم أقرب؛ لأنه الأصل في النهي لا سيما فيما يظهر فيه التعبد، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أكد النهي بقوله: «فلا يأخذن» ، والنون هذه للتوكيد.
وقوله: «على من يضحي» يفهم منه أن من يُضَحَّى عنه لا حرج عليه أن يأخذ من ذلك، والدليل على هذا ما يلي:
أولاً: أن هذا هو ظاهر الحديث، وهو أن التحريم خاص
__________
(1) أخرجه مسلم في الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة أن يأخذ من شعره... (1977) عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ.
بمن يضحي، وعلى هذا فيكون التحريم مختصاً برب البيت، وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم علق الحكم بمن يضحي، فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم.
ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل أنه كان يقول لهم: لا تأخذوا من شعوركم وأظفاركم وأبشاركم شيئاً، ولو كان ذلك حراماً عليهم لنهاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه، وهذا هو القول الراجح.
فإن قال قائل: ما وجه قول من يقول: إنه يحرم على من يضحي أو يضحى عنه؟
قلنا: وجهه أنهم قاسوا المضحى عنه على المضحي؛ لاشتراكهم في الأجر، فكما أن المضحي يؤجر فالمضحى عنه يؤجر أيضاً، فلما اشتركا في الأجر اشتركا في الحكم.
فيقال: هذا القياس لا يصح؛ لأنه في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد الاعتبار، أي: غير معتبر ولا يرجع إليه، ثم إن التساوي ممنوع، فإنهما وإن أجرا على هذه الأضحية، فإن أجر من بذل المال، وتعب في ذبحها لا يساويه أجر من ضُحي عنه فقط، بل من بذل المال أكثر أجراً ممن لم يبذله.
وقوله: «أن يأخذ في العشر» ، المراد بالعشر عشر ذي الحجة إلى أن يضحي، فإن ضحى يوم العيد انفك ذلك عنه يوم العيد، وإن تأخر إلى اليوم الثاني، أو الثالث لم ينفك عنه ذلك إلا في اليوم الثاني أو الثالث حتى يضحي.
وقوله: «من شعره» الشعر معروف، هو شامل للشعر المستحب إزالته، والمباح إزالته، فلا يأخذ منه شيئاً.
وقوله: «شيئاً» يشمل القليل والكثير.
مثال المستحب إزالته: شعر الإبط والعانة.
والمباح إزالته كالرأس، فلا يحلق رأسه، ولا يقص منه شيئاً حتى يضحي.
وقوله: «أو بشرته» أي جلده، لا يأخذ منه شيئاً، وهل يمكن للإنسان أن يأخذ من جلده شيئاً؟ نقول: يمكن أن يأخذ كما يلي:
أولاً: إذا كان لم يختتن، وأراد الختان في هذه الأيام نقول له: لا تختتن؛ لأنك ستأخذ من بشرتك شيئاً.
ثانياً: بعض الناس يغفل فتجده يقطع من جلده من عقب الرجل، والإنسان الذي يعتاد هذا الشيء لا بد أن يصاب بتشقق العقب، فإن تركه سكن، وإن حركه فتن عليه، ولو كان فيه جلد ميت اتركه حتى لا يتشقق ويزيد.
مسألة: سكت المؤلف عن شيء جاء به الحديث وهو «الظفر» ، ولا أعلم أن أحداً من العلماء أهمل حكمه، ولعل المؤلف ـ رحمه الله ـ تركه اقتصاراً أي ذكر شيئين مما جاء به الحديث وأسقط الثالث، ولكن الحكم واحد فلا يأخذن من ظفره شيئاً، لكن لو أنه انكسر الظفر، وتأذى به فيجوز أن يزيل الجزء الذي يحصل به الأذية ولا شيء عليه، وكذلك لو سقط في عينه شعرة، أو نبت في داخل الجفن شعر تتأذى به العين، فأخذه بالمنقاش جائز؛ لأنه لدفع أذاه.
وفهم من كلام المؤلف أنه إذا أخذ شيئاً من ذلك فلا فدية عليه وهو كذلك، ولا يصح أن يقاس على المحرم؛ لأن الاختلاف ظاهر لما يلي:
أولاً: المحرم لا يحرم عليه إلا أخذ الرأس، وما سواه فإنه بالقياس، وهذا الحديث عام للرأس وغير الرأس.
ثانياً: المحرم لا يحرم عليه أخذ شيء من بشرته، وهذا يحرم.
ثالثاً: المحرم عليه محظورات أخرى غير هذا، فالإحرام أشد وأوكد فلذلك وجبت الفدية فيه، أما هذا فإنه لا فدية فيه.
مسألة: لو أخذ الإنسان وتجاوز هل تقبل أضحيته؟
الجواب: نعم تقبل لكنه يكون عاصياً، وأما ما اشتهر عند العوام أنه إذا أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو بشرته في أيام العشر فإنه لا أضحية له فهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا علاقة بين صحة التضحية والأخذ من هذه الثلاثة.
وإذا قدر أن الرجل لم ينو الأضحية إلا في أثناء العشر، وقد أخذ من شعره وبشرته وظفره فيصح، ويبتدئ تحريم الأخذ من حين نوى الأضحية.
فَصْلٌ
تُسنُّ العَقِيقةُ عَن الغُلاَمِ شَاتَان، وَعَن الجَارِيَةِ شَاةٌ ......
قوله: «تسن العقيقة» ، العقيقة فعيلة بمعنى مفعولة، فهي عقيقة بمعنى معقوقة، والعق في اللغة القطع، ومنه عق الوالدين أي قطع صلتهما.
والمراد بالعقيقة شرعاً : الذبيحة التي تذبح عن المولود، سواء كان ذكراً أو أنثى.
وسميت عقيقة؛ لأنها تقطع عروقها عند الذبح، وهذه التسمية لا تشمل كل شيء، فلو قال قائل: والذبيحة العادية تقطع عروقها فهل يصح أن تسمى عقيقة؟
نقول: لا، لكن مناسبة التسمية لا تنسحب على جميع ما وجد فيه هذا المعنى، ولهذا نسمي المزدلفة جمعاً ولا نسمي عرفة جمعاً ولا نسمي منى جمعاً، فما سمي لمعنى من المعاني فإنه لا يقاس عليه ما شاركه في هذا المعنى فيسمى بهذه التسمية؛ ولهذا لا نقول الأضحية عقيقة، ولا الهدي عقيقة، ولا ذبيحة الأكل عقيقة مع أن سبب تسمية العقيقة بذلك موجود في هذه.
وعند العامة تسمى العقيقة تميمة، يقولون: لأنها تتمم أخلاق المولود، وأخذوا هذا من قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث: «كل غلام مرتَهَن بعقيقته» (1) ، فإن المعنى أنه محبوس عن
__________
(1) وتمامه: «تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويسمى» .
أخرجه أحمد (5/7، 12، 17، 22)؛ وأبو داود في الضحايا/ باب العقيقة (2838)؛ والترمذي في الأضاحي/ باب من العقيقة (1522)؛ والنسائي في العقيقة/ باب متى يعق (7/166)؛ وابن ماجه في الذبائح/ باب العقيقة (3165)؛ والحاكم (4/237) عن سمرة ـ رضي الله عنه ـ وقال الترمذي: «حسن صحيح» وصححه الذهبي في «تلخيص المستدرك».
الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان.
وقوله: «تسن» أي: سنة في حق الأب، وهي سنة مؤكدة حتى أن الإمام أحمد قال: يقترض إذا لم يكن عنده مال وأرجو أن يخلف الله عليه؛ لأنه أحيا سنة، فإن لم يكن الأب موجوداً فهل تسن في بقية العصبة أو في حق الأم؟
الظاهر أنه إذا لم يكن الأب موجوداً كما لو مات وابنه حمل، فإن الأم تقوم مقام الأب في هذه المسألة.
وقوله: «تسن العقيقة» ، هل يشترط في ذلك القدرة؟ أو حتى للفقير؟
نقول: إذا كانت الواجبات الشرعية يشترط فيها القدرة فالمستحبات من باب أولى، فالفقير لا نقول له: اذهب واقترض، لكن إذا كان الإنسان لا يجد الآن، إلا أنه في أمل الوجود كموظف ولد له ولد في نصف الشهر، وراتبه على قدر حاجته فهو الآن ليس عنده دراهم، لكن في آخر الشهر سيجد الدراهم، فهل نقول: اقترض ثمن العقيقة واشتر به حتى يأتيك الراتب، أو نقول: انتظر حتى يأتيك الراتب؟ الثاني أحسن؛ لأنه يحصل به إبراء الذمة، ولا يدري الإنسان ربما تحصل فيما بين ولادة المولود وبين حلول الراتب أشياء تستلزم الأموال فيأتيه مرض، أو تنكسر السيارة، وما أشبه ذلك، فالأولى أن يقال: لا تقترض حتى إن رجوت الوفاء عن قرب فانتظر، والعقيقة لا تلزم في اليوم
السابع، أو في اليوم الرابع عشر، أو الحادي والعشرين.
قوله: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» ، الغلام أي: الذكر، هكذا جاءت السنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالتفريق بين الذكر والأنثى (1) .
وقوله: «عن الغلام شاتان» ينبغي أن تكون الشاتان متقاربتين سناً وحجماً وشبهاً وسمناً، وكلما كانتا متقاربتين كان أفضل، فإن لم يجد الإنسان إلا شاة واحدة أجزأت وحصل بها المقصود، لكن إذا كان الله قد أغناه فالاثنتان أفضل.
قوله: «وعن الجارية شاة» الجارية الأنثى، وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الرجل ضعف المرأة.
وهل هناك مواضع أخرى؟
الجواب: نعم، هي: الفرائض، والدية، والشهادة، والصلاة، لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً على المشهور عند أكثر العلماء، فإذا كانت امرأة تحيض أكثر الحيض صار لها من الصلاة في كل شهر نصف شهر فيزيد الرجل عليها بنصف شهر، وكذلك أيضاً في العطية إذا أعطى الإنسان أولاده فإنه يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وأيضاً ورد في الحديث أن عتق الذكر عن عتق جاريتين (2) .
__________
(1) لما روته عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة، أخرجه الإمام أحمد (6/31، 158، 251)؛ والترمذي في الأضاحي/ باب ما جاء في العقيقة (1513)؛ وابن ماجه في الذبائح/ باب العقيقة (3163)؛ وصححه الترمذي وابن حبان (1058).
(2) لحديث أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أيما امرئ مسلم أعتق امرءاً مسلماً كان فكاكه من النار يجزئ كل عضو منه عضواً منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضو منهما عضواً منه من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزئ كل عضو منها عضواً منها» .
أخرجه الترمذي في النذور والأيمان/ باب ما جاء في فضل من أعتق (1547)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصححه ابن القيم في الهدي (2/332).
مسألتان:
الأولى : لو أن عند إنسان سبع بنات لم يعق عنهن، فهل يجزئ أن يذبح عنهن بعيراً؟ الجواب: لا يجزئ.
الثانية: لو ذبح عن واحدة بعيراً فقيل: إنها لا تجزئ؛ لأن هذا خلاف ما عينه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: تجزئ؛ لأنها خير من الشاة.
تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ فَإِنْ فَاتَ فَفِي أربَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ فَاتَ فِفِي إِحْدَى وَعِشْرين،...
قوله: «تذبح يوم سابعه» ، أي: يسن أن تذبح في اليوم السابع (1) ، فإذا ولد يوم السبت فتذبح يوم الجمعة يعني قبل يوم الولادة بيوم، هذه هي القاعدة، وإذا ولد يوم الخميس فهي يوم الأربعاء وهلم جرًّا.
والحكمة في أنها تكون في اليوم السابع؛ لأن اليوم السابع تختم به أيام السنة كلها، فإذا ولد يوم الخميس مر عليه الخميس والجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فبمرور أيام السنة يتفاءل أن يبقى هذا الطفل ويطول عمره.
فبناء على هذا التعليل لو مات الطفل قبل السابع فإنها تسقط العقيقة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «تذبح يوم السابع» (2) ، ولكن هذا
__________
(1) - (2) لحديث سمرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه... سبق تخريجه ص(489).
التعليل قد يكون الإنسان في شك منه، ويقول: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم اختار اليوم السابع؛ لأن هناك أشياء كثيرة معلقة بالعدد سبعة، ولا ندري هل لحكمة أو لا؟ وعليه تسن العقيقة ولو مات قبل السابع.
ولكن هل يشترط أن يخرج حياً أو يشترط أن تنفخ فيه الروح فقط؟
الجواب: من العلماء من قال بالأول، وقال: لو نفخت فيه الروح وخرج من بطن أمه ميتاً فإنه لا عقيقة له.
ومنهم من قال: بل يعق عنه، وإن خرج ميتاً إذا خرج بعد نفخ الروح؛ لأنه بعد نفخ الروح سوف يبعث، فهو إنسان ترجى شفاعته يوم القيامة، بخلاف من خرج قبل نفخ الروح فيه فإنه لا يعق عنه؛ لأنه ليس بإنسان ولهذا فإن الجنين لا يبعث يوم القيامة إذا سقط قبل نفخ الروح فيه؛ لأنه ليس فيه روح حتى تعاد إليه يوم القيامة.
إذاً عندنا أربع مراتب:
الأول: خرج قبل نفخ الروح فيه، فلا عقيقة له.
الثانية: خرج ميتاً بعد نفخ الروح، ففيه قولان للعلماء.
الثالثة: خرج حياً ومات قبل اليوم السابع فيه أيضاً قولان، لكن القول بالعق أقوى من القول بالعق في المسألة التي قبلها.
الرابعة: بقي إلى اليوم السابع ومات في اليوم الثامن يعق عنه قولاً واحداً.
مسألة: ذكر الشارح أنه يسمى في اليوم السابع، ومحل ذلك
ما لم يكن الاسم قد هيِّئ قبل الولادة، فإن كان قد هيئ قبل الولادة فإنه يسمى يوم الولادة.
والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخل ذات يوم على أهله فقال: «ولد لي الليلة ولد سميته إبراهيم» (1) ، فسماه من حين ولادته؛ لأنه قد هيأ الاسم.
ولو اتفق الأهل على تسميته في اليوم الرابع أو الخامس، فإن الأولى أن يؤخر إلى اليوم السابع.
مسألة: وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر، ويتصدق بوزنه ورِقاً أي: فضة، وهذا إذا أمكن بأن يوجد حلاق يمكنه أن يحلق رأس الصبي، فإن لم يوجد وأراد الإنسان أن يتصدق بما يقارب وزن شعر الرأس فأرجو ألاَّ يكون به بأس، وإلا فالظاهر أن حلق الرأس في هذا اليوم له أثر على منابت الشعر، لكن قد لا نجد حلاقاً يمكنه أن يحلق رأس الصبي؛ لأنه في هذا اليوم لا يمكن أن تضبط حركته، فربما يتحرك ثم إن رأسه لين قد تؤثر عليه الموسى، فإذا لم نجد فإنه يتصدق بوزنه ورقاً بالخرص.
وفي هذه المناسبة يجب أن يختار الإنسان لولده الاسم الذي لا يعيَّر به عند الكبر، ولا يؤذى به؛ لأن الأب قد يعجبه اسم معين لكن في المستقبل يتأذى به الولد، فيكون سبباً لأذية ابنه، ومعلوم أن أذية المؤمن حرام، وعليه فيختار أحسن الأسماء
__________
(1) أخرجه مسلم في الفضائل/ باب رحمته (ص) الصبيان والعيال (2315) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
وأحبها إلى الله، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» (1) ، وأما ما يروى: «خير الأسماء ما عبِّد وحمِّد» (2) ، فهذا لا أصل له ولا يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم إنه إذا لم يعجبه التسمية بعبد الله وعبد الرحمن؛ لكثرة هذين الاسمين في حمولته ويخشى من الاشتباه، كما يوجد في بعض الحمائل الكبار، حتى إنه ربما يكون الكتاب الذي يرسل إلى فلان يصل إلى فلان الآخر المساوي له في الاسم، أو يحتاج أن يذكره إلى خامس جد أو ما أشبه ذلك، فله أن يسمي باسم آخر لكن يختار ما هو أنسب وأحسن.
ويحرم أن يسمي باسم يُعبد لغير الله، فلا يجوز أن يسمي عبد الرسول، ولا عبد الحسين، ولا عبد علي، ولا عبد الكعبة، وقد نقل ابن حزم الإجماع على تحريم ذلك إلا عبد المطلب فإنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» (3) ، فأخذ بعض العلماء من هذا جواز التسمية بعبد المطلب، ولكن الحديث لا دليل فيه؛ لأن الحديث من باب الإخبار لا من باب الإنشاء، فالرسول يتحدث عن جده يعني عن اسم سمي وانتهى ومات صاحبه، والإخبار ليس كالإنشاء، ولهذا
__________
(1) أخرجه مسلم في الآداب/ باب النهي عن التكني بأبي القاسم (2132) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) كشف الخفاء (1/468).
(3) أخرجه البخاري في الجهاد والسير/ باب من قاد دابة غيره في الحرب (2864)؛ ومسلم في المغازي/ باب غزوة حنين (1776) عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ.
لا يجوز على القول الراجح أن يسمي الإنسان ابنه بعبد المطلب، فإن استدل مستدل بكلام الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجبناه بأن ذلك من باب الإخبار، ولهذا لو كان لك أب يسمى بعبد الرسول فلك أن تقول أنا فلان ابن عبد الرسول وليس هذا إقراراً؛ بل إخباراً، لكن إذا كان عبد الرسول حياً فإنه يغير اسمه إلى آخر، فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، والمحرم الإنشاء.
مسألة: هناك أسماء بدأت تظهر على الساحة لا سيما في النساء وهي غريبة، وقد ذكر بعض الناس رجلاً سمى ولده نكتل فقيل له لماذا؟ قال: لأن هذا أخو يوسف {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ} وهذا من الجهل فهم يريدون أن يتبركوا بالأسماء الموجودة في القرآن الكريم فيختطفون ولا يفكرون ولا يقدرون، فالذي ينبغي أن يُختار الأسماء الموجودة في عرفه والتي يألفها الناس، وليس فيها محظور شرعي، وأما الأسماء الغربية فهي إن كانت من الأسماء المختصة بالكفار فهي حرام؛ لأن هذا من أبلغ التشبه بهم، ومن أكبر ما يجعلهم في العلياء، فإذا كان المسلمون يختارون أسماء هؤلاء الكفار، مثل جورج وما أشبهه، فإنهم بذلك يعظمونهم.
أما أسماء الملائكة:
فمن العلماء من قال: التسمي بأسمائهم حرام.
ومنهم من قال: إنه مكروه.
ومنهم من قال: مباح.
والأقرب الكراهية مثل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فلا نسمي بهذه الأسماء؛ لأنها أسماء ملائكة.
أما الأسماء بما في القرآن مما ليس فيه محظور، مثل سندس، فلا بأس؛ لأن هذا ليس فيه محظور، وليس فيه تزكية، لكن كما قلت لكم كون الإنسان يختار من الأسماء ما يألفه الناس ويسيرون عليه هذا هو الأولى.
والأصل أن التسمية مرجعها إلى الأب؛ لأنه هو ذو الولاية، لكن ينبغي أن يستشير الأم وإخوانه في الاسم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (1) ، ومن المعلوم أن الإنسان إذا تبسط مع أهله واستشار في هذه الأمور أنه من الخيرية بلا شك، ولأجل أن تطيب القلوب.
وأحياناً يتعارض قول الأم مع قول الأب في التسمية، فالمرجع إلى قول الأب، لكن إن أمكن أن يجمع بين القولين باختيار اسم ثالث يتفق عليه الطرفان فهو أحسن؛ لأنه كلما حصل الاتفاق فهو أحسن وأطيب للقلب.
قوله: «فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين» ، أي: تعتبر الأسابيع الثلاثة الأولى السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرون.
__________
(1) أخرجه الترمذي في المناقب/ باب فضل أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم (3895)؛ وابن حبان (4177)؛ ـ إحسان ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقال الترمذي: «حسن غريب صحيح» وصححه ابن حبان، وأخرجه ابن ماجه في النكاح/ باب حسن معاشرة النساء (1977) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وصححه ابن حبان (4186).
قال في الشرح: يروى عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ (1) ، فإن فات اليوم الحادي والعشرون ففي أي يوم؛ لأنه ربما لا يتيسر للإنسان أن يذبح في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الحادي والعشرين.
تُنْزَعُ جُدُولاً وَلاَ يُكْسَرُ عَظْمُهَا، وحُكمُهَا كَالأضْحِيَةِ إِلاَّ أنَّه لاَ يُجْزِئ فِيها شرِك فِي دَمٍ. ...
قوله: «تنزع جدولاً ولا يكسر عظمها» ، أي: أعضاءً، يعني لا تكسر عظامها، وإنما تقطع مع المفاصل، وهذا أيضاً مروي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ (2) ، قالوا: من أجل التفاؤل بسلامة الولد وعدم انكساره، ولكن ليس هناك دليل يطمئن إليه القلب في هذه المسألة؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تفصل كما يفصل غيرها بدون أن نأخذها عضواً عضواً، والغريب أن بعض الناس قال: وينبغي أن تطبخ بالحلو أي يوضع فيها سكر تفاؤلاً بحلاوة أخلاق الطفل، وهذا قول ضعيف؛ لأنه ليس فيه دليل، ومسألة التفاؤل لا ينبغي أن نتوسع فيها هذا التوسع.
قوله: «وحكمها كالأضحية» ، أي: حكم العقيقة حكم الأضحية في أكثر الأحكام ومنها:
__________
(1) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: «بل السنة أفضل عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة تقطع جدولاً، ولا يكسر لها عظم، ويطعم ويصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشر، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين».
أخرجه الحاكم (4/238)، وصححه، ووافقه الذهبي؛ وضعفه الألباني لعلتين، انظرهما في: «الإرواء» (4/395).
(2) سبق تخريجه ص(497).
أولاً: أنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، فلو عق الإنسان بفرس لم تقبل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) ، وقد قال: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة» (2) .
ثانياً: أنه لا بد أن تبلغ السن المعتبرة، وهو ستة أشهر في الضأن، وسنة في المعز، وسنتان في البقر، وخمس سنين في الإبل.
ثالثاً: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء كالعور البيِّن، والمرض البين، والعرج البين، وما أشبه ذلك.
وتخالف الأضحية في مسائل منها:
أولاً: أن طبخها أفضل من توزيعها نِيَّة؛ لأن ذلك أسهل لمن أطعمت له.
ثانياً: ما سبق أنه لا يكسر عظمها، وهذا خاص بها.
ثالثاً: ما ذكره المؤلف أنه لا يجزئ فيها شرك في دم بقوله:
«إلا أنه لا يجزئ فيها شرك في دم» ، أي العقيقة لا يجزئ فيها شرك دم، فلا تجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، ولا تجزئ عن ثلاثة ولا عن أربعة من باب أولى؛ ووجه ذلك:
أولاً: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف.
ثانياً: أنها فداء، والفداء لا يتبعض؛ فهي فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس فلا بد أن تكون نفساً.
__________
(1) سبق تخريجه ص(158).
(2) سبق تخريجه ص(491).
والتعليل الأول لا شك أنه الأصوب؛ لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على عدم ورود ذلك.
وَلاَ تُسَنُّ الفَرَعَةُ، وَلاَ العَتَيِرةُ
قوله: «ولا تسن الفرعة ولا العتيرة» ، هاتان ذبيحتان معروفتان في الجاهلية وقد اختلفت الأحاديث في إثباتهما أو نفيهما، ومن ثم قال المؤلف: «لا تسن الفرعة».
والفرعة هي ذبح أول ولد للناقة، فإذا ولدت الناقة أول ولد فإنهم يذبحونه لآلهتهم تقرباً إليها، ومعلوم أن الإنسان إذا ذبح على هذا الوجه كان شركاً أكبر لا إشكال فيه، لكن لو ذبح شكراً لله على نعمته لكون هذه الناقة ولدت، فيذبح أول نتاج لها شكراً لله ـ عزّ وجل ـ؛ من أجل أن يبارك الله له في النتاج المستقبل، فهنا لا شك أن النية تخالف ما كان عليه أهل الجاهلية تماماً، ولكنها توافق ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الفعل وإن اختلفت النية، فهل يقال: إنها من أجل ذلك يُنْهى عنها كما نهي عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله؟ هذا هو التعليل الصحيح لولا أنه ورد في السنة (1) ما يدل على الجواز؛ وعلى هذا فنقول:
__________
(1) من ذلك ما رواه نبيشة الهذلي قال: «قالوا: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله ـ عزّ وجل ـ في أي شهر ما كان، وبروا الله تبارك وتعالى وأطعموا، قال: يا رسول الله إنا كنا نفرع في الجاهلية فرعاً فما تأمرنا؟ قال: في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه، قال خالد: أراه قال: على ابن السبيل ـ فإن ذلك هو خير».
أخرجه أحمد (5/75، 76)؛ وأبو داود في الضحايا/ باب في العتيرة (2830)؛ والنسائي في الفرع والعتيرة/ باب تفسير العتيرة (7/169)؛ وابن ماجه في الأضاحي/ باب الفرع والعتيرة (3167)؛ والحاكم (4/235)؛ والبيهقي (9/311).
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «الإرواء» (4/412) على شرط الشيخين.
إن ذبح الإنسان الفرعة بقصد كقصد أهل الجاهلية فهو شرك محرم لا إشكال فيه، وإن ذبحها من أجل أن يكون ذلك شكراً لله على هذا النتاج الذي هذا أوله، ولتحصل البركة في المستقبل فهذا لا بأس به.
ولكن هل هو سنة؟ يقول المؤلف: «لا تسن» .
وقوله: «ولا العتيرة» ، والعتيرة فعيلة بمعنى مفعولة، من العَتْرِ وهي ذبيحة في أول شهر رجب، فقد كانوا في الجاهلية يعظمون رجباً، لأن رجباً أحد الأشهر الأربعة الحرم التي هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا يعظمون هذا الشهر ويخصونه بالعمرة أيضاً، كما كان لهم عبادات في هذا الشهر منها العتيرة يذبحونها في أول رجب.
والمؤلف يقول: «لا تسن» ، واستدل بالحديث المتفق عليه وهو قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا فَرَعَ ولا عتيرة» (1) ، وفي رواية: «لا فَرَعَ ولا عتيرة في الإسلام» (2) ، وتخصيص ذلك في الإسلام يوحي بأنها من خصال الجاهلية، ولهذا كره بعض العلماء العتيرة بخلاف الفرعة لورود السنة بها، وأما العتيرة فجديرة بأن تكون مكروهة ـ يعني الذبيحة في أول رجب ـ لا سيما وأنه إذا ذبحت في أول رجب، وقيل للناس إن هذا لا بأس به فإن النفوس
__________
(1) أخرجه البخاري في العقيقة/ باب الفرع والعتيرة (5473)؛ ومسلم في الأضاحي/ باب الفرع والعتيرة (1976) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه;ـ.
(2) أخرجها الإمام أحمد (2/229).
ميالة إلى مثل هذه الأفعال، فربما يكون شهر رجب كشهر الأضحية ذي الحجة ويتكاثر الناس على ذلك، ويبقى مظهراً ومشعراً من مشاعر المناسك وهذا لا شك أنه محظور.
فالذي يترجح عندي أن الفرعة لا بأس بها لورود السنة بها، وأما العتيرة فإن أقل أحوالها الكراهية؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نفى ذلك وقال: «لا فرع ولا عتيرة».
وبهذا يكون قد انتهى باب الأضاحي، والهدي، وبه يتبين لنا أن الدماء المشروعة ثلاثة أقسام: هدي وأضحية وعقيقة.
وأما وليمة العرس التي قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: «أولم ولو بشاة» (1) ، فإنها لا تختص ببهيمة الأنعام، فكما تكون بها تكون بغيرها، كالطعام، والتمر، والحيس الذي يخلط فيه التمر والأقط والسمن، وغير ذلك، لكن إذا أولم بشاة فلا بأس.
مسألة: ما يفعله بعض الناس إذا نزل منزلاً جديداً ذبح ودعا الجيران والأقارب، هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوباً بعقيدة فاسدة، كما يفعل في بعض الأماكن إذا نزل منزلاً، فإن أول ما يفعل أن يأتي بشاة ويذبحها على عتبة الباب حتى يسيل الدم عليها، ويقول: إن هذا يمنع الجن من دخول البيت، فهذه عقيدة فاسدة ليس لها أصل، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور فهذا لا بأس به.
__________
(1) أخرجه البخاري في البيوع/ باب ما جاء في قول الله عزّ وجل {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ} (2049)؛ ومسلم في النكاح/ باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن (1427) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
مسألة: ما يفعله بعض الناس الآن إذا كان في رمضان ذبحوا ذبائح وقالوا: هذا عشاء الأب، وهذا عشاء الأم، وهذا عشاء الجد، وهذا عشاء الخالة، عشاء الوالدين، فهذا أيضاً ليس بمشروع إلا إذا ذبح الإنسان هذا من أجل اللحم، لا من أجل أن يتقرب إلى الله بالذبح، فإن كان هذا الأول فإنه لا بأس به فقد يقول: أنا لا أريد أن أذهب إلى المجزرة وأريد أن أذبح الشاة عندي، وآكل لحمها فقط، لا تقرباً إلى الله بالذبح، ولا افتخاراً فيقال: ذبح عن أبيه شاة أو ما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.
والهدي منه ما هو واجب، ومنه ما هو تطوع، فالواجب هدي المتعة والقران، والتطوع أن يتقرب الإنسان إلى الله ـ عزّ وجل ـ بذبح شاة، أو بعير، أو بقرة في مكة؛ ليتصدق بها على الفقراء بدون سبب.
وأما الدم الواجب لفعل محظور، أو ترك واجب، فهذا يسمى فدية، ولا يأكل منه صاحبه شيئاً.